الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                          انجازات محكم التمييز الاتحادية                                          

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
  من سدنة العدالة
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

السوابق القضائية كدليل للقضاء الدستوري بين الأمرَكة والوضعيّة

السوابق القضائية كدليل للقضاء الدستوري بين الأمرَكة والوضعيّة[1]

 

سامر الناصر[2]

 

مفاتيح الدراسة: السوابق القضائية في القضاء اللاتيني. السوابق القضائية في القضاء الدستوري. ماهية صيرورة القرار القضائي.

 

الخطة:

مثاقفة في القرار القضائي في المحاكم متععدة الافراد: طبيعة صيرورة القرار؛ الصوت المغاير؛ الصيرورة للسوابق ومعظلة الصوت المغاير. ولادة مفهوم السوابق في القانون الاسباني: السوابق في الفقه التمييزي الاسباني؛ السوابق في القضاء الدستوري؛ تراكم السوابق والفقه القضائي الدستوري المترعرع ـ ولادة المشكلة؛ نشوبها؛ مغالطتها؛ عدوى المفهوم للفقه القضائي الاوربي. تراكم السوابق وتنظيم الفكر القانوني. جدوى الموضوع في القضية العراقية ـ القضاء الدستوري في العراق وإحتمالية عدوى الامركة غير المنظمة؛ مغزى القول؛ معضلة المشكلة؛ خلاصة فلسفية.

 

مثاقفة.

           ما زال موضوع فعّالية القضاء، وخاصة القضاء الدستوري يُثير مشاغل ليس فقط رجال القانون، إنما يثير السياسي، المشرّع، وحتى ألمواطن الحريص على مبادئ الديمقراطية وحرية الأغلبية في فرض القرار. دراستنا هذه ستتعرض لعدة محاور. أبتداءا من طرح أسلوب صياغة أحكام القضاء الدستوري في أسبانيا، كنموذج لاتيني حديث مقارنة مع المفهوم الأنكلوسكسوني الكلاسيكي ومعايرة بالمفهوم الأمريكي. ومن ثم لنتدرج إلى تفعيل موضوع المغالطة فيما بين القرارات غير المجتمع عليها وقوتها لإيجاد السوابق القضائية في مجتمعات السوابق وحيثية عدوى مفهوم السوابق هذا للمجتمع القانوني اللاتيني لتبرز هيكلية جديدة كأمرَكة للقانون اللاتيني، ومن ثم لنظرب على خضم مفهوم السوابق حيثما نعثر على قرارات قضائية غير متفق عليها، متضاربة ومتناقضة فيما بينها، أو قرارات قضائية منبوذة من قبل نفس من سنها.

 

1.

          أتخاذ القرارات القضائية ذات طبيعة دستورية كانت أم نقضية من قبل الهياكل القضائية متعددة الأفراد ليعتبر من أصعب ما يمكن أن يواجهه القانون. ليطرح أولاً معضلة الأغلبية في فرض القرار، وثانياً كيفية الاتفاق الموضوعي للتوصل للقرار. لكن مشكلة هذا الخلاف قد لا تجد ذاك الصدى لدى قضاء الدرجة الثانية (الاستئناف) أو التمييز مثل ما تجد لها من صدى لدى القضاء الدستوري. أولاً من حيث الموضوع، بحد ذاته، الحكم القضائي الدستوري لا يعني شخصاً، أو مجموعة أشخاص في محل الخلاف بحد ذاته، ولا يقتصر فقط لفرض رأيه كسابقة قضائية ملزمة للقضاء الاعتيادي؛ إنما القرار الدستور لهو موجه وملزم للمشّرع بحد ذاته، وليفرض نفسه كجزء لا يتجزأ من أحكام الدستور نفسه، ليحيل القاضي الدستور ليس فقط محل المشرّع، وإنما محل المؤسس السياسي بحد ذاته.

          مقصد القول هنا ليس من مقصد سياسي، حول ديمقراطية القرار أم لا، وإنما وهدف مغزى القول هو للطرق على أوتار طبيعة سن قرارات القضاء الدستوري هذه. لنجد منها ما عرفت بأسلوبية الإقرار بالاتفاق السرّي والجماعي Per curiam. هذا المفهوم يقضي على ان المحكمة الدستورية، بغض النظر عن عدد أعضائها، تتشاور، تصوّت، ويصدر منها صوت واحد، القرار. طبيعة الاتفاق، التصويت، الأغلبية، أراء الأعضاء تبقي سرية لا يعلمها إلا أعضائها. هذا المفعوم كان المفهوم الساري في ألمانيا، إيطاليا وبعض القرارات ألاستشارية التي يقدمها مجلس الأعيان البريطاني للملك، حيت تتطلب قرار واحد، صوت واحد غير قابلة للرد ولا المغالطة.

          المفهوم، أو الأسلوب الثاني، هو المعمول عليه في مجلس الأعيان البريطاني، حيث نجد كل عين قانوني يتقدم برأي، يناقض رأي الجماعة بطريقة علنية، ومن ثم يجري التشاور للحيلولة للرأي الأكثر تقارباً لفكرة الجماعة ومن ثم التصويت عليه، بغض النضر عن اتفاق الجماعة عن مجاز القرار نفسه، إلا أننا نجد أصوات متضاربة في حيثيات ووسائل القرار، لكن متفقة مع القرار نفسه. هذا الأسلوب ليبرز مفهوم آخر مغالط للمفهوم الاتفاقي، حيث أن تضارب الآراء ليثري مجموع رأي المجتمع، ليس فقط المجتمع القضائي، وإنما الفقه الأكاديمي وحتى السياسي، ليجلب مفاهيم جديدة يمكن بلورتها في ما بعد عن طريق مشاريع تشريعية، سياسية، أو حتى دراسات وبحدوث ذات أصداء جامعية بحته؛ ولا يمس في سلطة الأمر المقضي به ولا متانة السابقة القضائية، حيث أن قرار الأغلبية في نهاية المطاف لهو قانون ديمقراطي سار على الجميع. ولأنما مفهوم المغالطة هذا ليزرع بذرة نقض السابقة القضائية فيما بعد، حيثما تتبلور الفكرة وتتطور معالمها.

 

          السلوك أو المفهوم الثالث هو المفهوم الأمريكي وريث القاضي مارشال القائم على فكرة "وجهة نظر المحكمة”. حيث أن لكل قضية قاض مهمته تحقيق نص الحكم بناء على المداولة السابقة والخلاصة التي توصل لها الأجماع حول غاية الحكم النهائي. لتنشأ بعد تدوين الحكم الخلافات الفقهية حول حيثيات الأسباب الموجبة للحكم نفسه[3].

 

          كل هذه المفاهيم العائمة في حقل الحياة اليومية للمحاكم الدستورية لتجلب من خلافات ومداخلات أصدائها ابتعدت حتى عن المفاهيم القانونية بحد ذاتها. المشكلة لم تطرح نفسها كمفهوم عويص لدى رجال القانون الأنكلوسكسوني العائم على مفهوم أن القاضي يصنع القانون. فكيفما كان الخلاف، مهمة القاضي اولاً واخراً تكمن في صناعة القانون، حيث ان القانون بحد ذاته هو جملة من العرف القانوني والسوابق القضائية. لكن المشكلة صارت تطرح نفسها لدى الديمقراطيات الحديثة التي وجدت نفسها على مهب الريح بين تاريخها اللاتيني، والتقاليد الحديثة الطاغي عليها المفهوم الأنكلوسكسوني، والأمريكي مؤخراً. حيث ان مصب المشكلة لا يكمن فقط في النقل والمغالطة الفقهية، بل حيث قيام محاكم دُوليّة مختلطة، مثل محاكم الإتحاد الأوربي ومجلس أوربا، حيث وجد القضاة الفرنسيين انفسهم في خضمّ الخلاف في حيثيات صياغة قراراتهم مع زملائهم القضاء الإنجليز، وحتى المحامون الإنجليز بمفاهيمهم وأعرافهم القانونية معايرة بالقضاة اللاتينيين. أضف الى ذاك الدور المركزي الذي لعبه المترجمون في ترجمة عرائض المطالعات، ومن ثم الأحكام القضائية بحد ذاتها، كما سنرى لاحقاً.

 

          الخلاف، بحد ذاته، ليس بخلاف ذا طبيعة دستورية، حيث ان محاكم ألاتحاد الأوربي المختلطة ليست بمحاكم ذات طبيعة دستورية على الدول الإعضاء، فأين المشكلة إذاً؟

 

          ألخلاف هنا خلاف شخصي وموضوعي. شخصي حيث ان بعض أعضاء المحاكم المختلطة بعد انتها مدة انتدابهم للمحاكم الأوربية بعضهم يرجع ليجد تنسبياً لدى المحاكم الدستورية المحلية، أو ليعد إلى منصب أكاديمي فلتجده ينقل عدوى المفاهيم المختلطة من المحاكم الاتحادية ذات أساليب قانونية غير محددة. ومن ثم دور المحامون انفسهم، حيث من يترافع أمام المحاكم الاتحادية يجد نفسه مرة هناك وأخرى أمام محاكمه المحلية فلتراه يتخبط في الأسلوب الجدلي بين هذا وذاك. اضف لهذا العدوى الموضوعية حيث ان لبعض القرارات الاتحادية تأثير مباشر على القضاء الدستوري المحلي، فلنجد في آخر المطاف انفسنا أمام مفاهيم قضائية ذات طبيعة دستورية محضة. والمشكلة لا تكمن في هذا ولا ذاك، وإنما لدراستنا هذه للتطرق إلى مفهوم السابقة القضائية الدستورية في حد ذاته، وليس كأثره القانوني، وإنما حيثية ولادة السابقة، تقلبها، الزاميتها، الطعن بها، التخلي عنها، وطبيعة المحاكم التي تنشها.

 

          قبل أن ندخل في خضم الموضوع، لنطرح مثلاً ذات طبيعة جدلية[4]، لكون حقيقية المحكمة الدستورية الأسبانية قائمة على إثني عشر عضواً، أي إنها محكمة ثنائية. فلنجد انفسنا أمام قضية من قضايا الطعن غير المباشر حيث أن المدعي يتشبث في المواد 15.1، 20.2، 21، 24.1، 42.2 للدفع بعدم دستورية قرار قضائي صادر عن محكمة أعتيادية. حيث أن ألمسألة عويصة الحل، يقضي قانون المحكمة إحالة الموضوع للجمعية العامة للمحكمة. بعد المداولة، وجد الموضوع أن 5 قضاة يتفقون على أن الحكم لا يتعارض مع الدستور وليس من ضرر دستوري لإبطاله؛ ثلاثة قضاة أتفقو على أن الحكم يتعارض مع أحكام المادة 14 من الدستور، غير المدفوع بها من قبل المدعي؛ ومن ثم أن الأربعة الباقية لتتفق أن الحكم يتعارض مع أحكام المادة 24.1 من الدستور. المشكلة هنا أن ألأغلبية سبعة قضاة تتفق على المغزى ـ عدم الدستورية ـ لكنها تختلف حول العلاقة السببية، والأقلية تدفع بعدم وجود مشكلة دستورية[5].

 

          هذا المثل يطرح مداولة طويلة، في المفهوم الأمريكي، لا تنتج عنه مشكلة، حيث ان المحكمة تصير إلي التصويت في مغزى الحكم جملةvoting the case، لتصر إلى رأي المحكمة المتفق عليه Majority rationale  ومن ثم يصير لكل قاض الحق في الشروع بكتابة الأسباب المسببة بشكل منفصل كأنها حكم مستقل بحد ذاته. بينما في القضاء الاسباني المعضلة قد تصير إلى الاتفاق جملة ومغايرة. فبناء على أن الكتلة المتفقة لعدم الدستورية مختلفة من حيث السبب، تصير للأقلية إمكانية الشروع بالقرار، بالرغم من أقليتها، ولكل قاض الحق في إبداء رايه الشخصي والمستقل مغايراً، معارضاً، أم متفقاً مع زملائه و الحكم النهائي.

 

          المعضلة هنا لا تكمن في القرار بحد ذاته، ولا باصدائه المتضاربة حيث يجد المتقاضي نفسه امام محكمة منشقة على نفسها بين ثلاث كتل متضاربة؛ المعضلة تكمن في أثر هذا القرار على القانون، العرف الدستوري السلوك القضائي المستقبل، مَن نتبع؟ وهل أن حكم كهذا يمكن أن نسميه فقه دستوري أو مؤسس لسابقة قضائية معتمدة أو متفق عليها؟

 

          هذا المثل الجدلي ليس فرضياً، وإنما لنجده في العديد من أحكام المحكمة الدستورية الأسبانية، والمحكمة العليا الأمريكية، وخاصة بعد حقبة التسعينات.حيث أن أراء أعضاء المحكمة (الأسبانية)، بالرغم من اتفاقها على الجدوى لكنها غير قابلة للتراكم[6]، وبنهاية المطاف، لأن الأحكام لتصدر متضاربة جدوى وموضوعا.

 

1.1 الصوت المغاير في القضاء الأسباني[7].

          الصوت القضائي المغاير لوجه نظر باقي أعضاء الهيكل القضائي محكوم بأحكام المادة 260 من قانون تنظيم السلطة القضائية الأسباني، سار المفعول في هذا الحيز على المحكمة الدستورية، حيث يلزم كل قاض شارك في المداخلة حول قضية ما، وله رأي يتعارض مع زملائه، أن يعلن عن نيته بطرح صوت مغاير قبل التوقيع على الحكم. الصوت المغاير هذا له عدة توجهات. أما أن يكون متفقاً من جوهر الحكم لكن مختلفاً مع الوسيلة، أو أن يكون مختلفاً بالهدف ومتفقاً بالوسيلة بسبب وجهة نظر مغايرة، أو أن يكون متفقاً بالهدف والوسيلة لكن يعتقد بوجود عوامل أخرى لم يتطرق لها الحكم، أو أن يكون مخالفاً مع الحكم جملة وموضوعاً لأسباب أخرى تتغاير مع من صوّت ضد الحكم حين التصويت.

 

          ليس من مصلحتنا هنا التداخل في حيثيات بناء كل من أساليب التصويت هذه، لكن مغزى بحثنا هذا ليهدف للضرب على أوتار الصوت المغاير هذا لخلق قلقله في قوة القرار المباشرة، بالرغم من ان القرار في نهاية المطاف يلبس لباس شرعية الأمر المقضي به، لكنه يفتح باب قلقة تردد الحكم فيما بعد كسابقة قضائية ومتانة الموضوع من وجهة النظر السياسية، إذا ما كان الموضوع المقضي به ذا توجه سياسي، أو أكاديمي.

 

 

          انطلاقاً من فكرة التفسير القانوني، يقول [8]Pecznik، القاضي حيثما يفسر تدريجياً إعبتاراً على:

1.      المفاهيم الأخلاقية الأساسية العائمة في حوض المفهوم القانوني؛

2.      الأسس القانونية والهدف التشريعي المرام به؛

3.      البناء اللغوي للنص القانوني محل التفسير؛

4.      المصادر العامة للقانون، والفقه القانوني المتفق عليه.

          لكن هذه النظرية قد لا تكون ذات وزن حيثما يتعلق الأمر بمسائل التفسير الدستوري من قبل القضاء الاعتيادي. فتنص المادة الخامسة من قانون تنظيم السلطة القضائية الأسباني على أن:  الدستور هو القانون السامي للنظام القانوني، ملزم لجمع المحاكم والقضاة، الذين مهمتهم تفسير النصوص التشريعية تحت أصداء المفاهيم الدستورية، وبناء على التفسير القضائي الصادر عن المحكمة الدستورية في جميع أنواع الإجراءات". النص هنا واضح لا جدل فيه من حيث إحالة كافة أفراد السلطة القضائية للمثول ومتابعة المفاهيم الناضبة عن المحكمة الدستورية في جميع أنواع الإجراءات، أي بعبارة أخرى، بغض النظر عن كيفية، أو حيثية إصدار القرار الدستوري كسابقة قضائية.

 

          المشكلة تطرح نفسها مبدئياً من حيث أننا نجد جميع أنواع الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، ملزمة لا محالة، بفض النضر عما إذا كان هناك صوت مغاير، وبغض النظر عن طبيعة هذا الصوت. أي أن سلطة الأمر المقضي به لا تقتصر على موضوع الدعوى، لكنها لتمتد لجملة المجتمع القانوني بالرغم من عدم الثبات على المفهوم في الحكم نفسه. أي أننا جلبنا مفهوماً ذا طبيعة إنجليزية محضة للمجتمع القانوني اللاتيني بالرغم من أن حيثيات نشوء السابقة القضائية في المجتمعات القانونية الأنكلوسكسونية لهي مغايرة تماماً، وكما رأينا فيما تقدم؛ لنصير في نهاية المطاف ضحايا أمركة للمفهوم القانوني بطريقة عفوية، لا إرادية، أو ربما لتكون بسبب عشوائي ناتج عن سذاجة النص التشريعي.

 

 

2. السابقة القضائية في القانون الأسباني، إفرازات وأصداء

 

2.1      القاضي حيثما يصدر حكماً ما، بعد دراسة وتمحيص، أو بعد تجميع العوامل غير أليقينه ووضعها في محور واحد لا ضير فيه ليبرز أن إمكانيته الفقهية والمهنية تتفوق على إمكانية المشرّع.  ولهذا السبب لنجد أن "القاضي جزء لا يتجرأ ولا ينصرم من القانون، حيث ما من قانون بلا قاضٍٍٍٍٍِِِِ؛ فللقاضي محل لا خلاف عليه في التنظيم القانوني، وهذا ليس مثل يقتصر على القانون الإداري حيث يلعب القاضي دور لولبي في فعالية القانون، وإنما ألقاض (هو فم القانون الذي ينطق تعابير وغايات المشرّع)، ليس بمفهوم مونتسكيو حيثما كان القصد تقييد صلاحية القضاء بنص القانون؛ وإنما بالمفهوم الضيّق حيث كلما ينطق من فم القاضي هو قانون سائر المفعول بين الأطراف المتنازعة في القضية المعنية، والمعروضة للقضاء"[9].

 

          من هنا أفرزت التجربة الدستورية الأسبانية، منذ تشكيل المحكمة الدستورية الأسبانية عام 1981، نتائج مذهلة جرّت لإيجاد مفاهيم وأساليب قانونية لم تكن معروفة قط في أسبانيا كبلد ذا فكر قانوني لاتيني. حيثما تأريخ الفكر القانوني، منذ نشوب الفكر الوضعي أواسط القرن التاسع عشر، كان عائماً على "تحليل نصوص القانون الوضعي بشكل منفصل، فردي؛ أي تحليل كل قاعدة قانونية على حدى دون معايرة لجملة النظام القانوني، أو قياساً بقواعد أو مفاهيم أخرى؛ سبب ذلك كان ناشباً بغية أصباغ قوة غير مغالط بها للقانون"[10]. أي أن رجال القانون، منذ الثورة الفكرية، "إقتصرو على دراسة القانون بمفهوم ضيق مقتصر على قواعد القانون الوضعي وإنفصلو انفصالاً تاماً عن مُعاربة القانون كنظام شامل لقواعد منظمة مرتبطة بمبادئ إعرابية لتحليل ماهيات ومفاهيم النظام القانوني". ومن هنا ولد بين رجال القانون اللاتيني المفهوم الضيق للقانون الوضعي Publicismo estricto الذي انحدر عنه المفهوم الصرف للقانون الوضعي. من هذا التعريف بحد ذاته نشب الخلاف حيث ان تعريف القانون كنظام قانوني ليجرنا لمأزرة المفهوم الذري، لرسم القانون كذرة كيميائية مركزها قواعد القانون الوضعي محاطة بقشرات متعددة من مفاهيم قانونية، سلوك، عادات وتقاليد اجتماعية وأخلاقية صارت كلها مضغوطة بنهاية المطاف، أي محاطة بقشرة سميكة أسمها الفقه القضائي كعامل مشترك يتفاعل ويعاير كل المفاهيم وليربط بين فحوى القانون ونتيجة القرار القضائي الذي ينطق به القضاة أمام كل نزاع.

 

          ألمشكلة هنا ليست في حيثيات تأثر القاضي بعوامل جديدة تتضارب جملة ومغزى مع المبادئ الديمقراطية والإرادة الجماعية؛ بل لأن الموضوع صار إلى مشاكل حرفية، عملية تتنازع مع مفاهيم وضوح القواعد القانونية المرام تطبيقها على كل نزاع. لأن رجل القانون صار الى تحليل حلقات متتالية من العوامل المؤثرة على القانون، بعضها قانونية لكن بعضها بعيدة وحتى غير مأخوذة بعين الاعتبار من قبل المشرّع، لصارت تؤثر تأثيراً مباشرة في تحديد عوامل فعالية القانون؛ ولوجد القانون نفسه أمام جملة لا نهاية لها من المفاعلات لم يحسب لها المشرّع الوضعي حساباً. ولأننا لنجدت هذا المفهوم لصار يعانق حركات التمدن بين رجال القانون اللاتيني، ولينظر لمن يحاول الرجوع للوضعية المطبقة كمن يصدح بالرجعية ويطالب بالعودة للحقب المنصرمة.

 

          رجال القانون اليوم تركو ممارسة القانون كمواد مقننة، مشرّعة من قبل المشرّع الاعتيادي، تركو مراجعة المتون التشريعية، والدستورية، وصارو للهتف بأحكام السوابق القضائية، الفقه القضائي، ومن هذا شقق فروع وفروع لإيجاد، بدون مفهوم محدد أو سبب مسببـ، مفاهيم جديدة للفقه والسوابق. مثل الفقه القضائي المتفق عليه، الفقه القضائي الساري، الفقه القضائي العائم، أو حتى الفقه القضائي المنعزل. مفاهيم بحد ذاتها مبهمة لغوية لا محل لها من التفسير المنطقي في مجتمعات القانون الوضعي ولصرنا نتمسك بها كعروة وثقى ذات مغزى دستوري لا محالة، كما سنرى.

 

          ولان الموضوع لم يصر فقط لأنك تقرأ عرائض المحاكم كلها مدعمة بالسوابق القضائية، بناء على أحكام المحاكم، بل وإن أطراف الدفاع نسو حتى محتوى قواعد القانون وصاروا لدعم مرافعاتهم بالسوابق فقط وكأننا في إنكلترا أو الولايات المتحدة وليس في أسبانيا، فرنسا أو إيطاليا. والمشكلة الأكبر ليست هنا فقط، ولأنك تقرا أحكام المحاكم ولتجدها معبئة بأحكام السوابق القضائية، حتى القضاة نسو مبادئ القانون وصارو لانتداب السوابق فقط لترجيح قراراتهم. صار موضوع الرجوع للسوابق كالسباق، حيث يملأ المحام عريضة الدعوى بأكثر عدد من السوابق ليثر انتباه القاضي حول إمكانيته ومعرفته المهنية، ويغيض محام النزاع إذا لم يدعم مطالعتها بنفس عدد السوابق. والعدوى لم تبقى هنا فقط، بل امتدت وإن الموضوع وصل حتى للمحكمة الدستورية، راع الدستور نفسه ومفسره، صار يفسر الدستور بناء على سوابقه وليس بناء على المبادئ العامة للتفسير. أي أننا اصبحنا نبني تفاسير قانونية قائمة بناء على تفاسير أخرى ولصرنا نراكم السوابق ومنها تنحدر مفاهيم التفسير، وليس من القانون نفسه، المعبر عن الإرادة العامة، ولا حتى الدستور محل العقد الاجتماعي؛ أي اننا صرنا إلى نظام قانوني ليس بوضعي، وليس قائم فقط على السوابق، بل إننا اصبحنا تحت حكم قانون معاير بناء على مفاهيم الصُدف والمقتطفات من هنا وهناك.[11]

 

          ربما كنت قد ضربت على وتر هذا الموضوع مسبقاً فسميته أمركة للقانون، لكن خضم التجربة ليجرني إلى بلورة فكرة الأمركة هذه اليوم وقد مرة حقبة من الزمن منذ أن صغت فكرة الأمركة تلك. حيث قدمت فكرة أمركة القانون لأول مرة، كان قصدي تعويل أساليب القانون الأمريكية، من حيث الأسلوب لدى رجال القانون اللاتيني. فلوجدنا المحام يرفع عريضة الدعوى مستمسكاً بعدد لا ينتهي من السوابق القضائية، ولأنك تطالع العريضة أولاً وآخراً، ولا تجد فيها إشارة واحدة لنص قانوني وضعي واحد. هذه العريضة لهي عريضة اعتيادية أمام القضاء الأنكلوسكسوني، لكنها مقدمة للمحاكم اللاتينية (الأسبانية، الإيطالية، وحتى الفرنسية). الموضوع هنا صار يجلب الانتباه لمغزييّن. الأول كيفية جدولة هذه السوابق القضائية، مراجعتها، دراستها بشكل كامل من قبل رجال القانون لتطبيقها، حيث أن الأسلوب القانوني القارّي نزع فكرة دور القضاء في صنع القانون منذ نشوب الثورة الفكرية، وبزوغ عصر الوضعية. والمعضلة الأخري أن المشرّع الديمقراطي صار مثل المكبل بين الضغط السياسي والديمقراطي للإرادة العامة للعب بالدور التشريعي، وبين التكبل بالسوابق القضائية غير قابلة للمضاربة، كون بعضها صارت سوابق تمييز استئناف متفق عليها، أو حتى البعض الآخر صار سوابق دستورية ذا صيغة دستورية محضة ملزمة للمشرع وجملة الإرادة العامة. ولإن إفرازات المعضلة الأولى لتصب في الثانية، حيث الحاجة الحّت لإيجاد قواعد معلوماتية لتنظيم كل هذه السوابق بغية التمكن من التعرّف عليها، دراستها، التشبث بها، والاستعارة بها تشريعياً وقضائياً. بزوغ فكرة قواعد المعلومات هذه نشب لسببين. الأول تطور مفهوم الحاسبات المعلوماتية، حيث صار بالإمكان جدولة وقرص هذه السوابق في أصطوانات كمبيوترية أسهل مراجعتها مقارنة إذا ما بقيت هذه السوابق في مجلدات الكتب ومتون الفقه القضائي، واللعب الأكبر الذي لعبه ظهور الإنترنيت والعولمة. المسالة هنا جرّت لإفلاس كبار دور النشر القانوني الأسبانية، مثلاً بسبب تأخرها الفكري لمجارات الحاجة الناشبة، وضغط المؤسسات الأمريكية لشراء دور النشر الأسبانية، وبالتالي نقل أفكار، ومفاهيم جدولة القانون الأمريكي لأسبانيا، وأوربا بصورة عامة[12].

 

          هذا الانتقال الفكري المفاجئ، وغير المنتظر افرز عن مشاكل عملية أخرى. اولها لان مناهج التعليم في كليات القانون لتقتصر على المفهوم القارّي، التقليدي أو الوضعي للقانون. حيث أستاذ القانون القارّي يدرس القانون من حيثية المفاهيم، والنظريات العائمة على التشريع، وليس على السوابق القضائية, ولأننا إذا ما قارننا هذه الفكرة بالقانون الأنكلوسكسوني لتجد أن الأستاذ كل يوم يدخل محاضرته بعدد من الأحكام case law ليوزعها على طلبته كمادة لدراستها في كل محاضرة، وأسلوب التعليم هذا قائم على تدريب الدارس القانوني لعبادة السوابق، حيث أن النص القانوني بين الغائب وبين العائم على فكر السوابق. أضف لذاك، السوابق في القانون الإنجليزي مثلا مبرمجة من قبل شعبة مخصصة لهذا الغرض داخل مجلس العموم نفسه، يمكن اقتناء نسخة مقروصة من جملة السوابق هذه باشتراك سنوي رمزي زهيد الثمن لتغطية كلفة النسخ والإرسال فقط. المشكلة هذه مقارنة بالانقلاب القاري ظهرت لعدم وجود فكر، أو تخطيط مسبق، فهرسة السوابق صارت إلى مؤسسات خاصة مملوكة لشركات أمريكية أصبحت تتاجر بهذه الأقراص بإثمان رهيبة. على سبيل المثال، ثمن ألاشتراك السنوي لسوابق مجلس الأعيان البريطاني (محكمة التمييز في القانون الأنكلوسكسوني) يناهز السبعة دولارات بضمنها كلفة الإرسال. بينما ثمن الاشتراك للحصول على قرص أحكام محكمة التمييز الأسبانية يتراوح بين 1500 و 2000 دولار سنوياً. طبعاً هذه التكاليف صارت على عاتق كل طالب قانون يتخرج، بعد دراسته للنصوص الوضعية، ليجد نفسه أمام نظام قانوني وأسلوب جديد وتكاليف ليس من السهل تحملها. السلطة القضائية صارت ملزمة لشراء هذه الأقراص لكل المحاكم والقضاة لمراجعتها والاستناد بها كونها ملزمة المعايرة، بموجب أحكام المادة الخامسة من قانون التنظيم القضائي، أنفة الذكر؛ إضافة إلى إنها صارت أسلوب جديد مستخدم من قبل محامي النزاعات، يستلزم لكل قاضي التحقق من صحة هذه الغايات المتشبثة بها الأطراف المتنازعة[13].

 

 

2.2 قراءة فلسفية في مفهوم الفقه القضائي.

 

          المداخلة المبدئية في أسبانيا تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر، حيث طرحت فكرة المبادئ القانونية المتفق عليها، أو العرف القانوني غير المعترض عليه. يقول  Lorenzo Aprazola سنة 1853 أنه:

 

          "لا يوجد سبب عقلاني لقبول المبادئ المنصوص عليها تشريعياً كمبادئ سامية قانونياً، ورفض في نفس الوقت المبادئ الفقهية القائمة على نفس الأساس. أي أن ما أنحدر عن القانون لهو  قانون ما دامت المعايرة صحيحة ولا تتعارض مع فحوى القانون نفسه. الفرق لهو مجرد فرق شكلي، قواعد القانون الوضعي هي قواعد متفق عليها من قبل ممثلي الشعب ديمقراطياً، لكن قواعد الفقه منحدرة من القانون نفسه باتفاق علمي، أكاديمي مبني على أسس موضوعية القانون نفسه ومتجذّرة على مر الزمان لتطبع على نفسها قوة قانونية مقبولة قضائياً وغير متنازع عليها؛ ولهذا لا نجد مفهوماً عقلانياً، موضوعياً لرد هذه المبادئ وعدم دعمها تشريعياً"[14].

 

          من هذا المفهوم، لو ما تمعننا في تعليق قوة، رصانة وصلابة الفقه التشريعي، لوجدناه راجع للتشريع نفسه. بمفهوم مغاير، فاقد الشيء لا يعطيه، إذا كان القضاء بحد ذاته فاقد السلطة التسريعية، كيف يمكننا الجزم بأن تجذر وترعرع الفقه القضائي على مر الزمن ليصير مقارناً بالتشريع؟ التقادم هنا لا يمكن أن يصير لإحقاق حق ولا لإيجاد صلاحية تتعارض فحوى ومفهوماً مع النص الدستوري، حيث الشعب مصدر السلطات، والمشرّع مصدر القانون.

 

          لكن مفهوم معارضتنا هذه لهو بحد ذاته خلاصة للقول، لكن التجربة لتجرنا إلى تعليق خلاصتنا كنقطة بداية الخلاف نفسه. إذا ما عدنا اربع أو خمس حقب لوراء عهد Lorenzo Aprazola لوجدنا ثورة التقنين المكللة بمشروع القانون المدني الفرنسي، وثورة سافيني التي كللت التقنين السويسري والألماني، حيث ماهية المشروع، أسبابه المسببة وغايته السامية لهي جمع جملة الفقه القضائي في خضم مجلد تشريعي واحد بغية سلاسة دراسته وتطبيقه، حماية للأمن القانوني ليعرف كل فرد ما له وما عليه؛ مركزه القانون بناء على النصوص المقننة واضحة المفاهيم، ومن ثم تنظيم النظام القانوني بطريقة ميكانيكية ليتفاعل بعضه ببعض. ولم تكن الفكرة قطاً لجمع السوابق بغية دراستها والعودة مرة أخرى لمراكمه سوابق تفسيرية بناء على القواعد المقننة؛ لأنها حلقة مفرغة يجدر إعادة التشريع على مرور الزمن، ولأن النتيجة لتصير فوضى أصلاً ومغزى.

 

          هناك من استرسل في الخلاف الناشب في الفقه الأمريكي، حيث مهمة القاضي ليست فقط صناعة القانون، كيفما ينقل تروبر عن لمبرت، وإنما لمهمة القاضي تكمن للحيلولة دون الإطباق التشريعي لسلطة المشرّع على الحقوق والغايات الإجماعية المضمونة دستورياً، حيث صار القضاء يتدخل ويبطل ما لا يحلو له من النصوص التشريعية بحجة عدم الدستورية[15]. ولمن تمعن في حيثيات النظام القضائي في الولايات المتحدة، يسترسل جلنيك، ليجد أن القضاء ليمارس مهام الغرفة التشريعية الثالثة بعد النواب والأعيان لا محاله[16]. بالرغم ممن يسترسل في تبرير التصرفات القضائية هذه ليعتبر ألقاض "كالحارس المعلقة على عاتقه صيانة النظام الاجتماعي، والحيلولة دون جور السلطة التشريعية على الحقوق الفردية، حيث ان من هذا المفهوم والمبرر تنحدر السلطة القضائية للحيلولة دون سلطة المشرّع، أي أن سيادة القضاء تتشبث بحد ذاتها بسيادة المفاهيم الدستورية التي يسترسل القضاء بها كحجة للحد من سلطة المشرّع؛ حيث أن مفهوم الحماية هذا بالرغم من صحة وجود الإرادة العامة، لكن القضاء ليلبس لباس الوصي على الشعب وللحيلولة دون أن يضر الشعب نفسه بنفسه"[17]. ومن هنا نشبت الفكرة الأوربية للحيلولة دون عدوى هذا المفهوم لأوربا بعد صدور كتاب مونتسكيو حول الديمقراطية في أمريكا، ولترسيخ مفهوم عدم دستورية أي تصرف قضائي يتعارض مع الإرادة التشريعية، للمشرّع الحرية المطلقة ما عدا قلب الرجل لامرأة[18]، ولا يمكن للقضاء إبطال إرادة المشرّع الناشبة عن الإرادة العامة أصلاً وفصلاً[19]، وللحيلولة دون أن يطبق القاضي مفهوم آخر غير النص التشريعي الصادر عن الإرادة العامة[20].

 

          لكن هذه المفاهيم سرعان ما تطورت في أسبانيا بإتجاه آخر؛ كون الانتقال الأسباني يختلف عن الانتقال الثوري الفرنسي؛ حيث صدر المرسوم الملكي الأسباني القاضي بتنظيم إجراءات تمييز البطلان الأسباني أمام محكمة التمييز بتاريخ 4 تشرين الثاني 1838. المادة السابعة من هذا المرسوم تنص على:

 “ترفع عريضة الطعن بالبطلان أمام محكمة الاستئناف المعنية خلال عشرة أيام من تاريخ تبليغ الحكم، بعريضة موقعة من قبل محام متمرس، ومشيرة للمادة القانونية أو الفقه القانوني (doctrina legal) المنتهك"

 

          هذا النص التأريخي هو أول نص في القانون الأسباني الذي يتجرأ بالاستعارة بالفقه القانون كمبدأ قانوني يمكن التشبث به في طعون البطلان أمام محكمة التمييز. وبناء عليه فإن اصل المصطلح لهو أصيل للقانون الأسباني، ولا يجدر البحث عنه بين المصادر ألأجنبية، لربما يجدر الرجوع لتوريق أحكام محكمة التمييز الأسبانية قبيل 1838 فلربما للمصطلح من اصل أبعد، لكنه في كل حال من الأحوال أسباني أصيل بدون مغالطة، بقول  Miguel Coca[21].

 

          بالرغم من هذا، مفهوم الفقه القانوني هذا بات غامض المعالم، هناك من فسره على اعتباره جملة المفاهيم العامة للفكر القانوني، وهناك من استرسل إلى أسس ميتافيزيقية بعيدة؛ لكن محكمة التمييز الأسبانية سرعان ماحلت المعضل حيث رفضت طعن تمييز مقدم لها سنة 1862 مشيرة إلى أن الفقه القانوني المقبول به للطعن بالأحكام القضائية بناء على المادة السابعة من مرسوم 1838 هو فقط الفقه القانوني المستمد من القانون الوضعي، ولعدم إشارة المتقاضي للمادة القانونية الوضعية لتمسك بطعنه، فأن التشبث بالمادة السابعة للطعن غير مقبول، فرفضت عريضة الطعن التمييزي. وبنفس المفهوم رفض طعن البطلان في حكمها بتاريخ 12 حزيران 1877 كون مبدئ الطعن الأساسي قائم على أساس فقه قانوني غير راسخ بقاعدة قانونية وضعية معلومة، ولسبب فقدان القاعدة القانونية المؤسسة لهذا الفقه، رفضت طعن البطلان.

 

          تزامناً مع هذه الأحداث، لنجد في خضم التشريعي الأسباني المرسوم الملكي القاضي بتنظيم المجلة الرسمية (الوقائع)، الصادر بتأريخ 6 آذار 1846 حيث قضت مادته الأولى على جميع وزارت الدولة إرسال جميع القوانين والمراسيم الصادرة للمجلة الرسمية بغية نشرها؛ و عرّجت هذا الإلزام على المجلس الملكي الأعلى للعدالة ومحكمة التمييز بنشر جميع الأحكام والمراسيم الصادرة ضمن اختصاصاتهم. هذا المفهوم استمر وترخّس في المادة 106 من قانون تنظيم التمييز المدني لسنة 1878 ليضم أحكام محكمة التمييز في قضايا البطلان الى جانب النصوص التشريعية في المجلة الرسمية.

 

          من هنا وهناك، صارت محكمة التمييز الأسبانية تلعب بالألفاظ، فلنجد مفاهيم جديدة مثل قولها "فقه مؤسس من قبل هذه المحكمة" في الحكم الصادر بتاريخ 25 حزيران 1864؛ حيث بشرت الفكرة بحكمها الصادر بتاريخ 3 كانون الثاني 1864 لتتطرق إلى مفهوم "الفقه المتردد لدى هذه المحكمة"، ولتعود لنفس المفهوم بحكمها بتأريخ 5 حزيران 1873[22].

 

 

3. مفهوم الفقه القضائي في ضل المحكمة الدستورية الأسبانية.

 

3.1 التداخلات مع الفقه الأكاديمي.

          آخذين بعين الاعتبار أن ألمحكمة الدستورية الأسبانية شُكلة لأول مرة سنة 1981، في ضل دستور 1978 [23]. ولنجد أن خامس حكم دستوري صدر عن المحكمة حينئذ ليستند فكرته على مفهوم سمّاه ألفقه المصرّح به Doctrina más autorizada. في هذا الحكم استرسلت المحكمة، في السبب الموجب الخامس، للرد على مفهوم الأحكام القضائية التفسيرية للدستور بقولها:

     “هي كل الأحكام التي تتطرق إلى رفض الطعن بعدم الدستورية، أو قبول دستورية قانون ما بناء على تفسير لمبدئ دستوري محدد. هذه هي الأحكام التي تتداخل لمشاطرة مفاهيم قانونية مع النص الدستوري، ولربما بمشاطرتها هذه لتفرز إفرازات تجر عبر الزمان لإيجاد فراغات قانونية غير منتظرة؛ ولهذا فعلى كل مداخلة تفسيرية لأن تأخذ بعين الاعتبار عدم نسخ النصوص الدستورية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لضمان السيادة الدستورية".

 

          ومن هنا لتأتي بفكرة جديد في الحكم رقم 6 لسنة 1983 حيث تسترسل المحكمة بين الأسباب الموجبة لتشير إلى فريق مهم من فرق الفقه الأكاديمي Importante sector doctrinal ليدعم فكرة ما، وبناء عليه لتقتطف المحكمة الفكرة من مصدر أكاديمي دون الإشارة له. ومن ثم لنجد في الحكم 105 لنفس السنة 1983 إشارة لمفهوم جديد، بقولها "فريق فقهي مسؤول Responsable sector doctrinal” . ومن ثم لنجد الحكم رقم 13 لسنة 1984 ليشير إلى فريق فقه مستند على فقه اجنبي، أي أن المحكمة تنبني نظريتها بناء على رأي فقه أكاديمي، مبنياً بدوره على فكرة أجنبية دون الإشارة لهذه ولا تلك.

 

          من هذه الإشارات لنجد بعدها الحكم رقم 40 لسنة 1988 حيث تستند المحكمة بناء على فريق أكاديمي ذا اغلبيه، إضافة إلى الإرشادات العامة الصادرة عن ألادعاء العام. أي أن المحكمة صارت تدعم آرائها ليس فقط بآراء الفقه الذي تقتطف منه دون تحديد، وإنما أيضا بفقه ألادعاء العام.

 

          ومن ثم لنجد حكم آخر مثير للانتباه؛ حيث تتطرق المحكمة الدستورية إلى مداخلة تستخف بها بمحكمة التمييز لتقول بحكمها رقم 105 لسنة 1988 أن "هذه فكرة مقبولة ومتفق عليها لدى الفقه العلمي. وإ ضافا لهذا لان محكمة التمييز لقد اقتطفت هذه الفكرة من الفقه العلمي بشكل مباشر...” أي أن المحكمة الدستورية تستخف بمحكمة الاستئناف وبنقلها عن الفقه العلمي، ومن ثم لتسترسل بالقول أنه: “ ليست من مصلحة هذه المحكمة الدستورية الدخول في حوض المشاطرات الفقهية بين محكمة التمييز والفقه الأكاديمي". أي أن حقيقة الرد على هذا المفهوم هو أن المحكمة الدستورية تقوم بنفس الفعل، كما رأينا سابقاً، لكن بكونها آخر سلطة قضائية لا مراجعة على تصرفاتها، تقوم بنفس التصرفات التي تستخف بعملها من قبل محكمة التمييز. ولأننا نجد في حكمها التالي رقم 175 لسنة 1989 حيث الغت حكما من أحكام القضاء الجنائي مدعية ان هذا مفهوم مجمع عليه من قبل الفقه الأكاديمي، ولأن قاض البدائية قد تناساه... وبناء عليه يلغى الحكم. لكن هذه المفارقات تتجارى مع أحكام أخرى، مثل الحكم رقم 163 لسنة 1995 حيث ترد على فكرة لتحليل المادة 149 من الدستور بقولها، هذه فكرة فريق "غير محترم" من الفقه العلمي، ولتضيف بعد تسمية هذا الفريق بغير المحترم، بقولها لا محاله. أي أن المحكمة الدستورية من جهة تتداخل مع الفقه، كما تقدمنا، ومن ثم هنا تستهين رسمياً بالفقه ومن يدعمه...!!

 

          ومن ثم لنجد أحكام ذا طبيعة لا محل لها من الإعراب؛ حيث تسترسل المحكمة مثلا في الحكم 36 لسنة 1994، لتقبل عن محام الطعن مداخلته بناء على اتفاق الفقه القانوني. حيث سبقته في الحكم رقم 112 لسنة 1983 بإشارتها إلى مفهوم المواد 105 و 106 من قانون تنظيم القضاء الإداري، بقولها أن هذه المواد لشرحت شرحاً مجزياً من قبل فقه علمي "غير قابل للمغالطة". أي أن المحكمة تعلل أحكامها بنفسها مستبداً بالفقه الأكاديمي.

 

          موضوع اهتمامنا هنا ليس في استنااد المحكمة بالفقه القانوني/ الاكاديمي بحد ذاته، فلان هذا تصرف لا محالة منه. حيث الفقه العلمي هو المصدر الدراسي الممول لجملة للفكر القانوني. وإنما المشكلة تطرح نفسها على وجهين. ألأول ان المحكمة لا تشير بتحديد ممن تقتطف، لحماية حق الملكية الفكرية على الاقل، وليعرف الجمهور المصدر المشتقة عنه الفكرة. ومن ثم المسالة بحد ذاتها تجلب المغالطة. حيث في بعض الإشارات، طبعاً مجمع الفقه القانوني يعلم من تقصد المحكمة بإشارتها من رجال الفقه، لكننا لنجد أحكاماً أخرى ترفض فيها المفهوم المرفوع إليها من قبل محامو الدفاع المحتجين بالفقه القانوني، بدون التطرق إلى ماهيات المعضلة، وبما أن القرار الدستوري غير قابل للطعن تترك المسألة بدون رد. أنضر مثلا ألأحكام 113 لسنة 1998 و 116 لسنة 2000 بالرغم من إستناد محام الدفاع بنظريات مقتطفة عن نفس المصدر الأكاديمي الذي استندت المحكمة عليه.

 

3.2 تداخلات المحكمة مع نفسها، وتراكم الفقه على نفسه.

 

          المفهوم هنا يجد نفسه بشكل مغاير، حيث نجد المحكمة تراكم فقهها على نفسه، ولتطرح سلسة متنازلة من المعايير الفقهية المتراكمة في السوابق وليس عن الدستور، بل من سابقة لسابقة، لسابقة ولتصير السوابق بحد ذاته نصوص ذات سيادة دستورية تستبد المحكمة أحكاماً أخرى بناء على السوابق التي سنتها المحكمة نفسها. لإنها ظاهرة تعمير السوابق لنفسها بنفسها. لتحيل جملة القانون الدستوري الأسباني إلى برج بابل دستوري، كل آن فيه يردد سابقة تجزم بالأخرى، ومن ثم تتناسى النصوص الدستورية المتفق عليها من قبل المشرّع الدستوري. لهي معضلة غير منتظرة ولا قابلة للمقارنة في الفقه الأنكلوسكسوني، حيث المحاكم الدنيا ملزمة بتطبيق أحكام المحاكم العليا، وهذه من طرفها ملزمة بتفسير الدستور عقلانياً، وليس تراكما وبناء على السوابق التي سنتها المحكمة العليا الأمريكية بنفسها ولا مجلس الأعيان البريطاني نفسه.

 

          لكن مسألة تراكم السوابق هذه لها مطرقين. الأول انه تصرف معقول إلزام القضاء بعدم مضاربة سوابقه، لإيجاد عقلانية ورزانة في الأحكام، ولبلورة مفهوم العدالة، أي انك إذا ما حكمت سبقا بهذا المفهوم، لمبدئ العدالة يقضي بتحقيق نفس المفهوم لاحقاً. لكن المفهوم المغاير، أن معالم كل قضية قابلة للتبدُل، المفاهيم الاجتماعية قابلة للتبلور بمر الزمن، ولان مهمة المحكمة تفسير النص الدستوري الثابت بناء على المعالم المتبدلة، وليس الاستبداد بالسوابق القضائية وترك المهمة أللأساسية القائمة عليها فكرة إيجاد المحكمة، إلا وهي تفسير الدستور نفسه.

 

          هذا المفهوم وجدناه لأول مرة في الحكم رقم 190 لسنة 1990 حيث رفضت المحكمة طلب تظلم دستوري ضد محكمة العمل العليا، مدعية بان الحكم كان قد صدر بناء على "فقه قضائي دستوري راسخ Doctrina jurisprudencial consolidada “. ولان هذه الطفرة النوعية في المفهوم غير القابل للأعراب قانوناً لتردد في المحكمة حتى الحكم 174 لسنة 2002، حيث تركنا مهمة الرقابة في بحثنا هذا، لنجد أن المحكمة في هذا الحكم ترفض قبول التظلم بناء على فكرة أنشأتها المحكمة في سبعة سوابق. بالرغم من هذا لنجد الحكم رقم 9 لنفس السنة، 2002، حيث تشير المحكمة بقولها: “ ليعتبر الآن فقه قضائي راسخ حيث اشرنا لهذا الموضوع في الأحكام 31 لسنة 1981، 33 لسنة 2000، 44 لسنة 2000 و 171 لسنة 2000...”؛ أي أن المحكمة تستعير بالإشارة لأربعة سوابق فقط لتعتبره فقه راسخ، بالرغم من أن المثل السابق كانت قد أشارت لسبعة سوابق لتعتبره فقه راسخ، فما هي شروط رسوخ الفقه إذاً؟

 

          بالرغم من هذا وذاك لنجد المحكمة لتتضارب مع هذه المفاهيم بطريقة مختلفة وجاذبة للانتباه، لتشرح المفهوم قياسا. حيث نجد في الأمر القضائي رقم 37 لسنة 2000 أن المحكمة تتوافق مع قضاء البداءة لخروجه عن جملة السوابق، قياماً على مفاهيم، تعتبرها المحكمة، عقلانية، بقولها:

 

  “..مفهوم الحق في المساواة أمام القانون والراسخ في المادة 14 من الدستور، يقضي بتعليق نفس المحكمة أو السلطة القضائية لاحترام سوابقها، وليسنح لها بنفس الوقت للخروج عن خط السوابق ولو بطريقة عشوائية، أو غير مسببة إذا ما توفرت ظروف تقضي بذلك، أو إذا وجدت أفكار جديدة لم تأخذ بعين الاعتبار مسبقاً؛ أو إذا ما أقام القاضي حكماً جديداً بناء على وجهة نظر مغايرة، لكن مقبولة عقلانياً لتفسير المفهوم المراد تطبيقه".

 

          بالرغم من هذا وذاك، لنجد مفارقات عديدة في حيثيات قبول، قيام، رسوخ الفقه القضائي للمحكمة. فلنجد مثلاً الحكم 162 لسنة 2000 حيث ترفض المحكمة تعليق محامي الدفاع بسوابق فقه محكمة التمييز، لعدم تقديم ادلة تثبت ثبوت فقه السوابق هذا، ولحتى أنها ترفض ألمبدئ حيث لم يبرر محام الدفاع عن مرحلة رسوخ هذا الفقه. وبنفس الوقت، وبالرغم من الطعن في إحدى أحكام التمييز القائمة بناء على فقه تمييزي راسخ، لتجد أن المحكة الدستورية تتداخل في الموضوع لتبطل الحكم المطعون بدستوريته وجملة الفقه الراسخ لدى محكمة التمييز[24]. ومغايرة مع هذا نجد الأمر القضائي رقم 3 لسنة 2000 حيث يطلب المدعي العام من المحكمة الدستورية رقن دعوى التظلم الدستوري ضد حكم محكمة التمييز، مدعياً بأن الحكم المطعون به لهو قائم بناء على فقه راسخ في سوابق محكمة التمييز، ولأن المحكمة الدستورية تصغي لرأي المدعي العام فتمتنع الدخول في النزاع وترقن القضية؛ حيث يتكرر هذا يجد صداه في الأحكام رقم 111 و 24 لسنة 1998 حيث تصغي المحكمة لراي المدعي العام فترفض التظلمات الدستورية كون أحكام التمييز لهي منحدرة عن فقه قضائي راسخ في سوابق التمييز.

 

 

          هذه المغالطات بحد ذاتها لتعرب عن نفسها حيث نجد المحكمة، كما تقدمنا، لأصبغت لنفسها سلطة قانونية بنفسها وبناء على تراكم فقهها. لنجد مثلا الحكم رقم 15 لسنة 2000 حيث تتطرق المحكمة بقولها إلى أن "سلطة تفسير القوانين وأنظمة تنظيم الأقاليم لهي صلاحية مختصرة على المحكمة بموجب فقه تشريعي راسخ في الأحكام 18 لسنة 1982، 103 لسنة 1983، 122 لسنة 1983، 252 لسنة 1988 و 253 لسنة 1988”. أي أن المحكمة تدعي لنفسها صلاحية خاصة ومقتصرة عليها أستناداً على فقهها المتراكم في السوابق، وليس من مبدئ النص القانون الراكد في قانون تنظيم المحكمة والدستور نفسه. ولربما الحيلولة للاستبداد بالسوابق القضائية، تناسياً للنص القانوني الصريح، لهو تعبير عن عدم يقين معنوي لدى المتحدث يجره للبحث عن قناعة معنوية ليبحث عن صداها بين خضم الماضي. ولان هذه المغالطات في النعوت اللغوية لهي مجرد مفاهيم خاوية لا محل لها في الأعراب اللغوي ولا القانوني؛ حيث تقول المحكمة مثلا في الحكم رقم 126 لسنة 1992 : “يوجد فقه قضائي، حسب ما نسمية، راسخ...” أي أن المحكمة نفسها تعترف أنها نفسها من أستأصلت لنفسها بنفسها. حالها حال من صار لفقدان العقلانية، فبلا عقلانية صار يعقل لا عقلانيته.

 

3.3 الفقه القضائي الراسخ والصوت المغاير في حيثيات بناء السوابق.

 

          لنرجع الآن إلى حيثما بدأنا، وموضوع الصوت المغاير، وطريقة الاتفاق على الأحكام القضائية، لبزخ الرسوخ الفقهي. حيث مغزى القول هنا ليس فقط هذه المغالطات التي تطرقنا لها انفاً في استخدام السوابق، تراكمها، ترسيخها، كما سمته المحكمة، وإنما في حيثيات إصدار، أو ولادة هذه السوابق لتسنح بتراكمها، والحذي بها. الموضوع هنا يطرح نفسه، هل يمكن أن نعتبر الحكم القضائي المعضل، المسبب لرد الفقه الأكاديمي، العلمي، أو جملة المجمع القانوني لينشئ سابقة قضائية يمكن أن نسمح برسوخها، تراكمها، أو الحذي بها؟

 

          الجواب على مغالطتنا هذه ليستعير بالقول، انك كنت تدري فتلك مصيبة، وإنك كنت لا تدري فالمصيبة أعظم. حيث هنا لنجد فقدان المعيار للاستناد بالسوابق كما تطرقنا آنفاً، والانحياز لمفهوم رسوخ الفقه، لهو موضوع معضل حيث أن المحكمة صارت للحيلولة إلى سوابقها دون التبحر في حيثيات هذه السوابق إذا ما كانت ثابتة، متفق عليها، أو مغالطة، كما تطرقنا له آنفاً. حيث أن قوة القرار القضائي في الأمر المقضي به لم تنتهي في الأمر المقضي به قط. فكيف يمكم الجزم والحذى بالقرار القضائي المردود، المغالط، أو غير المتفق عليه واستخدامه في قضايا أخري؟

 

          يقول البروفيسورالفاضل فرانثيسكو روبيو جورنته[25]، أن الصوت المغاير، لهو "ثغرة تفتحتها المحكمة للمجمع الفقهي للإعراب عن عدم بيّنة المفهوم القانوني، أو الفكرة المقضي بها، بالرغم من عدم المساس بقوة الأمر المقضي به. لكن هذا لمفهوم لهو مفتاح لأبواب كثيرة بغيتها إثارة النقاش حول الموضوع، ولجلب جملة المجتمع القانوني للمشاركة في خضم الجدل الناشب داخل المحكمة، وإثراء النقاش بغية التوصل لحل اكثر معقولية في الأمور اللاحقة؛ ولهو أسلوب من أساليب إخلاء ضمير من تشكك في القرار من بين أعضاء المحكمة"[26].

 

          الجدل العملي يطرح نفسه هنا في الحكم 15 لسنة 1993 المعروض في قضية التظلم رقم 1600 لسنة 1990؛ حيث يعترض القاضي  Julio Diego González Campo الذي تفق معه فيما بعد القاضي José Gabaldón López ليضم صوته إليه بناء على أن الحكم رفض تظلم دستور استناداً على فقه راسخ في سوابق قضائية في الأحكام رقم 6، 7، 8، 13، 15،  لسنة 1983، 518 لسنة 1984، و 15 لسنة 1985 والمتكررة في الأوامر القضائية 550 لسنة 1984 و 468 لسنة 1985. حيث يقول: “... هنا اختلافي أن المحكمة ردت التظلم ورفضته بناء على الفكر الراسخ في هذه السوابق بالرغم من أن أول حكم بزغ عنه هذا المفهوم الذي نستند عليه اليوم لكان غير متفق عليه، حيث طرح القاضي الأستاذ Luis Díez-Picazo y Ponce صوت مغاير للجماعة ولم يتفق حينئذ مع مجمع المحكمة في الحكم رقم 7 لسنة 1983؛ ولكن بالرغم من عدم الاتفاق الفقهي، غُرف المحكمة الدستورية حاذت بحذى المفهوم بالرغم من مغالطته والرد عليه فقهياً، ولنأتي اليوم لنرفض تظلماً بناء على تراكم السوابق غير المتفق عليها منذ يوم ولادتها؟".

 

 

3.4 عدوى المفهوم للقضاء الأوربي.

 

          اول مرة لأننا نجد المحكمة الدستورية الأسبانية لتحتذي بخطى محكمة اتحاد أوربا لحقوق الإنسان، فتقول في الحكم 129 لسنة 1999 أن هذا المفهوم لهو فقه قضائي راسخ. أي أن المحكمة الأسبانية صارت تستعير نفس مفاهيمهما لتلبسها لمحاكم أخرى بالرغم من أن المفهوم مجهول وغير مستخدم هناك. ومن هنا نجد المحاموا الأسبان يتطرقوا لنفس المفهوم لتبرير مرافعاتهم، ففي القضي C466 لسنة 2000 مثلا، نجد أن محامي الدفاع ليتشبث بسوابق القضاء الأسباني، ليقول: “لانه فقه قضائي راسخ في أسبانيا".

 

          ولأن هذا الموضوع ليأتي بفاعل جديد، الا وهو دور المترجمين، حيث أن المرافعات أمام المحاكم الاتحادية تجري بلغة المدعي، ومن ثم تجري الترجمة لأعضاء المحكمة والأطراف الأخرى، فلنجد المترجين كعامل جديد يلعب بالمفاهيم اللغوية بدون دراية قانونية. فمثلا القضية C340 لسنة 99 نجد أن محامي الدفاع يتطرق إلى مفهوم gefestigter في القانون أللألماني الذي يعني ألإجماع الفقهي، وليترجمه المترجم للأسبانية على انه فقه راسخ doctrina consolidada، حيث أن المفهوم الألماني يقصد الإجماع الفقهي بين القضاء والمجتمع العلمي، والمفهوم الأسباني، كما رأينا لهو مجهول المعالم، لكنه يقتصر، في كل حال، على تراكم السوابق القضائية.

 

 

جدوى الموضوع في الفقه العراقي.

 

          القاضي الدستوري يصنع أحكام ذات طبيعة دستورية محضة غير قابلة للمغالطة من قبل المشرّع في ما بعد. ولهذا السبب طبيعة صنع هذه القواعد ليست عشوائية، وإنما مبنية على أسس قانون أسمى، ومعايرة بطريقة غير قابلة للمغالطة. ولهذا فالعلاقة السببية بين هذه الأسس السامية والقواعد المصنوعة من قبل القاضي يجب أن ترتبط بحزم ويقين زائل للشك عن طريق الأسباب المسببة للقرار القضائي. ولهذا السبب تلد الحاجة إلى أن تكون هذه الأسباب واضحة، مفهومة، ومبنية على نظرية يمكن مجادلتها أو دحضها موضوعياً، حيث أن المغالطات السياسية للقرارات الدستورية لا تكمن في القرار بحد ذاته، وإنما في الأسباب المسببة، والبنية الفكرية المسببة للقرار. بالرغم من هذا فمن حيث المبدئ، ولحد اليوم، تجربة القضاء الدستوري العراقي لهي من وجهة نظر فقهية، غير مقبولة قانوناً. أي أننا نجد عموم أحكام المحكمة غير معلومة المفاهيم...

 

          “بعد المدانشة والاتفاق، أقرت المحكمة بأن... أ، ب، ج...”

 

          مفهوم هذه القرارات، من وجهة النظر الغربية لتسمى بقرارات قضائية اعتباطية ممنوعة على جملة القضاء باختلاف درجاته. أولا كون موضوع تسبيب الأسباب الموجبة للقرارات لهو ليس فقط ذا هدف شخصي، يكمن في حيثية أن لكل مواطن الحق للجوء للقضاء، استحصال أحكام قضائية مسببة، وقابلة للتنفيذ. ولكن الهدف أيضاً لهو ذا مغزى موضوعي، كونك إذا ما أمتنعت عن تسبيب الأسباب، أو الإعلان عنها لتحرم الفقه الأكاديمي من مراقبة، نقد، دراسة، أو تحليل أفعالك؛ ومن ثم لتجر إلى تراكم مفاهيم مبهمة يصعب على القضاء الاعتيادي فهمها. فمنها ما تجلب حرجاً في التطبيق، ومن ثم تجلب تكرار القضايا، كونك لم تعرب عن ماهية الأحكام السابقة، فلانك ستجد قضايا تتكرر بسبب فقدان المفهوم العام، ومن ثم تجلب حرجاً أخر في عدم التطبيق المُطبق للعدالة أمام القضاء، حيث أن القرارات قد تصدر بألوان مغايرة مثل الأطراف المتنازعة، والقضايا المعروضة على المحكمة.

 

          بالرغم من هذا، وقبل ان نبتعد عن جدوى حديثنا الآنف، ألا ونجد أن حركة الأمركة قد وصلت للعراق عن طريق مشروع الأمم المتحدة الإنمائي المتبلور في قاعدة القوانين العراقية على موقع http://www.iraq-ild.org الذي نجد فحواه يضرب على وتر نفس المفهوم، ربط وشرح القانون الوضعي عن طريق السوابق. ولأننا نحد أن سوابق القضاء العراقي، والدستوري خاصة مبهمة المغزى والمفهوم الفقهي، فكيف لك أن تشرح القانون الوضعي بإحكام قضائية خالية من الفقه والأسباب العلمية؟ ولأن مسألة قاعدة المعلومات هذه لهي اول بذرة في طريق أمركة الفكر والأسلوب القانوني العراقي بإتجاه مفهوم السوابق القضائية، وحتى بنحو تراكم السوابق، غير المنتظر، كما رأينا في التجربة الأسبانية.

خلاصة.

          أن السوابق بمفهوم نظري يجب توجيهها لطرح الآراء، وليس لشرح النصوص؛ بغية الحز قدر المستطاع من تكوينها كمبادئ إضافية إلى المبادئ الوضعية المقننة بموجب ألإرادة العامة، وللحيلولة دون إيجاد مجلّد قانوني إضافي لجملة النظام القانوني، دخيل على المبادئ المتفق عليها ديمقراطياً ومغايرة مع كونيتها وحيثياتها السياسية؛ وإنما بغية بلوغ الحيز العملي لكونية كل ثغرة من ثغرات الحياة الاجتماعية؛ وليجني ثمارها المشرّع وحده بحرية وانفتاحية مطلقة مقيدة بمفاهيم سياسية وحنكة موضوعية لقيادة المجتمع باتجاه العدالة والاطمئنان الأزليين. وهنا لنلاحظ، حيثما يعرّف الفلاسفة انفسهم بأن مهمتهم الأزلية هي خدمة الحقيقية، التي يبحثون عنها عن طريق البحث والتمعن في مقاييس الوجود[27]؛ لنجد أن هذا المفهوم قابل للقياس والاستعارة في الحيّز القانوني. حيث نجد أن الفقه القضائي كمجرّد معيار موضوعي بغية بلوغ الحقيقة في المحيط الاجتماعي؛ خالي من الطمع الشخصي في صنع السابقة وسكها كمفهوم قانوني، وإنما لبلوغ مئزر واحد لا غير، الحقيقية نفسها. حقيقة جميلة بحد ذاتها، بدون هدف مادي خارجي، إضافي، جميلة بمعاييرها الشخصية، وليست مزوّقة بمفاهيم أضافية، جمالها يبعث في التأمل المطبق في ذاتها، وليس لأسباب وغايات أخر، كما يرتأى كانت. ولهذا، فهذه الحقيقة يمكن أن يقوم بها فقط من يتمتع بحرية موضوعية، مذهبية، ضميرية بعيدة عن أي مداخلة أو اختلاط خارجي، ولا من يتحدث براي أو تأثير آخر، ولا حتى ضميره ومبدئه الشخصي، لنسمه حينئذ بالباحث عن الحقيقة، وحينئذ يمكن أن نعتبر جهوده وإنتاجه عمل قضائي معتبر للأخذ به كسابقة موضوعية غير هادفة للأزل شخصياً، وإنما أزلها موضوعي، قائم على وزن المعايير العقلانية التي يحتويها القرار نفسه، وليس من اصدر القرار. فقط هذا النوع من القرارات القضائية يمكن الجزم بقبوله في دولة القانون، وليس أي قرار خاو المعالم، يروم مجرد أزليته لأزليّة صانعيه وسلطتهم في فرض الرأي الشخصي فوق جملة النظام القانوني والإرادة العامة. ولنجزم حينئذٍ بأن الفقه القضائي الحقيقي هو الفقه الحر، من يروم تقديم نفسه كالمرأة العارية، لا تملك ما تقدم إلاّ جسدها، ولهو جملة المعايير لقبول، بقاء وزوال الفقه، وأسلوبه الفكري في البحث عن الحقيقة المرام التوصل إليها بدون أي تأثير شخصي خارجي يكسب القرار ديمومة، أو سلطة شخصية لفرض نفسه. حيث يجدر دعم الفقه القضائي الباغي إلى مأرب أنية، مباشرة في الأمر المعروض عليه، وفرض نفسه بشكل غير مباشر، غير مقصود وبأسلوب عمومي، منفتح، غير مقيٍّد ليطرح أفكار، مفاهيم فلسفية يمكن الاستعارة بها فيما بعد كوسيلة، وليس كغاية؛ لإيجاد فقه قضائي بغيته ليس شرح النصوص، وفرض رايه التفسيري، وإنما تسليط الأضواء وإثارة الجدل والتبحر النقدي والبناء غير الناضب. حيثما نبلغ هذا الفقه، لأننا سنجد انفسنا أمام نظام قانوني منفتح، قابل للتقدم، ولبلورة مفاهيمه على أسس علمية، منطقية قابلة للنعت، والمغالطة الأدبية؛ ولنفرق حينئذٍ، وفقط حينئذٍ بين أن نلجأ لقضاء يشفي غلال العطشان، وليس لقضاء يلبي حاجات الفضول.



[1]    لن نقلص حديثنا هنا عن موضوع الامركة؛ حيث مفهوم امركة القانون هذا كنت قد ضربت عليه مراراً وتكراراً بين سنوات 2002 و 2006؛ ولصار الآن حقيقة لا مفر منها في اسبانيا وعديد من دول امريكا الجنوبية. لكن بغية الترتيل هنا هي طرح الموضوع من وجهة نظر غربية للقارئ العربي بهدف التوعية عما جرى بلا شعور في المحتمعات اللاتينية وما يمكن ان يجري اليوم بدون انتباه في العراق والدول العربية التي حذت حذى التغيرات السياسية الحديثة، آخذين بعين الإعتبار طغيات التطبيع الفكر الامريكي هنا، ومقارنة بالمعايير التي ستنقدم بها، والاحداث الجارية في اوربا.

[2]     Samer ALNASIR أستاذ مشارك في تاريخ القانون بجامعة كارلوس الثالث بمدريد؛ مساعد في القانون الدستوري بجامعة القديس بطرس، وزائر لدى الاكاديمية الاوربية للفكر القانوني ببروكسل.

[3]    القرار متعدد المفاهيم Plurality decision تقول البروفيسورة María Angeles Ahumada Ruiz هو " أي قرار، عدا القرار القاضئي الخال من الاسباب. حيث ان المشكلة ليست في القرار نفسه، بل في الاسباب الموجبة، حيث نجد انفسنا امام شلال لا ينتهي من الاسباب والخلاف لا يكمن في القرار ولا نتائجه، وإنما في حيثيات وتعدد الاسباب الموجبة، حيث يكمن الخلاف لإتقاث الاغلبيةحول أي من الاسباب نستخدم لنص الحكم. أي ان القرار لينخذ في حد ذاته، لكن الخلاف لينشب حول ماهية الأسباب الموجبة لدعم القرار نفسه". Ahumada Ruiz, María Angeles في دراسة حول قاعدة الاغلبية في صياغة الفقه الدستوري، المجلة الأسبانية للقانون الدستوري، العدد 58 لسنة 2000، صفحة 178.

[4]    أقتطف هذا المثل عن البروفيسورة María Ángeles Ahumada Ruiz، المصدر السابقن صفحة 179.

[5]    ربما مفهوم الخلاف هذا قد يطرح نفسه في فرض آخر حيثما تنقسم المحكمة على نفسها قسمين، حيث يقضي قانون التنطيم القضائي بترجيح صوت الرئيس، ليضع رئيس المحكمة تحت ضغط مهني ومعنوي للإنحياز الى رأي ما ضد اخر، في بعض الأحيان بالرغم من ترجيحيه لكلا الفكرتين، لكن إرجحية التعادل هنا في حد ذاتها تجلب معطلة أخرى حول قوة القرار لإنشاء فقه ساري المفعول مستقبلاً حيث إنقسمت المحكمة على نفسها قسمين، وقوة القرار بحد ذاته لم تصدر ذات مفهوم فقهي، وإنما بقوة القانون لترجيح صوت الرئيس. سنتطرق الى هذا المعضل لاحقاً.

[6]    أنظر مثلا حكم الدفع غير المباشر 67 لسنة 1998 للمحكمة الدستورية الأسبانية.

[7]    لنفهم مفهوم الصوت المغاير هذا لابد لنا للرجوع الى التاريخ الروماني؛ حيث نجد أن الفكر القانوني الروماني قد مرّ بعد حقب. إبتداءاً من زهاء سنة 450 قبل الميلاد نجد مشل تفسير قوانين الالواح الثانية عشر المناط بالرهبان. حينئذٍ كان للرهبان معرفة شاملة وأهلية في صياغة التحاليل العلانية لمفاهيم القانون المدني والروحي بناءً على تعاليل عقلانية مقبولة وغير قابلة للمغالطة. تحايليهم وشرةحهم حينئذٍ كانت تستمد سلطتهم من كفائتهم العلمية وتفوقهم الشخصي في صياغة التحاليل ليس بطريقة إعتباطية، وإنما بإسلوب علمي أثبت جدارتهم وتفوقهم العلمي في إصدار هذه الشروح. [Ihering, Rudolf von؛ Abreviatura de el espíritu del derecho romano، الطبعة الثانية، مدريد1962، ترجمة Frenando Vela، صفحة 259]. لنجد فيما بعد دور الامبراطور جوليوس أغوستوس بمنح بعض الرهبان حق الإجابة على السلطة الفقهية "ius publice respondendi ex auctoritate principis”. اي انها صلاحية إصدار أرآء وشروح للإجابة عن غموض واسئلة القضاة. أرآئهم هذه لكانت لازمة التنفيذ بقوة القانون من قبل جميع السلطات القضائية، إلاّ إذا ما كانت قد عورضت من قبل فقهاء آخرين يتمتعون بنفس صلاحية الرد هذه. بالرغم من هذا، الرهبان (اي المستشارين القانوني قصدنا) لم يؤسسو مفاهيم عملية في كيفية صياغة آرائهم، لبرورة سلطة الاراء المطروحة علمياً، وإنما استبدو السلطة مباشرة من المبراطور، ما نح السلطات. ولنجد ان مهمة الرهبان هذه لصارت مهمة تشريعية لصنع القانون الخاص بحد ذاته، حيث برزت هنا حساسية المشرّع للحد من هذه السلطة التي برزت على مر الزمن بشكل غير منتظر؛ حيث وجدو حقلاً خصباً وثرياً بالمعطيات القانونية لبلورة افكارهم. [Magallón Ibarra, Jorge Mario، في كتاب La senda de la jurisprudencia romana، مطبوعات الجامعة المكسيكية المستقلة، المكسيك 2000، صفحة 80]. هذه الحركة الفكرية كللت جهودها في عهد الامبراطور جولويس اعسطس في خضم ما عرف بعصر القانوون الروماني الكلاسيكي أبان سنوات 284 قبل الميلاد، حيث صار المفهوم للمحاكم التي صارت مقيدة بأصول مرافعات، وصار للرهبان معايير واساليب في تكوين القرارات البيانية المسببة، التي حلت محل الارآء المرنة الى قرارات قضائية دقيقية لترد على الامور المقضي بها امام المحاكم. ما يهمنا هنا، في هذه المرحلة هو ولادة مفهوم القرار الثابت، حيث صير الى مفهوم القرار الثابت، هو القرار المقبول وغير المردود من قبل باقي الرهبان، ممن يملكون حق الصوت المغاير. فكل قرار غير مردود لصير الى نشره كقرار ثابت، لازم التنفيذ كقانون على جميع المحاكم والافراد. اي انها سابقة قضائية ثابتة ومتفق عليها.

[8]  Pecznik, Aleksander, Skäl Och Dom, Reasons and verdict. في كتاب Samfunn rett Rettfaerdighed)1986), صفحة 515 الى 525. أنقل المقتطف عن Tapani Klami, Hannu. في المجلة الامريكية للحقوقيين، العدد 37 لسنة 1992 صفحة 171 وما بعدها.

[9]    عن استاذي الفاضل البروفيسور García de Enterría في كتابه الموسوم "القضاة، الديمقراطية ومراقبة السلطات/ Jueces Democracia y Control de la Administración” الطبعة الخامسة المنقحة، مدريد 2000، صفحة 128.

[10]  Bobbio, Norberto، نظرية النظام القانوني/Teoría dell’ordinamento giuridico، تورين، إيطاليا 1960.

[11]   لو ضربت نفسل المثل، قياساً؛ فلمن غير المقبول حديثاً وجدلا ان يستند، ويستشهد المتحدث ويشير لنفسه بنفسه.

[12]   أذكر هنا مثل هذا الحدث في فرنسا، حيث يوم 13 ايلول 2002، على طاولة عشاء إقيمت على هامش الطاولة المستديرة التي عقدتها جامعة إكس في بروفنيس في مونبليية الفرنسية حول مكافحة الإرهاب والحقوق الاساسية؛ قام البروفيسور الراحل الاستاذ لويس فافورا بعد العشاء فتقدم بطرح مشكلة المحادثات التي كان يجريها رويتر لشراء دار النشر القانونية الفرنسية دالوز. هنا تقدم البروفيسور فافورو بهذا الموضوع لكأنه كارثة على الفكر القانوني الفرنسي، ليجلب مفاهيم نشر قانوني وتطبيع امريكي ليُامرك القانون الفرنسي، وطالب كل الحضور بالحث والحيلولة دون صفقة الشراء هذه، وحتى كنا قد اقتفقنا على التوقيع بالإحماع وإرسال رسالة للرئيس شيراك لمطالبته بالحيلولة دون الموضوع والتنبيه لمخاطر هذه الصفقة. بالرغم من هذا وذاك؛ الجهود فشلت والصفقة عقدت، لكن هذا الموضوع كان ما أثار انتباهي لإقامة هذه الدراسة التي امتن بفكرتها للبروفيسور فافورو.

[13]   هذه  الامثلة والنتائج لا تعد ولا تحصى؛ مثلاً كلفت مناقصة تزويد السلطة القضائية بهذه الأقراص المرنة لسنة 2006 تجاوزت زهاء 26 مليون يورو. هذا المبلغ وهذه التكلفة لم تكن موجودة، مثلا سنة 1976، حيث كان القضاء يزود فقط بالمتون التشريعة مع تحديثاتها وتعديلاتها، إضافة الى جملة الفقه المتفق عليه من قبل محكمة التمييز، سنرجع الى هذا المفهوم لاحقاً.

[14]  PRAZOLA, Lorenzo في الموسوعة الاسبانية للقانون والإدارة، مدريد 1853، الجزء السابع، صفحة 802؛ يمكن الحصول على نسخة الكترونية لهذه الموسوعة من مكتبتي الاكترونية في http://www.alnasir.org/colecionespanola. الخط المائل تابع لي.

[15]  Lambert Édouard في كتاب le gouvernement des juges et lutte contre la législation sociale aux états –Unis, l’expérience américaine du contrôle judiciaire de la constitutionnalité des lois، باريس 1921، طبعة معادة من جيرارد، بتحضير وتقديم استاذي الفاضل ميشيل تروبر سنة 2001؛ إشارة عنه في le Bon usage des spectres du gouvernement des juges au gouvernement par les juge، المجلة الاقتصادية، باريس 2001، صفحة 49 وما بعدها.

[16]  Georg JELLINEK في كتاب Verfassungsänderung und Verfassungswandlung المترجم للاسبانية من قبل Christian FÖSTER، منشورات مركز الدراسات السياسية والدستورية الاسباني، مدريد 1991، صفحة 26؛ أنقل عن Ana Victoria SÁNCHEZ URRUTIA في مقالتها التغير الدستوري وسلطة الدستور الموضوعية، المجلة الاسبانية للقانون الدستوري سنة 2000، صفحة 112.

[17]  GAUCHET, Mercel في كتاب ثورة السلطات La Révolution des Pouvoirs باريس 1995، صفحة 46؛ أنقل الملحوظة عن استاذي الفاضل البروفيسور García de Enterría في كتابه الموسوم "القضاة، الديمقراطية ومراقبة السلطات/ Jueces Democracia y Control de la Administración”، آنفاً، صفحة 133 و 134.

[18]  RADBRUCH في كتاب Geist des englischen Rechts، 1946، صفحة 38؛ انقل عن Karl Engisch في كتاب الحيز غير القانوني/ El Ámbito de lo no Jurídico، منشورات جامعة قرطبة، الارجنتين 1960، ترجمة الاستاذ القدير Enrensto Garzón Valdés.

[19]   الاستاذ القدير مسشيل تروبرن في كتاب "من اجل نظرية قانونية للدولة/ POUR UNE THÉORIE JURIDIQUE DE L’ÉTAT”، المنشورات الجامعية، باريس 1994، صفحة 50.

[20]   إشارة عن J. L. HALPÉRIN  في Le Tribunal de Cassation et la naissance de la jurisprudente moderne, Une autre justice, 1789-1799، صفحة 226؛ أقتطف عن البروفيسور القدير García de Enterría في كتابه الموسوم "لغة القانون وولادة القانون العام الاوربي عقب الثورة الفرنسية / lengua de los derechos, la formación del Derecho Público europeo tras la Revolución Francesa”، المطبعة المتمدنة Civitas، مدريد 2001، صفحة 169. ولنجد اصداء هذا التيار بين من لايعد ولا يحصى من نجوم الفكر الاوربي المعاصر، حيق يسترسل Beccaria بالقول أن "أرادة العباد ((يقصد القضاة بالمعني البشري، العٍباد))، لهي مقيدة بارادة صاحب السيادة العامة: كل قاضٍِ لا يرث مبادئ القوانين من اسلافه؛ وإنما يأخذها مباشرة من المجتمع، صاحب السيادة العليا، او ممن ينوب عنه، المشرع الآني، ممثل الارادة العامة من مرحلة لأخرى". Becarria, Cesare في كتاب  über verbrechen und strafen، منشورات Francfort del Meno، في Insel Verlad 1988، صفحة 62 الى 63. أقتطف عن  Kevät Nousianinen في بحثه المعنون "تقلبات القانون / Las interacciones del derecho”، في الكتاب الجماعي الموسوم  la normatividad del Derecho، مطبعة Gdisa، مدريد، صفحة 150.

[21]  إشارة عن COCA PAYERAS, Miguel في كتاب La Doctrina Legal، مطبعة Bosch, Casa Editorial, S.A. برشلونة 1980، صفحة 2.

[22]   أقتطف عن Coca، المصدر السابق، صحفة 68، حيث ينقل عن المجموعة القضائية المنشورة بمدريد لسنوات 1864, 1865, 1874 المجلدات التاسع، الحادي عشر والسابع عشر، صفحة 530 الى 533، 11 الى 14، ومن ثم 141 الى 145 بالتتالي.

[23]          دراستنا هذه سنضرب على اوتار نشاط المحكمة الدستورية الاسبانية منذ تاسيسها سنة 1981 الى الحكم رقم  123 لسنو 2002؛ تاريخ غلق البحث الأصلي حول هذا الموضوع.

[24]   طبعاً إعتراضنا هنا ليس في ان تبطل المحكمة الدستورية حكماً تمييزياً بحد ذاته، حيثما هذا التصرف لهو من صلاحية المحكمة الاصلية، ولأنما ما نقصد به هو فقدان المعيار الدقيق لمعايرة ما سمته المحكمة بفقه راسخ، ومن ثم فقه عرضي، وكيفية التحديد الدقيق لما هو راسخ وما هو عرضي ليصار اليه كفقه، ومن ثم لتاتي المحكمة فيما بعد لتبطله.

[25]   البروفيسور جورنته Francisco Rubio Llorente هو احد اباء وكتاب الدستور الاسباني، وكان قد شغل منصب نائب رئيس المحكمة لاول دورة، إضافة لرئاسته لمجلس شورى الدولة ومناصب عدة فيما بعد.

[26]  أنقل عن البروفيسورة Ahumada Ruiz، المصدر السابق، حيث تنقل شفهياً القول عن استاذنا القدير جورنته. المكتوب بالخط المائل يعود لي.

[27]          Cavallé, Mónica، في كتاب La Sabiduría Recobrada، عن مطبعة Oberon، مدريد 2002، صفحة 33. تجدر ألإشارة هنا، إلى وجهة نظر البروفيسورة Cavallé كتفكير فلسفي محض جرّني إلى تقليب فكرة الفهم والمغالطة الفلسفية من الفلسفة المحضة إلى حيزنا القانوني، حيث استخلص خلاصتي هذه، وسأتطرق لهذا الموضوع في منبر مستقل لاحقاً.

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :