الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                          انجازات محكم التمييز الاتحادية                                          

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
  من سدنة العدالة
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

ضمانات المتهم في مرحلة قبل المحاكمة في التشريع العراقي

احمد عبد الكريم المعيني

المستشار المساعد في

مجلس شورى الدولة

 

المقدمــة

لقد تزايد الاهتمام بحقوق الانسان ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية في المجتمع الدولي متمثلاً بالجمعية العامة للامم المتحدة حيث صدرت العديد من الاعلانات والاتفاقيات الدولية اضافة الى الاتفاقيات الثنائية التي تعنى بحقوق الانسان فقد صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان(1) الذي اعتمد بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 10/كانون الاول/ديسمبر/1948 والذي تضمن نصوصاً اكدت على ضمانة حماية حقوق المتهم في مرحلة قبل المحاكمة كعدم تعريض اي انسان للتعذيب او العقاب او عدم اساءة معاملته بالشكل الذي يحط من كرامته(2) وكذلك عدم جواز القبض عليه او حبسه او نفيه دون وجه حق(3) وان المتهم بريء حتى تثبت ادانته قانوناً مع توفير الضمانات الضرورية للدفاع عنه(4) . ولا بد من الاشارة هنا الى ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان لم يتضمن سوى التزام ادبي وان اهميته تقتصر على الدول التي وقعت على هذا الاعلان اما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمد بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة في 16/كانون الاول/ديسمبر/1966 جاء على العكس من ذلك حيث نص على عدد من الضمانات فمثلاً لايجوز القبض على احد او ابقائه بشكل تعسفي كما يجب ابلاغ كل من يقبض عليه بأسباب ذلك او ابلاغه فوراً بأية تهمه توجه إليه مع ضرورة تقديم المقبوض عليه او الموقوف بتهمة جزائية فوراً امام القاضي او اي موظف مخول بممارسة الصلاحيات القضائية كما ان لكل متهم تم ايقافه بشكل غير قانوني الحق في التعويض(5) وكذلك ان كل متهم بتهمة جنائية الحق في ان يعتبر بريئاً مالم تثبت ادانته طبقاً للقانون .

وقد تم تعزيز ضمانات حقوق الانسان في مرحلة ما قبل المحاكمة بالاضافة الى الاتفاقيات الدولية من خلال المؤتمرات الدولية التي عقدت باشراف الامم المتحدة ومن هذه المؤتمرات المؤتمر الدولي الثاني عشر للجمعية الدولية لقانون العقوبات الذي انعقد في مدينة هامبورغ في المانيا حيث اوصى المجتمعون في هذا المؤتمر بعدم الاخذ بالادلة المتحصلة عن طريق يُّعد انتهاكاً لحقوق الانسان كالتعذيب او استعمال القوة التي تحط من كرامة الانسان كذلك اوصى المؤتمر العربي الثامن للدفاع الاجتماعي باحاطة المتهم علماً بالاتهام الموجه إليه وسنده القانوني قبل اتخاذ اي اجراء من اجراءات التحقيق والى ضرورة ابلاغ من يقبض عليه باسباب القبض وكذلك منع اكراه المتهم او الضغط عليه او التأثير عليه بأية وسيلة مادية او معنوية لحمله على الاعتراف بالجريمة او جعله يقدم ادلة هي ليست من صالحه واتاحة الفرصة امامه للادلاء باقواله امام سلطة التحقيق مع اعطائه الحق في الامتناع عن الكلام او الاجابة على الاسئلة التي توجه إليه(6) .

 

ضمانات دستور جمهورية العراق لحقوق الانسان

لقد نص دستور جمهورية العراق لعام 2005 على العديد من الضمانات الدستورية من خلال النصوص التي وردت في دستور جمهورية العراق حيث نصت الفقرة (جـ) من المادة (2) من الدستور على عدم جواز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور ، وجُّعل هذا النص من المبادئ الاساسية في الدستور التي لايجوز الاتيان بأي نص يتعارض مع احكامه . مؤكداً ذلك نص البند (ثانياً) في المادة (13) من الدستور والتي نصت على ان (لايجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور ويعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الاقاليم او اي نص قانوني اخر يتعارض معه) .

كما نصت المادة (14) من الدستور على ان (العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي) .

كما نصت المادة (15) من الدستور على ان (لكل فرد الحق في الحياة والامن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقاً للقانون وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة) .

كما نص البند (رابعاً) من المادة (19) من الدستور على ان (حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة) .

كما نص البند (خامساً) من المادة المذكورة آنفاً على ان (المتهم برئ حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة ، ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرة اخرى بعد الافراج عنه ، الا اذا ظهرت ادلة جديدة .

كما نص البند (اولاً) من المادة (37) من الدستور على الآتي :ـ

أ ـ حرية الانسان وكرامته مصونة .

ب ـ لا يجوز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي .

جـ ـ يُّحرم جميع انواع التعذيب النفسي او الجسدي والمعاملة غير الانسانية ، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالاكراه او التهديد او التعذيب ، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي او المعنوي الذي اصابه وفقاً للقانون .

كما نصت المادة (40) من الدستور ايضاً على (حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفيــة والالكترونية وغيرها مكفولة ، ولا يجوز مراقبتها او التنصت عليها او الكشف عنها ، الا لضرورة قانونية وامنية ، وبقرار قضائي .

ان الضمانات التي ورد ذكرها آنفاً في شأن حماية حقوق الانسان في الدستور تدل على ان اتجاه السياسة الجنائية في العراق تتجه الى حماية المجتمع وتوفير اكبر قدر ممكن من الضمانات في حماية حقوق الفرد سيما وان هذه الحقوق هي في ذاتها تمثل قيمة اجتماعية وان احترامها يعد ضمانة لتجاوب الفرد مع المجتمع وبالتالي نرى ان دستور جمهورية العراق لعام 2005 قد عزز هذه الضمانات في كثير من النصوص الواردة فيه . كما ان قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 نص على العديد من الضمانات لحقوق الانسان في مرحلة ما قبل المحاكمة التي سوف نتطرق اليها لاحقاً عند معالجتنا للموضوع لان هذا القانون في حد ذاته يعمل على حماية الحريات العامة في المجتمع وهو الذي يقوم يتنظيم الاجراءات المتخذة في مرحلة التحقيق والمحاكمـة بالاضافة الى قوانين اخرى كقانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 وقانون الادعاء العام رقم (159) لسنة 1979 .

بعد هذه المقدمة بات من الضروري التعريف بشكل مفصل عن الضمانات التي يتمتع بها المتهم في مرحلة قبل المحاكمة في بحثنا هذا من خلال :ـ

الفصل الاول :ـ ضمانات المتهم عند اجراء التحقيق وجمع الادلة عن الجريمة .

الفصل الثاني :ـ ضمانات المتهم ومدى مراعاتها عند التحقيق .

الفصل الثالث :ـ ضمانات المتهم في مرحلة القاء القبض والتوقيف .

الفصل الرابع :ـ قرارات القاضي بعد انتهاء التحقيق .

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الاول

ضمانات المتهم عند اجراء التحقيق وجمع الادلة عن الجريمة

 

يرى جانب كبير من الفقهاء ان التحري عن الجرائم وجمع الادلة هي اجراءات تمهيدية سابقة على تحريك الدعوى الجزائية غايتها جمع المعلومات عن الجريمة المرتكبة من اجل تمكين السلطات المختصة في التحقيق من اتخاذ القرار في الدعوى ، لذا فهم يفرقون بين التحري وجمع المعلومات وبين التحقيق الابتدائي فعملية التحري يتولاها اعضاء الضبط القضائي والذي نص عليهم قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 في المادة (39) منه كما نصت المادة (41) من القانون المذكور آنفاً بأن اعضاء الضبط القضائي مكلفون في جهات اختصاصهم بالتحري عن الجرائم وقبول الاخبارات والشكاوى التي ترد إليهم بشأنها وعليهم تقديم المساعدة لقضاة التحقيق والمحققين وضباط الشرطة ومفوضيها وتزويدهم بما يصل اليهم من المعلومات عن الجرائم وضبط مرتكبيها وتسليمهم الى السلطات المختصة وعليهم ان يثبتوا جميع الاجراءات التي يقومون بها في محاضر موقعة منهم ومن الحاضرين يبين فيها الوقت الذي اتخذت فيه الاجراءات ومكانها ويرسلوا الاخبارات والشكاوى والمحاضر والاوراق الاخرى والمواد المضبوطة الى قاضي التحقيق فوراً . من هنا نرى ان اجراءات التحري هي اضيق نطاقاً من تلك الاجراءات التي تتخذ في عملية التحقيق . كما ان القيمة القانونية للاجراءات التي يقوم بها اعضاء الضبط القضائي في التحري وجمع المعلومات لا ترقى من حيث القوة في الاثبات لتلك التي يتخذها قاضي التحقيق او المحقق لذا نرى ان المادة (46) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 نصت على ان (تنتهي مهمة عضو الضبط القضائي بحضور قاضي التحقيق او المحقق او ممثل الادعاء العام الا في ما يكلفه به هؤلاء) .

اما عملية التحقيق فأنه يتولاها قاضي التحقيق او المحقق حيث نصت الفقرة (أ) من المادة (51) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 بأن (يتولى التحقيق الابتدائي قضاة  التحقيق وكذلك المحققون تحت أشراف قضاة  التحقيق) . كما اجاز المشرع بأن يقوم المسؤول في مركز الشرطة باجراء التحقيق باعتباره احد اعضاء الضبط القضائي ومنحه سلطة محقق في ضوء ما نصت عليه الفقرة (أ) من المادة (49) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 بأن (اي مسؤول في مركز الشرطة عند وصول اخبار اليه بارتكاب جناية او جنحة ان يدون على الفور اقوال المخبر ويأخذ توقيعه عليها ويرسل تقريراً بذلك الى قاضي التحقيق او المحقق واذا كان الاخبار واقعاً عن جناية او جنحة مشهودة فعليه ان يتخذ الاجراءات المبينة في المادة (43) من القانون المذكور ، كما اجازت الفقرة (أ) من المادة (50) من القانون المذكور استناداً الى الفقرة (أ) من المادة (49) من القانون ذاته بأن يقوم المسؤول في مركز الشرطة بالتحقيق في اية جريمة اذا صدر اليه امر من قاضي التحقيق أو المحقق او إذا اعتقد ان احالة المخبر على القاضي او المحقق تؤخر به الاجراءات بما يؤدي الى ضياع معالم الجريمة او الاضرار بسير التحقيق او هرب المتهم على ان يعرض الاوراق التحقيقية على القاضي او المحقق حال فراغه منها .

كما اشارت الفقرة (ب) من المادة (50) من القانون المذكور بأن يكون للمسؤول في مركز الشرطة في الاحوال المبينة في هذه المادة والمادة (49) المذكورة آنفاً سلطة محقق .

 

المبحث الاول

اعضاء الضبط القضائي

 

            حددت المادة (39) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 اعضاء الضبط القضائي وجهات اختصاصهم وهم كل من :ـ

ضباط الشرطة ومأمور المراكز والمفوضون .

مختار القرية والمحلة في التبليغ عن الجرائم وضبط المتهم وحفظ الأشخاص الذين تجب المحافظة عليهم .

مدير محطة السكك الحديدية ومعاونه ومأمور سير القطار والمسؤول عن إدارة الميناء البحري أو الجوي وربان السفينة أو الطائرة ومعاونه في الجرائم التي تقع فيها .

رئيس الدائرة أو المصلحة الحكومية أو المؤسسة الرسمية وشبه الرسمية في الجرائم التي تقع فيها .

الأشخاص المكلفون بخدمة عامة الممنوحون سلطة التحري عن الجرائم واتخاذ الإجراءات بشأنها في حدود ما خولوا به بمقتضى القوانين الخاصة .

ان اعضاء الضبط القضائي الذين ورد ذكرهم في احكام المادة (39) من القانون المذكور قد جاء على سبيل الحصر ونرى ضرورة ان تتم زيادة اعضاء الضبط القضائي المنصوص عليهم في المادة المذكورة آنفاً بأن يشمل المحافظون وروؤساء الوحدات الادارية بالاضافة الى رؤساء مجالس المحافظات والاقضية والنواحي لاهمية المهام المناطة بهم في ضوء الصلاحيات اللامركزية الممنوحة لهم بموجب قانون المحافظات غير المنتظمة في اقليم رقم (21) لسنة 2008 ممـــــــــــــــــا يتطلب مداخلــــــة تشريعية في تعديل نص المـــــــادة المذكورة آنفاً .

ويقوم اعضاء الضبط القضائي باعمالهم كل في حدود اختصاصه تحت اشراف الادعاء العام وطبقاً لاحكام القانون وهذا ما نصت عليه الفقرة (أ) من المادة (40) من القانون المذكور كما نصت الفقرة (ب) من المادة ذاتها على ان يخضع أعضاء الضبط القضائي لرقابة قاضي التحقيق وله أن يطلب من الجهة التابعين لها النظر في أمر من تقع منه مخالفة لواجباته أو تقصير في عمله ومحاكمته انضباطياً ولا يخل ذلك بمحاكمتهم جزائيا إذا وقع منهم ما يشكل جريمة . وبالتالي فأن عضو الضبط القضائي يعمل تحت اشراف الادعاء العام ويخضع عمله لرقابة قاضي التحقيق وهذه ضمانة من الضمانات التي تؤمن حسن سير عمل عضو الضبط القضائي بغية عدم مخالفته لاحكام القانون عند تنفيذ المهام المكلف بها .

 

المبحث الثاني

واجبات اعضاء الضبط القضائي

 

            سبق ان بينا ان واجبات عضو الضبط القضائي تنحصر في البحث عن الجريمة ومعرفة فاعلها وجميع المعلومات التي تفيد التحقيق وان عملية التحري مهة وضرورية حيث تبدأ بعد تلقي عضو الضبط القضائي للاخبار او الشكوى التي ترد اليه عن الجريمة التي حدثت حيث يقوم عضو الضبط القضائي يتقديم المساعدة لقاضي التحقيق والمحققين بما يصل إليه من معلومات عن الجريمة بغية ضبط مرتكبيها وتسليمهم الى السلطات المختصة وعلى عضو الضبط القضائي ان يثبت جميع الاجراءات التي اتخذها ويرسل كافة الاخبارات والشكاوى والمحاضر والاوراق المضبوطة الى قاضي التحقيق المختص فوراً وهذا ما نصت عليه المادة (41) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 ، كما ان المادة (46) من القانون المذكور نصت (على اعضاء الضبط القضائي ان يتخذوا جميع الوسائل التي تكفل المحافظة على ادلة الجريمة) . ونرى هنا في نص المادة (41) من القانون المذكور لم يحدد ما هي الوسائل التي بامكان عضو الضبط القضائي اللجوء اليها في التحري وجمع الادلة والمحافظة عليها وكذلك ضبط مرتكبها وتسليمهم الى السلطات المختصة وانما اشار بكيفية تتسع لكل الاجراءات التي يراها عضو الضبط القضائي ضرورية شريطة ان تكون هذه الاجراءات مشروعة وموافقة للقانون ولا تنتهك حقوق الانسان في ضوء احكام الدستور لعام 2005 .

            الا انه في ضوء احكام دستور جمهورية العراق لعام 2005 والنصوص الواردة فيه التي تنص على حماية حقوق الانسان في العراق فنرى انه بات من الضروري اعادة النظر في هذه النصوص بما يحد من اي انتهاك قد يصدر من عضو الضبط القضائي اثناء القيام بواجباته المنصوص عليها في القانون . وهذا ما اخذت به بعض التشريعات العربية فمثلاً نرى ان التشريع الكويتي اعطى امكانية اللجوء عند التحري الى جميع الوسائل اذا لم تكن تلك الوسائل مخالفة للاداب او لم يكن فيها اضرار بحريات الافراد وحقوقهم في ضوء احكام المواد (40 ـ 47) حيث تعتبر مشروعية الوسيلة من الضمانات الاساسية لحقوق الانسان عند اجراء التحري وذلك باللجوء الى الوسائل التي ليس فيها مساس بحريات الانسان وكرامته وان لا تكون في جميع الاحوال هذه الوسائل مخالفة للاداب العامة(7) . لذا نرى ان على عضو الضبط القضائي مراعاة ذلك عند قيامه بواجباته من حيث تعقيب الجريمة ومعرفة فاعليها واثبات معالمها وهذا ما نصت عليه المادة (43) من قانون اصول المحاكمات الجزائية (على عضو الضبط القضائي في حدود اختصاصه المبين في المادة (39) إذا اخبر عن جريمة مشهودة أو اتصل علمه بها أن يخبر قاضي التحقيق والادعاء العام بوقوعها وينتقل فورا الى محل الحادثة ويدون إفادة المجنى عليه ويسال المتهم عن التهمة المسندة أليه شفويا ويضبط الأسلحة وكل ما يظهر انه استعمل في ارتكاب الجريمة ويعاين أثارها المادية ويحافظ عليها ويثبت حالة الأشخاص والأماكن وكل ما يفيد في اكتشاف الجريمة ويسمع  أقوال من كان حاضرا أو من يمكن الحصول منه على إيضاحات في شان الحادثة ومرتكبها وينظم محضرا بذلك) .

ولعضو الضبط القضائي في ضوء احكام المادة (44) من القانون المذكور عند انتقاله الى محل الجريمة المشهودة أن يمنع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر . وله أن يحضر في الحال كل شخص يمكن الحصول منه على إيضاحات بشأنها وإذا خالف أحد هذا الأمر فيدون ذلك في المحضر . كما له ان يطلب عند الضرورة معاونة الشرطة له كما نصت عليه المادة (45) من القانون المذكور على ان تنتهي مهمة عضو الضبط القضائي بحضور قاضي التحقيق او المحقق او ممثل الادعاء العام الا في ما يكلفه به هؤلاء .

 

المبحث الثالث

الاشراف والرقابة على اعضاء الضبط القضائي

 

لقد اشارت الفقرة (أ) من المادة (40) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 بأن (يقوم أعضاء الضبط القضائي بأعمالهم كل في حدود اختصاصه تحت أشراف الادعاء العام وطبقا لاحكام القانون) ، كما نصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة بأن (يخضع أعضاء الضبط القضائي لرقابة قاضي  التحقيق وله أن يطلب من الجهة التابعين لها النظر في أمر من تقع منه مخالفة لواجباته أو تقصير في عمله ومحاكمته انضباطياً ولا يخل ذلك بمحاكمتهم جزائيا إذا وقع منهم ما يشكل جريمة) وبناءً على ذلك فأن الامر يتطلب من عضو الضبط القضائي ان يؤدي عمله بكل امانة واخلاص وان يبتعد عن كل ما من شأنه المساس بسلامة الاجراءات التي يعتمدها من اجل الوصول الى جمع الادلة وسرعة انجاز عمله في ضوء الحدود التي تؤمن حماية للمتهم وتحفظ له كرامته وانسانيته وتصونه من كل اعتداء يتنافى مع مبادئ حقوق الانسان ، لذا فأن عضو الضبط القضائي يعمل تحت اشراف عضو الادعاء العام حيث نص قانون الادعاء العام رقم (159) لسنة 1979 في المادة (2) منه في تحديد مهام الادعاء العام في مجال التحري وجمع الادلة والتحقيق واتخاذ كل ما من شأنه التوصل الى كشف معالم الجريمة ، لذا فأن عضو الضبط القضائي ينحصر دوره في تقديم المساعدة لقضاة التحقيق والمحققين وضباط الشرطة وهو عند ادائه لعمله وتنفيذ مهامه وواجباته يكون خاضعاً لاشراف الادعاء العام الذي يمثل الحق العام ويمارس حق الرقابة على الشرعية ، لذا فأن اي تقصير في اداء واجبات عضو الضبط القضائي او مخالفته للقانون يعرضه للمساءلة القانونية في ضوء النصوص الواردة في القانون وبالتالي فعلى عضو الادعاء العام ان يطلب من الجهة التي يتبعها عضو الضبط القضائي بعد ان يبين تقصيره في اداء مهامه ، معاقبته وفق القانون ، اما اذا كان الفعل يولد جريمة فأنه بالامكان لعضو الادعاء العام ان يطلب احالته الى المحاكم المختصة . كذلك لقاضي التحقيق ايضاً حق الرقابة والتوجيه على عضو الضبط القضائي .

            ويتحدد اختصاص عضو الضبط القضائي بالمكان الذي يعمل فيه ولا يعمل عضو الضبط القضائي خارج حدود اختصصاصه المكاني الا اذا كلفه قاضي التحقيق بمهمة تتعلق بالدعوى ذاتها والا فأن اي عمل يقوم به عضو الضبط القضائي خارج حدود اختصاصه وبدون تكليف من قاضي التحقيق تعد هذه الاجراءات معيبة ويمكن ابطالها واستبعادها كدليل في الدعوى(8) .

من هنا نرى ان الاشراف والرقابة على عمل عضو الضبط القضائي يعتبر ضمانة من ضمانات حقوق الانسان وحماية المتهم من اي تصرف قد يلجأ اليه عضو الضبط القضائي ، او يستخدم اية وسيلة من الوسائل غير المشروعة او المخالفة للاداب العامة  ضده او من شأنها المساس بحريات الاشخاص وصولاً الى جمع ادلة الجريمة .

لذا فأن الموضوع الذي يمكن اثارته في شأن حق الشخص المتضرر من اعمال عضو الضبط القضائي هو حقه في المطالبة بالتعويض .

نرى ان قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 لم يعالج هذا الموضوع ولكن طبقاً لقواعد العامة فان القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 قد نص الفقرة (1) على ان من استعمل حقه استعمالاً غير جائز وجب عليه الضمان) .

كما نصت الفقرة (2) من المادة المذكورة بأن يصبح استعمال الحق غير جائز في الاحوال الآتية :ـ

أ ـ اذا لم يقصد بهذا الاستعمال سوى الاضرار بالغير .

ب ـ اذا كانت المصالح التــي يرمـي هذا الاستعمال الى تحقيقها قليلة الاهمية بحيث لاتتناسب مطلقاً مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها .

جـ ـ اذا كانت المصالح التي يرمي هذا الاستعمال التي تحقيقها غير مشروعة .

لذا فأن الضمانات الاساسية لحقوق المتهم عند التحري جمع المعلومات عنه يمكن ادراجها بالآتي :ـ

ان تكون وسائل التحري وجمع الادلة مشروعة وموافقة للقانون في ضوء الضمانات التي كلفها دستور جمهورية العراق لعام 2005 ومبادئ حقوق الانسان .

التزام عضو الضبط القضائي باجراءات التحري في حدود الاختصاصات التي حددها له القانون .

المحافظة على الادلة الخاصة بالجريمة كونها تساعد في كشف الجريمة وازالة الغموض وفي ذلك ضمانة للمتهم في ضوء معايير حقوق الانسان .

تحرير محضر بالاجراءات التي يقوم بها عضو الضبط القضائي كونه ضمانة لحقوق الشخص من العبث او التغيير او التزوير .

 

الفصل الثاني

ضمانات حقوق المتهم عند اجراء التحقيق

 

ان التحقيق الابتدائي يعد مرحلة لاحقة لمرحلة التحري وجمع الادلة والمعلومات سيما وان الجهة التي تقوم بالتحقيق هم قضاة التحقيق والمحققون وفي هذه المرحلة تتخذ الكثير من الاجراءات التي فيها مساس بحقوق وحريات وحرمة مساكنهم كالقبض والتوقيف والتفتيش والاستجواب ، وحيث ان هذه الاجراءات قد اجازها المشرع بموجب صيغ محددة الا ان العاملين على تنفيذ انفاذ القانون كثير ما يسيئون استخدامها مما يعرض المتهم الى اساءة معاملته وتعذيبه وانتهاك حقوقه او التأثير عليه مادياً او نفسياً وبالتالي قد تؤدي هذه الاتهاكات غير المشروعة الى تعريض شخص برئ الى طائلة العقاب من خلال هذه الممارسات غير المشروعة لذا فأن هذه المرحلة تعد من اخطر المراحل التي يمر بها تقرير مصير المتهم ولاجل الحفاظ على كرامة المتهم من تعرضه لأية ضغوط سيما وان البند (خامساً) من المادة (19) من الدستور نص على ان (المتهم برئ حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة ، ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرة اخرى بعد الافراج عنه ، الا اذا ظهرت ادلة جديدة) .

لذا فأن مهمة القائم بالتحقيق لاتقتصر على كشف الجريمة فحسب وانما تهدف ايضاً الى حماية حقوق الابرياء والحيلولة دون وقوعهم في الاتهام من خلال استخدامهم الوسائل غير المشروعة التي تحط من كرامة الانسان ، لذا بات من الضروري الفصل بين سلطة التحقيق وسلطة الاتهام كضمانة من الضمانات للمتهم من اجل تحقيق العدالة بوجه عام حيث تعطى سلطة التحقيق الى قضاة التحقيق والمحققين ، اما سلطة الاتهام فتكون من اختصاص الادعاء العام وهذا ما اخذ به المشرع الفرنسي والانكليزي في حين عمل البعض الآخر على الجمع بين سلطتي الاتهام وسلطة التحقيق حيث اعطي الادعاء العام دوراً كبيراً في قيادة عملية التحقيق وهذا ما اخذ به المشرع الروسي وبقية الدول الاشتراكية عندما كانت تعمل تحت وسلطة الاتهام كما فعل المشرع الفرنسي والانكليزي ، الا ان هذا الفصل لم يكن مطلقاً . ففي جرائم الجنايات والجنح التي تزيد عقوبتها عن (3) ثلاث سنوات يكون التحقيق فيها لازماً وضرورياً اما في حالات الجنح التي عقوبتها اقل من (3) ثلاث سنوات فأن امر التحقيق فيها متروك الى قاضي التحقيق غير ان دعاوى الجنايات والجنح التي تزيد عقوبتها عن (3) ثلاث سنوات والتي يكون التحقيق فيها ضروري يحال المتهم فيها على المحاكم المختصة بدعوى غير موجزة في حين ان الجرائم التي في عداد الجنح والتي عقوبتها اقل من (3) ثلاث سنوات والتي لايكون فيها التحقيق ضرورياً فأن قاضي التحقيق يملك الخيار بين التحقيق فيها واحالة المتهم على المحكمة المختصة بدعوى غير موجزة او انه يرى عدم وجود ضرورة للتحقيق وبالتالي ينظرها بدعوى موجزة ، اما المخالفات فتحال بصيغة موجزة على المحكمة المختصة . مع العرض ان حضور الادعاء العام يعتبر وجوبياً عند التحقيق في جناية او جنحة وعليه ان يطلع على القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق كما له حق الطعن في هذه القرارات اذا ما رأي انها مخالفة للقانون او مجافيه للعدالة وفي هذا ضمانة من الضمانات التي كفلها القانون للمتهم ايضاً .

في ضوء ما تقدم اعلاه بات من الضروري التعرف على الجهة التي تتولى التحقيق من اجل ضمان حقوق المتهم قبل المحاكمة في ضوء احكام الدستور والقوانيين النافذة والمعايير الدولية المعنية بحقوق الانسان .

 

المبحث الاول

حقوق المتهم عند ضبط التحقيق

 

ان المعايير الاساسية التي يتم اعتمادها في ضبط التحقيق الابتدائي مع المتهم هي تدوين اقواله في ضوء سرية التحقيق وتتجلى اهمية تدوين اقوال المتهم في الحفاظ على هذه الاجراءات من التشويه والتحريف سيما وان اجراءات التحقيق في بعض القضايا تحتاج الى فترة زمنية طويلة يصعب على القائم بالتحقيق الاعتماد على ذاكرته في الاجراءات التي قام بها اذ قد تخونه الذاكرة في بعض الاحيان في ضوء زخم العمل وطول الفترة الزمنية التي تتعلق ببعض القضايا لطول الاجراءات التي تتعلق فيها ، كما ان عدم توثيق الاجراءات وتدوينها قد يؤدي الى القول بعدم مباشرتها مما يدفع لكل ذي مصلحة من اطراف النزاع بالقول بعدم الاستناد الى التحقيق غير المكتوب وبالتالي عدم اعتماد نتائجه . من هنا نرى ان تدوين محاضر التحقيق فيه ضمانة لحق المتهم اذ بالامكان الرجوع اليها وكذلك الاطلاع على الاجراءات والشهادات المقدمة في ذات القضية بما يمكن المحامي من الاطلاع عليها والاستفادة مما ورد في محاضر التحقيق في دفع التهمة عن موكله ان كان بريئاً . كذلك ان هذا التدوين فيه ضمانه للسلطة التحقيقية في اثبات حياديتها ونزاهتها من خلال شرعية الاجراءات التي اتخذتها في القضية الجاري التحقيق فيها .

 

المبحث الثاني

حماية حقوق المتهم عند اجراء التحقيق

 

ان اجراءات التحقيق كثيرة ومتنوعة وخلال مباشرة هذه الاجراءات قد يتعرض المتهم لفقدان بعض الضمانات في دفع التهمة عن نفسه كأن تقيد حريته او تنتهك كرامته او حرمة مسكنه او تكشف اسراره من خلال الاطلاع على رسائله او مكالماته الهاتفية ولاجل حماية المتهم من التعسف نجد ان هناك ضمانات مقررة في كل اجراء من الشهادة وانتهاءً باستجواب المتهم كما سنبينها في ادناه :ـ

ضمانات المتهم في الشهادة

لقد نص قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 في مواده من المادة (58) حتى المادة (68) في كل يتعلق بالشهادة ونص فيها على العديد من الضمانات التي تتجسد في الشهادة كونها دليلاً من ادلة الاثبات التي يمكن الاعتماد عليها في تقرير مصير الدعوى . ولذا نرى ان المشرع العراقي وضع العديد من الضمانات للمتهم في موضوع الشهادة ومعاقبة شاهد الزور كما نص على استبعاد الشهادة التي تؤدى دون حلف اليمين واستبعادها كدليل في الدعوى حيث يستطيع التمسك بذلك لكل ذي مصلحة له في الدعوى . بمن فيهم المتهم .

            كما ان الشهادة مهمة جداً كدليل من ادلة الاثبات في موضوع الدعوى لذا نرى ان محكمة التمييز ذهبت في كثير من قراراتها بالاعتماد على الشهادة الاولى لاهميتها كونها الاقرب الى وقوع الحادث وهي المعول عليها لخلوها ن شائبة الكذب والتلفيق .

ضمانات المتهم عند انتداب الخبراء

لقد عالج المشرع العراقي في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 موضوع الضمانات للمتهم عند انتداب الخبراء له حيث ان من بين الاجراءات التي يستطيع قاضي التحقيق او المحقق اللجوء اليها من تلقاء نفسه او بناء على طلب الخصوم هو انتداب خبير او اكثر لمعرفة رأيه في مسألة معينة يعجز القائم بالتحقيق عن حلها من خلال معلوماته الخاصة وبموجب احكام قانون الخبراء امام القضاء المرقم بـ(63) لسنة 1974 فأنه يتم اختبار الخبراء من بين موظفي دوائر الدولة والقطاع العام والخاص ويتم تحليف الخبير اليمين في كل مرة ينتدب بها للقيام بعمل معين فحلف اليمين من قبل الخبير هو ضمانة للمتهم بأن يؤدي الخبير عمله بامانة واخلاص وان يقول الحق وتقدم الخبرة امام قاضي التحقيق او المحقق وفي هذا ايضاً ضمانة لحقوق المتهم وقد نصت المواد من (69 الى 71) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 في كل ما يتعلق بانتداب الخبراء والضمانات الاكيدة لحقوق المتهم فيها .

ضمانات المتهم عند اجراء التفتيش

سبق ا ن اشرنا ان دستور جمهورية العراق لعام 2005 نص على حرمة المساكن حيث نص في البند (ثانياً) من المادة (17) من الدستور على ان (حرمة المساكن مصونة ولا يجوز دخولها او تفتيشها او التعرض لها الا بقرار قضائي ووفقاً للقانون ، كما عالج المشرع العراقي في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 الضمانات الخاصة بالمتهم في حالات التفتيش حيث نص في المواد من (72 ـ 86) من القانون المذكور على كل ما يتعلق بالتفتيش والضمانات الخاصة بالمتهم التي نص عليها المشرع في القانون المذكور وحيث ان التفتيش بحد ذاته هو استثناء من القاعدة التي تقضي بعدم المساس بحريات الناس وحرمة مساكنهم الا ان هذا التفتيش الذي يمكن ان نسميه بالتفتيش القضائي الذي يمكن القيام به بعد وقوع الجريمة وهذا الامر في حد ذاته هو ضمانة للمتهم لضمان حقوق الفرد اذ لا يجوز اجراء هذا التفتيش الا اذا كانت هناك جريمة قد وقعت تستدعي اجراء التفتيش وان يكون ذلك صادراً بقرار من قاضي التحقيق او من جهة لها صلاحيات قاضي التحقيق . كما ان من ضمانات المتهم في هذه الحالة هو حقه في الاعتراض على هذا التفتيش لدى قاضي التحقيق وعلى القاضي ان يفصل في هذا الموضوع على وجه السرعة وهذا ما نصت عليه المادة (86) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 .

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

ضمانات حقوق الانسان في حالات القاء القبض والتوقيف

 

ان موضوع تكليف المتهم بالحضور او استقدامه يتم وفق نصوص حددتها المواد من (87 الى 91) من قانون اصول المحاكمات الجزائية وفي هذه الحالة لايوجد ما يمس بكرامة المتهم او يعرض حقوقه للضياع وكل ما في الامر هو قيام القائم بالتكليف بالحضور افهام المتهم بمضمون الامر ويكون في ذلك في الحالات التي تكون فيها عقوبة الجرائم المرتكبة لاتزيد عن سنة .

ضمانات المتهم عند القبض عليه

القبض معناه الامساك بالمتهم من قبل المكلف بالقاء القبض عليه ووضعه تحت تصرفه لفترة قصيرة وريثما يتم عرضه على سلطة التحقيق او الجهة التي اصدرت الامر للتصرف في شأنه . لذا فأن القاء القبض تعد من الاجراءات الخطيرة التي يلجأ اليها قاضي التحقيق في مرحلة التحقيق الابتدائي لانه يمس الحرية الشخصية لذا نجد ان التشريعات لا تبيحه الا في الحدود المقررة قانوناً(9) .

وقد كفل دستور جمهورية العراق لعام 2005 الحرية الشخصية لذا نرى ان الدستور قد نص في البند (ثالث عشر) من المادة (19) منه على ان (تعرض اوراق التحقيق الابتدائي على القاضي المختص خلال مدة لاتتجاوز اربع وعشرين ساعـة من حين القبض علـى المتهم ، ولا يجوز تمديدها الا مرة واحدة وللمدة ذاتها) .

وكذلك فعل قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 حيث نص في المادة (92) منه بعدم جواز القبض على أي شخص او توقيفه الا بمقتضى امر صادر من قاضي او محكمة او في الاحوال التي يجيز فيها القانون ذلك .

كما نصت المادة (99) من قانون اصول المحاكمات الجزائية بأن يتم احضار المتهم باصدار امر القبض اذا كانت الجريمة معاقباً عليها بالحبس مدة تزيد على سنة الا اذا استصوب القاضي احضاره بورقة تكليف بالحضور ، غير انه لايجوز اصدار ورقة تكليف بالحضور اذا كانت الجريمة معاقباً عليها بالاعدام او السجن المؤبد .

من هنا نرى ان القاء القبض على المتهم لابد ان يكون بمقتضى امر صادر من سلطة قضائية مختصة على ان تعرض اوراقه امام قاضي التحقيق المختص خلال (24) ساعة لغرض البت في موضوعه ولا يجوز تمديد توقيفه الا لمرة واحدة وللمدة ذاتها وفي هذه الحالة ضمانة اكيدة على عدم توقيف المتهم دون مذكرة قضائية وان يعرض في اسرع وقت امام قاضي التحقيق المختص للبت في موضوع الاتهام الموجه اليه . كما اجاز قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 . في المادة (95) منه وجوب اطلاق سراح المقبوض عليه اذا قدم تعهداً كتابياً بالحضور في الوقت المعين مقترناً بكفالة يعينها القاضي او بدون كفالة او تعهد مقترناً بايداع صندوق الدائرة للمبلغ الذي يعينه القاضي ومتى قدم المقبوض عليه هذا التعهد او اودع المال لزم اطلاق سراحه . وعلى من وجه اليه امر القبض ان يخبر القاضي بما اتخذ من اجراءات .

ضمانات المتهم عند توقيفه

ان توقيف المتهم تعد من الاجراءات التي تلجأ اليها السلطة القضائية لوضع المتهم تحت يد العدالة من خلال تقييد حريته وبالتالي لايجوز لهذه السلطة ان تلجأ الى توقيف المتهم الا في الحدود التي اجاز لها القانون ذلك ، لان هذا الاجراء فيه مساس لحريته التي كفلها له الدستور وقد تزداد خطورة هذا الموقف كلما زادت مدة توقيف المتهم في ضوء المبررات التي تعتمدها السلطة القضائية لتحديد مدة التوقيف للمتهم لذا نرى ان دستور جمهورية العراق لعام 2005 قد نص في الفقرة (ب) من البند (اولاً) من المادة (37) بعدم جواز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي نظراً لخطورة التوقيف الذي فيه مساس بحرية الاشخاص وفي هذه ضمانة للمتهم ذلك لان قاض التحقيق يلجأ الى توقف المتهم المقبوض عليه اذا وجد ان ضرورات التحقيق تستدعي ذلك او خشي هروبه او التأثير على الشهود وسير التحقيق كما اجاز القانون لقاضي التحقيق في حالات الجنح ان يطلق سراح المتهم بتعهد معزز بكفالة شخص ضامن او بدونها وان يتم حضوره متى طلب منه ذلك ، وان اطلاق سراح المتهم لايؤدي الى هروبه ولا يضر بسير التحقيق وهذا ما نصت عليه الفقرة (1) من المادة (109) من قانون اصول المحاكمات الجزائية ، بالاضافة الى ذلك فأن من الضمانات التي وفرها المشرع للمرأة في العراق هو عدم جواز توقيف المرأة المتهمة بجريمة غير عمدية خلال مهلة التحقيق والمحاكمة حتى صدور قرار او حكم فاصل في الدعوى(10) . وعلى قاضي التحقيق عند اصدار قراره بتوقيف المتهم او تمديد مدة موقوفيته ، ان يسبب قراره هذا وفي هذا ضمانة لحقوق المتهم لكي تتجنب سلطة التحقيق التعسف وتتريث في كل مرة تريد ان تمدد توقيف المتهم . كما ان التسبيب يّعين المتهم في الطعن بقرار قاضي التحقيق ويعين وكيله في تشخيص الاسباب والمبررات التي دعت سلطة التحقيق في اصدار قرار التوقيف او تمديد مدة التوقيف وعدم ترك الامر لتقدير القاضي . ومن الضمانات الاخرى ايضاً للمتهم ان له الحق في الاتصال بمحاميه خلال مدة التوقيف والاستفادة من استشارته وكذلك له الحق بالطلب في اطلاق سراحه بكفالة ضامنة في الحالات التي يجيزها القانون وفي كل ذلك حماية للحرية الشخصية ولتمكين المتهم في الدفاع عن نفسه على الوجه الاكمل .

ضمانات المتهم عند استجوابه

الاستجواب معناه مساءلة المتهم ومناقشته عن التهمة المنسوبة اليه ومواجهته بالادلة المختلفة وسماع ما لديه من دفوع لتلك التهمة(11) وبالتالي فأن الاستجواب هو اجراء ذو شقين :ـ

الاول :ـ يهدف الى جمع الادلة لاثبات التهمة ضد المتهم .

الثاني :ـ جمع ما يدفع التهمة عن المتهم(12) .

            لذا فأن الاستجواب يعد من الاجراءات التي تتخذ في مرحلة التحقيق الابتدائي حيث يستطيع المتهم اظهار براءته ودفع التهمة عنه ان كان بريئاً او قد يعترف المتهم ويوضح اسباب ارتكابه لهذه الجريمة والاسباب التي دفعته لذلك ولكي يعتبر الاستجواب ضمانة لحقوق المتهم لابد ان تكون اجراءات الاستجواب سليمة وموافقة للقانون .

حيث نصت الفقرة (أ) من المادة (123) من قانون اصول المحاكمات الجزائية (على قاضي التحقيق او المحقق ان يستجوب المتهم خلال اربع وعشرين ساعة من حضوره بعد التثبت من شخصيته واحاطته علماً بالجريمة المنسوبة إليه ويدون اقواله بشأنها مع بيان ما لديه من ادلة لنفيها عنه وله ان يعيد استجواب المتهم فيما يراه لازماً لاستجلاء الحقيقة .

كما نصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة انه (قبل اجراء التحقيق مع المتهم يجب على قاضي التحقيق اعلام المتهم بما يلي :ـ

اولاً :ـ ان له الحق في السكوت ولا ينتج من ممارسته هذا الحق أي قرينة ضده .

ثانياً :ـ ان له الحق في ان يتم تمثيله من قبل محامي وان لم تكن له القدرة على توكيل محام تقوم المحكمة بتعيين محام منتدب له ، دون تحميل المتهم اتعابه .

كما نصت الفقرة (جـ) من المادة ذاتها (على قاضي التحقيق او المحقق حسم موضوع رغبة المتهم في توكيل محام فليس لقاضي التحقيق او المحقق المباشرة بأي اجراء حتى توكيل المحامي المنتدب)(13) .

            كذلك من الضمانات للمتهم عند الاستجواب هو ما نصت عليه المادة (126) من القانون المذكور حيث نصت الفقرة (أ) على ان (لايحلف المتهم اليمين الا اذا كان في مقام الشهود على غيره من المتهمين) .

            كما نصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة على (عدم اجبار المتهم على الاجابة على الاسئلة التي توجه اليه . وهذا ما يؤكد حق المتهم بالصمت كالتوجه الصادر عن المؤتمر الدولي الثاني عشر الذي عقدته الجمعية الدولية لقانون العقوبات في المانياً (هامبورغ) للفترة من 16-22/9/1979 كما منحت المتهم الحق في اختيار الطريقة المناسبة للاجابة . وان يكون حراً في التعبير وعدم استعمال الوسائل غير المشروعة للحصول على اقراره وهذا ما نصت عليه المادة (127) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 .

 

الفصل الرابع

ضمانات المتهم في قرارات قاض التحقيق

 

بعد انتهاء قاضي التحقيق من اجراءات التحقيق المنصوص عليها في القانون فأنه سوف يعمل على البت في موضوع الدعوى فاذا وجد ان الفعل لا يعاقب عليه القانون او ان المشتكي قد تنازل عن شكواه وكانت الجريمة مما يجوز الصلح فيها او التنازل فيها دون موافقة القاضي او ان المتهم غير مسؤول قانوناً بسبب صغر سنه عند ذلك يصدر القاضي قراره برفض الشكوى وغلق الدعوى نهائياً وهذا ما نصت عليه الفقرة (أ) من المادة (130) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 كما نصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة انه اذا كان الفعل معاقباً عليه ووجد القاضي ان الادلة تكفي لمحاكمة المتهم فيصدر قراراً باحالته على المحكمة المختصة اما اذا كانت الادلة لا تكفي لاحالته فيصدر قراراً بالافراج عنه وغلق الدعوى مؤقتاً مع بيان اسباب ذلك .

اما اذا وجد القاضي ان الفاعل مجهول او ان الحادث وقع قضاءً وقدراً فيصدر قراره بغلق الدعوى مؤقتاً .

كما اجاز القانون للقاضي باخلاء سبيل المتهم الموقوف عند صدور القرار برفض الشكوى او الافراج عنه .

وفي كل هذه الاحوال فأن على قاضي التحقيق ان يخبر الادعاء العام بالقرارات التي يصدرها فيما يخص احكام المادة (130) من القانون المذكور .

في ضوء ما تقدم اعلاه نرى بأن غلق الدعوى بصورة دائمة او مؤقتة في مرحلة التحقيق تعد ضمانة للمتهم ولو ان هذه الضمانة غير مطلقة . لاسيما اذا كان غلق الدعوى كان بسبب ضعف الادلة او انعدامها او عدم معرفة الفاعل او ان الفعل قد سجل قضاء وقدراً . كما ان تسبيب قرار قاضي التحقيق فيه ضمانة اكيدة للمتهم لغرض الطعن بقرار القاضي من قبل المتهم او الادعاء العام . ونرى ان المشرع العراقي لم يشير في المادة (110) من قانون اصول المحاكمات الجزائية الى تسبيب قرار الاحالة وانما اكتفى بالمادة (131) من القانون المذكور الى ذكر البيانات الواجب احتوائها في قرار الاحالة وكان الاجدر ان تتم اشارة بشكل صريح الى تسبيب قرار الاحالة لاهميته كضمانه للمتهم .

كما ان اطلاع الادعاء العام على قرار قاضي التحقيق يعد ضمانة للمتهم ايضاً في تدقيق قرار قاضي التحقيق .

في ضوء ما تقدم اعلاه فأن تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه تعد ضمانة له وكذلك غلق الدعوى بصورة دائمية او نهائية تعد ضمانة اخرى للمتهم كما ان تسبب قرار القاضي وتبليغه للمتهم واطلاع الادعاء العام عليه هو في حد ذاته ضمانة اكيده للمتهم ايضاً . كما ان احالة المتهم لاتعني التأكيد على ادانة المتهم وانه قد ارتكب هذه الجريمة بل ان الادلة كانت كافية لمحاكمته .



(1) الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي وافقت عليه الجمعية العامة للامم المتحدة في 10/12/1948 .

(2) المادة (5) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان .

(3) المادة (9) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان .

(4) المادة (11) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان .

(5) المادتين (9 و14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة (2200) الف (د ـ 21) المؤرخ في 16/كانون الاول/1966 .

(6) د. سليم حربة ـ الاجراءات الجنائية في النظم القانونية العربية وحماية حقوق الانسان ص154 .

(7) د. سليم حرية ـ الاجراءات الجنائية في النظم القانونية وحماية حقوق الانسان .

(8) الدكتور سليم حرية وعبد الامير العكيلي ـ الجزء الاول من قانون اصول المحاكمات الجزائية ـ الطبعة الثانية 1988 ص99 .

(9) د. سليم حرية ـ الاجراءات الجنائية في النظم القانونية العربية وحماية حقوق الانسان ـ ص168 .

(10) قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) رقم (101) في 22/6/1999 .

(11) الدكتور سليم حرية والاستاذ عبد الامير العكليلي شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية 1987 ص156 .

(12) محمد سامي البتراوي ـ استجواب المتهم (رسالة دكتوراه) القاهرة 1968 ورؤوف عبيد مبادئ الاجراءات الجنائية في القانون المصري 1978 ص292 .

(13) اضيفت الفقرتان (ب) و(جـ) الى المادة (123) بموجب المذكرة رقم (2) المؤرخة في 18/6/2003 القسم (4) المنشورة في الوقائع العراقية بالعدد (3978) في 17/8/2003 .

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :