فوز سبعة قضاة لعضوية جمعية القضاء العراقي                                          الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                         

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

مبدأ التكامل في المحكمة الجنائية الدولية

المحامي الدكتور: فارس أحمد الدليمي

 

مقدمة عن المحكمة الجنائية الدولية

 يمكن القول أن 11 نيسان من عام 2002 يعد الميلاد الحقيقي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو التاريخ الذي اكتملت به التصديقات للعدد المطلوب من الدول، لتؤسس هيئة مهمة من الهيئات التي تتولي إرساء العدالة الجنائية، من خلال خضوع الأفراد المتهمين بجرائم دولية لها، وعدم إعطاء الفرصة لهؤلاء الجناة من الإفلات من العقوبة، وهذه الجرائم نصت عليها المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة، وهي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم العدوان حين دخولها حيز التنفيذ.

 ويعد إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية International  Criminal Court      (ICC) من الانجازات التي تحققت للنظام القضائي الجنائي الدولي، إذ يعد هذا النظام بمثابة إرساء لقواعد العدالة الدولية، وكابحاً لجماح القوة المتسلطة، التي ما فتئت ترتكب الانتهاكات الدولية بحق الشعوب والإنسان على حد سواء، من دون احترام للقواعد القانونية التي أجهدت الإنسانية نفسها وعلى مر عقود من الزمن في سبيل إقرارها.

إن المحكمة الجنائية الدولية ICCتعد أول محكمة مبنية على معاهدة، وهي مؤسسة دائمة ومستقلة، ولدت بعد مخاض عسير ومجموعة من الاجتماعات والمؤتمرات عقدتها هيئة الدول، من أجل وضع حد لإفلات منتهكي القانون الدولي الإنساني، ومرتكبي الجرائم الدولية الأشد جسامة من جهة، ومراعاة للآلام ومشاعر الإنسانية، التي انتهكت جراء السلوك العدواني غير القانوني للعديد من القادة والرؤساء والأفراد الآخرين من جهة أخرى.

 وقد عرف البعض المحكمة الجنائية الدولية بأنها مؤسسة دولية دائمة بمعرفة الدول الأطراف المنظمة إلى المعاهدة، لغرض معاقبة الأشخاص الذين يرتكبون أشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام العالمي منها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان وجرائم الحرب([1]).

ومن الواضح أن الدول التي إنضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وصادقت على نظامها الأساسي، أن أعدادها في تزايد ملحوظ، في حين نجد أن الدول العربية لم تصادق على النظام الأساسي سوى الأردن وجيبوتي وجزر القمر ثم إنضمت تونس .

إن المقر الرئيسي للمحكمة يقع في هولندا، لكن ذلك لا يمنع من أن تعقد المحكمة جلساتها في مكان آخر، فيما أذا كان ذلك محققاً للعدالة، وطبقاً للنظام الأساسي فإن قرار عقد جلسات المحكمة في دولة أخرى يمر بمرحلتين، أولهما موافقة الدولة التي ستعقد على أرضها المحاكمة، والأخرى أن يتخذ قضاة المحكمة هذا القرار بأغلبية الثلثين.

وقد جاء النظام الأساسي للمحكمة بعدد من المبادئ منها:-

أ-يعتبر مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ويعد من أهم المبادئ التي تضمنها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وأن مما يجب العمل عليه هو تأويل تعريف الجريمة تأويلاً دقيقاً ولا يجوز توسيع نطاقه عن طريق القياس، 

ب-مبدأ التكامل الذي منح الاختصاص الأصلي إلى المحاكم الوطنية، كي تعمل على محاكمة مرتكبي قواعد القانون الدولي الإنساني،  في حين يبقى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إختصاصاً تكميلياً، ينهض في حالة غياب الإختصاص الوطني أو عدم رغبته  أو قدرته على إحالة مرتكبي الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من النظام الأساسي .

ج-في إطار المسؤولية الجنائية، فإن للمحكمة إختصاص على الأشخاص الطبيعيين، دون الأشخاص المعنوية، وأن الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في إختصاص المحكمة إنما يكون مسؤولاً بصفته الفردية، ولا يعتد بالصفة الرسمية، وأن النظام الأساسي يسري على جميع الأشخاص بصورة متساوية، دون أي تمييز بسبب هذه الصفة، فالشخص يخضع للمساءلة الجنائية سواء أكان جندياً أم رئيساً للدولة أم عضواً في الحكومة أو البرلمان.

د-مبدأ التعاون الدولي، ويعني ذلك ضرورة أن تتعاون الدول فيما بينها من أجل أن تتمكن المحكمة الدولية من القيام بتطبيق العدالة، وفي إحالة المتهمين إلى المحكمة.

هـ- مبدأ المحاكمة العادلة، إذ يجسد النظام الأساسي في نصوصه تلك الضمانات المهمة، التي يجب أن يتمتع بها أولئك الذين يخضعون لسلطة المحكمة، بل أن مهمة توفير محاكمة عادلة تعد أحدى الضمانات المهمة التي يجب أن تقدم أثناء المحاكمات.

و- لا يخضع  للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلا تلك الحالات التي نص عليها النظام الأساسي، إعتباراً من دخول هذا النظام حيز التنفيذ، وبالتالي لا يقع ضمن إختصاص المحكمة الجرائم التي وقعت قبل 20يويو عام 2002.

زـ-مبدأ عدم تقادم الجرائم، الذي يعد من المبادئ المهمة التي تقضي بعدم إنقضاء الزمن المانع من سماع الدعوى، فالمتهم يبقى مطارداً من قبل العدالة حتى لو طال الزمن، وبالتالي فإنه لن يكون بمنأى منها.

ولما كان النظام الأساسي للمحكمة يعد معاهدة دولية، فأن أي دولة حرة في الإنضمام إلى المحكمة من عدمه، وأن الإلتزام المفروض على الدولة يبدأ من إنضمام الدولة والمصادقة على النظام الأساسي.

ولضرورات البحث سنقسمه الى ثلاثة مطالب نتناول في المطلب الاول التعريف بمبدأ التكامل، ونخصص المطلب الثاني لمبدأ التكامل في المواثيق الدولية، ونتحدث في المطلب الثالث عن تخلي الدولة عن تطبيق نظامها القضائي.

 

 

المطلب الأول

 التعريف بمبدأ التكامل

            تعد مسألة إسناد الإختصاص إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) من أكثر المسائل التي أثارت جدلاً داخل لجنة القانون الدولي، منذ أن بدأت اللجنة مناقشاتها لموضوع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وتصدر موضوع فيما إذا كان رِضا الدولة المعينة كي تباشر المحكمة إختصاصها بنظر إحدى القضايا التي نص عليها الاختصاص الموضوعي للمحكمة ضرورياً، أم أن المحكمة تمارس إختصاصاً عاماً مطلقاً في مواجهة جميع الدول دون الرجوع الى موافقة الدولة([2]).

القاعدة الأساس أن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية، إختصاص مكمل للإختصاص القضائي الوطني، إذ أن نظام روما الأساسي قد دعا الدول الأطراف إلى المبادرة بالتحقيق في الأفعال التي تشكل جرائم دولية، بإعتبار أن ذلك يشكل خط الدفاع الأول للتعامل مع تلك الجرائم، التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وفي حالة عجز أو عدم قدرة النظام القضائي الوطني على ممارسة إختصاصه، ينعقد الإختصاص للمحكمة الجنائية الدولية([3]).

وبقدر تعلق الأمر بموضوع الإختصاص، فقد جاء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بجملة من المبادئ المهمة، منها مبدأ التكامل Complementarity ، إذ افرد له النظام الأساسي قاعدة قانونية فضلاً على النص عليه في ديباجة النظام.

ودارت مناقشات عديدة بشأن المصطلح الأكثر صواباً لمبدأ التكامل، الذي يصف العلاقة بين إختصاص المحكمة الجنائية الدولية وإختصاص القضاء الوطني للدول الأطراف، للتصدي للجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من نظام روما الأساسي، فإذا كان البعض يرى أن Complementarity تعني التكاملي، أي أن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية يتكامل مع إختصاص القضاء الوطني للدول الأطراف، يرى البعض الآخر أن إختصاص هذه المحكمة ما هو إلا إختصاص إحتياطي للقضاء الوطني، الذي إذا لم ينهض في حكم أحدى الجرائم المنصوص عليها في نظام روما، ينهض إختصاص المحكمة الجنائية الدولية إحتياطاً، لملأ الفراغ الناتج عن غياب القضاء الوطني، فيما يرى آخرون بان مصطلح الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية هو الأكثر دقة، كونه يكمل أختصاص القضاء الوطني([4]).

ويعد مبدأ التكامل بمثابة حجر الزاوية في النظام الأساسي للمحكمة، إذ أن الأصل وكما معروف في الإختصاص القضائي أن يكون للإختصاص الوطني، إلا انه مع أقرار نظام روما للنظر في الجرائم الدولية، أضحى إختصاص المحكمة الجنائية الدوليةICC مكملاً لإختصاص القضاء الوطني للدول الموقعة على النظام الأساسي، ففي حالة عجز النظام القضائي الوطني لسبب ما عن ممارسة ولايته القضائية، حينها ينعقد الاختصاص للقضاء الدولي المتجسد بالمحكمة الجنائية الدولية.

فالأساس، إذن أنعقاد الإختصاص للقضاء الجنائي الوطني، ويعد ذلك نتيجة لطبيعة العلاقة بين المتهم والدولة التي تم إنتهاك قانونها، إذ أنها تعد صاحبة الإختصاص ذلك أن الواقعة الجرمية قد إنتهكت قانونها الوطني، ومن هنا ينفتح الباب أمام الإدعاء العام لتحريك الدعوى، على المتهم وإخضاعه للمحاكمة من أجل الاقتصاص منه ([5]).

            وقد نظر الفقه إلى مبدأ التكامل على أنه مبدأ وظيفي يهدف الى منح الاختصاص القضائي الى هيئة فرعية، عندما تخفق الهيئة الرئيسة في القيام بإختصاصها المنوط بها ([6]).

فيما ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف مبدأ التكامل بأنه إمتداد السلطة القضائية الجنائية الوطنية للمحكمة الجنائية الدولية، إذ أن المحكمة الجنائية الدولية في هذه الحالة ليست بديلاً عن القضاء الوطني؛ بل مكملة لإختصاصها، وأن سلطة المحكمة لا تتعدى سيادة القضاء الوطني، ما دام هذا القضاء قادراً وراغباً في نظر الدعوى، ومباشراً الإلتزامات القانونية الدولية([7]).

فيما ذهب آخر للقول، بأنه تلك الصياغة التوفيقية التي تتبناها الجماعة الدولية، لتكون بمثابة نقطة إرتكاز لحث الدول على محاكمة المتهمين بإرتكاب الجرائم الدولية، على أن تكون المحكمة الجنائية الدولية مكملة للاختصاص في حالة عجز القضاء الوطني، عن إجراء المحاكمة بسبب عدم إختصاصه أو لإنهيار بنيانه الإداري، أوعدم حضور الجدية أوالرغبة لتقديم المتهمين للمحاكمة([8]).

إن مبدأ التكامل ظاهره التعاون، وباطنه يمثل لدى البعض القيود والإستثناءات على الأنظمة القانونية الوطنية، في سبيل تحقيق العدالة، وهي الغاية المنشودة للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ([9]).

            ومن المسلم به أن خضوع الجناة من منتهكي القانون الدولي الإنساني، إلى أي محكمة داخل الدولة، إنما يعني أن المحكمة تؤدي وضيفتها القضائية إستنادا إلى نظامها القضائي والقوانين المعمول بها داخل الدولة، إلا أنه لا يمنع؛ بل من المتصور أن تتنازل الدولة عن إختصاصها إلى هيئة قضائية أخرى، وهي المحكمة الجنائية الدولية ICC في حالة وجود قصور في نظامها القضائي الداخلي، ومن هنا سنكون أمام نظامين قانونيين، أحدهما صاحب الإختصاص الأصلي وهو النظام القضائي الوطني، والآخر نظام قضائي تكميلي لسد الفراغ، ممثل بالقضاء الدولي الجنائي المتجسد بالمحكمة الجنائية الدولية .ICC 

المطلب الثاني

مبدأ التكامل في المواثيق الدولية

وضمن التسلسل الزمني الذي يمكن من خلاله الإشارة إلى مبدأ التكامل لا بد من الذكر أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948قد جاء في صدر مادته (8) بأن:-

"لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم  الوطنية لإنصافه من أعمال فيها إعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ".

فيما أكدت المادة (10) منه على أن:-

 " لكل إنسان الحق ، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراَ عادلاَ علنياَ للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه " .

والمتأمل لنص المادة (8) سوف يلحظ عبارة"كل شخص" قد جاءت مطلقة، ومن دون تحديد،  وبالتالي فهي تنصرف إلى مرتكب الفعل أي الجاني، والى الشخص الذي ارتكب الفعل عليه أي المجني عليه، وأن كلا الشخصين جدير بالحماية القانونية التي كفلتها القواعد القانونية، منها التي تنصف الجاني بتوفير مستلزمات المحاكمة العادلة النزيهة، فضلاً عن رد إعتبار المجني عليه من خلال إنصافه وتعويضه إن كان لها محل، ونرى أن المقصود بالمحكمة المستقلة والنزيهة، يمكن أن تكون محكمة وطنية أو محكمة دولية.

            وكانت المادة (6) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 1948 قد نصت على:-

            "يحاكم الأشخاص المتهمون بإرتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي أرتكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دولية تكون ذات إختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد إعترف بولايتها"([10]).

         ومن الاطلاع على النص الآنف الذكر، يمكن الاستدلال وبوضوح أن الإتفاقية أكدت على مبدأ التكامل قبل نظام روما، وذلك جلي من صياغة النص، إذ أعطى الإختصاص الأصيل للقضاء الوطني، وذلك بتقديم ولايته على ولاية القضاء الدولي الجنائي، على أن يكون إختصاص القضاء الدولي في مرحلة تالية، وذلك بموجب الموافقة الصريحة من الدول الأطراف في النزاع، والذين كانوا قد صادقوا على الاتفاقية([11]). 

وأشارت الإتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966 ، إلى حق الفرد بأن تتولى قضيته محكمة خاصة عادلة، وتكفلت المادة (14) من الاتفاقية بالنص على ذلك:-

 "ومن حق كل فرد … أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون … ".

ومما يمكن ملاحظته من النص الآنف الذكر، أن الدعوى محل النظر يجب أن تنظر من قبل محكمة" مختصة" وهذا التخصيص لم يرد ضمن نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولاشك ان هذا المعنى يحمل معنى الإختصاص بالمفهوم الواسع، فهو يتضمن كلا الإختصاصين الوطني والدولي على حد سواء، بما لديهما من إختصاص فعلي، إلا أن ما هو جدير بالذكر هناك أولوية لأحدهما على الآخر([12]). وهو بلا شك أولوية الوطني على الدولي.

وكانت الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان عام 1969 قد أشارت في مادتها (8) إلى أن:-

" لكل شخص الحق في محاكمة تتوفر فيها كافة الضمانات الكافية وتجريها خلال وقت معقول محكمة مختصة مستقلة غير متحيزة، كانت قد أسست سابقاً وفق القانون، وذلك لإثبات أية تهمة ذات طبيعة جزائية موجهة إليه أو للبت في حقوقه أو واجباته ذات الصفة المدنية أو المالية أو المتعلقة بالعمل أو أية صفة أخرى".

إن حق الإنسان بالتقاضي مكفول وفق القانون، ومن حقه ان ينال محاكمة عادلة من لدن محكمة مختصة، تمارس إختصاصها القضائي تبعاً للقانون، وأنشأت طبقاً للقوانين المعمول بها في الدولة، ومن دون شك فإن المحكمة المختصة على وفق للمادة الآنفة الذكر ممكن أن تكون محكمة وطنية أو محكمة دولية، على أنه يجب أن لا يغيب عن البال، أن الإختصاص الأولي يكون للمحاكم الوطنية دون الدولية، التي يكون قضائها مختصاً في النظر في الدعوى إحتياطياً ومكملاً للإختصاص الوطني، يسد فراغه لعدم الإختصاص أو لغياب الرغبة أو لإنعدام الأهلية.

            ويبدو واضحاً أن لائحة نورمبرج عام 1945 قد أقرت مبدأ التكامل، فأعطت الاختصاص لمحكمة جزائية دولية مختصة لمحاكمة المتهمين بالجرائم الدولية، ومنها جريمة الإبادة الجماعية، عند عجز أو عدم توفر المحكمة الوطنية التي جرى على أرضها إرتكاب الفعل غير المشروع، بشرط إعتراف الطرف الآخر بالولاية القضائية لهذه المحكمة، وهذا يتقرب كثيراً مع نصوص إتفاقية روما الخاصة بالولاية القضائية، إذ أن الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية ينحصر بين الدول التي صادقت على النظام الأساسي للمحكمة، أو لأي دول تقبل الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدوليةICC .

ولا يمنع من أن تكون هناك أولوية للإختصاص الدولي على الاختصاص الوطني في بعض الحالات الخاصة، ومنها إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة للنظر في الجرائم التي ترتكب في بعض الاماكن، وكما حدث الحال في محاكمات نورمبرج عام 1945 ويوغوسلافيا السابقة 1993 والمحكمة الدولية الجنائية الخاصة براوندا 1994، إذ من الملاحظ سطوة الإختصاص الدولي وغلبته على الإختصاص الوطني، ولا يمكن الصمت عن الحالات التي أفرزها  الواقع العملي، بالتمييز بين الجرائم الشديدة الخطورة وذات الجسامة الكبيرة، وكان للقضاء الدولي إختصاص بنظرها، وتلك الجرائم الدولية البسيطة التي أختص بها القضاء الوطني، إلا أن ذلك التمييز ما لبث وأن إندثر مع بزوغ شمس المحكمة الجنائية الدولية([13]). 

ومما يمكن الإشارة إليه، أن مبدأ التكامل لم يكن منصوصاً عليه في محكمة يوغوسلافيا السابقة وراواندا، وكان رئيس الشعبة الثانية السيد سيرج براميرتس المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، قد أوضح أن إستراتيجية الإنجاز حسب خبرة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، لم تكن هي موضع التركيز الرئيسي عند البداية، وبعد أن وضعت حرب البلقان أوزارها إتسم التعاون مع الجهات القضائية الوطنية بالصعوبة، ولم تبدأ تلك المحكمة في التركيز على التكامل، إلا بعد إعتماد ما يتصل بالموضوع من قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإستراتيجية الإنجاز، ثم أٌحيلت قضايا إلى محاكم وطنية في المنطقة. وأضاف إلى أن التكامل كان في بداية عمل المحاكم المخصصة "ناتجًا ثانويًا" بينما أصبح اليوم يشكل إحدى الأولويات الرئيسية([14]).

ويذهب البعض للقول أن الاختصاص القضائي التكميلي لمحكمتي يوغوسلافيا السابقةICTY وراواندا ICTRمتلازم ومتزامن، ويشترك مع الإختصاص الوطني لكلا الدولتين، على نحو تكون فيه الدولتان وقضاؤهما ملتزمين بالاستجابة لقرارات هاتين المحكمتين، ولذلك يكون إختصاصهما القضائي مهيمناً على الإختصاص القضائي في هاتين الدولتين، وهذه الهيمنة تجد سندها ومبررها في قراري مجلس الأمن اللذين تم بموجبهما تشكيل المحكمتين بناء على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة([15]).

ويمكن الإستنتاج أن مبدأ التكامل، وإن لم يكن منصوصاً عليه في لائحتي يوغوسلافيا السابقة وراوندا، إلا أن هذا المبدأ يتجسد بحلول المحكمتين السابقتين، اللتين شكلتا بموجب قرارات مجلس الأمن في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بعد أن أصاب الإنهيار البنيان القانوني، وتخلف الإدارة القانونية جراء الأحداث المروعة التي إجتاحت البلدين، فضلاً عن عدم رغبة النظام القضائي، وتخلف القدرة الكافية وغيابها بشكل واضح وجلي.

المطلب الثالث

تخلي الدولة عن تطبيق نظامها القضائي

وقد يتصور البعض إن عدم رغبة الدولة – والذي يتعلق بمدى حسن نية الدولة- في إخضاع مرتكبي الجرائم الدولية، التي تشكل بطبيعة الحال إنتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني، إلى إختصاصها الوطني وممارست ولايتها عليهم، هي مسألة تلجأ إليها الدولة لغرض إفساح المجال للبعض من المتهمين من الإفلات من العقاب، كما في حالات وجود الحصانة أو العفو الشامل.

ويبدو أن مصطلح عدم الرغبة مصطلح شديد البساطة من جهة  وبالغ التعقيد من جهة أخرى، وإن كان نص المادة (17) الفقرة (2) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدوليةICC قد أشار إلى معنى عدم الرغبة في الفعل، وقد بين هذا الحكم ثلاثة معايير للاستدلال على عدم وجود الرغبة للدولة وهي:

1-حماية الشخص من المسؤولية الجنائية.

2-تأخير لايجد سنداً له للإجراءات القضائية بشكل يتناقض مع نية الدولة في تقديم المتهم إلى القضاء.

3-عدم السير في الدعوى بشكل مستقر يدل على حسن نية الدولة في مقاضاة المتهم([16]). 

وعودة لذي بدء، فإن المادة (الأولى) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية قد أشارت وبصورة واضحة إلى أن هذا النظام لن يكون بديلاً عن القضاء الوطني ؛بل قضاءً مكملاً له وجاءت صياغة المادة الآنفة الذكر كمايلي:-

"تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية" المحكمة " وتكون المحكمة هيئة دائمة لممارسة سلطتها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضوع الاهتمام الدولي وذلك على النحو المشار إليه في هذا النظام الأساسي وتكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية، ويخضع إختصاص المحكمة وأسلوب عملها لإحكام هذا النظام الأساسي".

وكان المؤتمر الاستعراضي لجمعية الدول في نظام روما الأساسي الذي أٌختتم أعماله في 11 حزيران/يونيو 2010 ، في كمبالا بأوغندا بعد فترة إنعقاد دامت أسبوعين، وشارك فيه زهاء 4600 ممثلا عن الدول والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، قد أقر عدداً من التعديلات على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد تناول المؤتمرون مبدأ التكامل، وتمت الإشارة إلى أنه لا يجوز للمحكمة أبدًا أن تمارس الاختصاص، ما لم يَثبت أن الدولة غير مستعدة لأن تفعل ذلك أو غير قادرة على أن تفعله. وبينت أنه في الحالات التي لا تتخذ فيها الدولة أي إجراء فلا يوجد ما يمنع المدعي العام من البدء في إجراء تحقيق.

وبإستطاعة المحكمة أن تتوصل من خلال تحقيقاتها إلى عدم قدرة الدولة في نظر الدعوى، ترجع لانهيار كلي أو جوهري في النظام القضائي الوطني، أو أن النظام القضائي غير متوفر بالشكل الذي يجعله عاجز عن إحضار المتهم للمحاكمة، أو الإفتقار إلى الطرق التي يمكن منها الحصول على الأدلة والإثباتات، أو أن المحكمة قد إستخلصت من أن الدولة غير قادرة على الاضطلاع بإجراءات التحقيق والمحاكمة لأسباب أخرى ([17]).

وقد يوجد أحيانا من المتهمين ممن يتمتعون بالحصانة أو العفو الشامل، على سبيل المثال، وهنا تنهض عدم الرغبة في مقاضاة أو محاكمة المستفيدين من هذه الحصانة، وإذا أمكن أن نثبت إفتراض عدم الرغبة، حتى يمكن مقاضاة مرتكبي مثل هذه الجرائم، فإنه ينبغي عندئذ تقييم الحالات على أساس منفرد، إذ توجد حالات متوسطة كثيرة لا يمنح فيها عفو شامل أو حصانة، بشكل تلقائي ولأي نوع من الجرائم([18]).

وأكدت المحكمة الجنائية الدولية(ICC)  في أكتوبر من عام 2010في القضية المرفوعة ضد جان بيير بيمبا، المسؤول السابق في حكومة الكونغو الديمقراطية، التهم ومنها إرتكاب جرائم حرب أٌرتكبت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بما فيها الاغتصاب والقتل والسلب ودفع فريق دفاع بيمبا، بعدم إختصاص المحكمة بالنظر في القضية، على أساس إختصاص المحاكم في أفريقيا الوسطى، بالنظر في القضية.
  وأكدت دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية عدم قبول إستئناف جان بيير بيمبا، مشيرة إلى ميثاق روما،  يشير إلى أن القضية تصبح غير مقبولة عندما تقوم دولة لها إختصاص بالتحقيق في القضية، وتقرر عدم محاكمة الشخص المعني، ما لم ينجم ذلك القرار عن عدم رغبة أو عدم قدرة الدولة على إجراء المحاكمة. وكانت الدائرة الابتدائية بالمحكمة الجنائية قد أكدت أن بيمبا كانت لديه نية إجرامية عندما أمر جماعته المسلحة المعروفة بإسم حركة تحرير الكونغو عام 2002 بالدخول إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، مشيرة أن المجموعة إرتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بقيادة بيمبا.

ومما تجدر الإشارة إليه أن مبدأ التكامل يجد له تطبيقاً في القانون الدولي وخصوصاً في إطار الحماية الدبلوماسية، إذ أن هناك علاقة بين الطرق الداخلية والدولية، تتمثل في أن الفرد لا يستطيع أن يطالب بحقوقه الناتجة عن الفعل غير المشروع دولياً، إلا بعد إستنفاد الطرق الداخلية في النظام القانوني للدولة المسؤولة، بما فيها طرق الطعن قبل ان يطرح النزاع على القضاء الدولي([19]).

ويمكن النظر إلى مبدأ  التكامل على أنه يشكل تعدياً على سلطان الدولة وسيادتها وإنتقاصاً منها، بإعتبار أن ممارسة الدولة لإختصاصها القضائي على إقليمها، إنما هو أحد مظاهر سيادتها، على إقليمها وعلى أشخاصها؛ وأن سحب الإختصاص من نظامها القضائي ومنحه إلى محكمة دولية تطبق قانونها الخاص، إنما يمثل تعدياً على تلك السيادة.

ويرى البعض عكس ذلك، بأن إعتبارات السيادة هي من تدفع التشريعات الجنائية الوطنية لصياغة قواعد قانونية لتطبيق أحكام تشريعها الجنائي خارج الإقليم، وذلك إما للحيلولة دون إفلات أو ملاحقة مواطنيها الذين إرتكبوا خارج الإقليم جريمة معاقب عليها في قانونها،  أو لعقاب مرتكبي الجرائم الخطرة ضد مواطنيها أو من أجل حماية مصالح بذاتها قد يلحقها الضرر، أو إقتراف جرائم من شأنها المساس بسلامة الوطن وأمنه وإستقراره([20]).  

مجمل القول أنه لاتعارض بين سيادة الدولة وبين إنتقال الإختصاص للمحكمة الدولية لمقاضاة الأفراد- الذي لا يقوض أو ينتقص من سيادة الدولة بأي حال من الأحوال- في حالة عجز البنيان القانوني وإنهيار الهيكل التنظيمي له، أو عدم رغبتها أو غياب القدرة عنها لتمارس إختصاصها الممنوح لها بموجب الدستور، على العكس من ذلك فإن إنتقال الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية هو تعزيز لسيادة الدولة، من خلال الإشارة الى أن هناك إختصاص تكميلي أو إحتياطي يملئ الفراغ الذي تركه الإختصاص الوطني.

 

 

 

 



([1]) د. محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية ، ط1، دار الشروق، القاهرة،2004،ص18                                                                                                                                                                                                              

 

([2]) د. عصام عبد الفتاح مطر، القضاء الجنائي الدولي- مبادئه،قواعده الموضوعية والاجرائية-، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية،2008،ص82.

([3]) د.صلاح الدين عامر،اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة مجرمي الحرب، القانون الدولي الإنساني دليل التطبيق على الصعيد الدولي، تقديم د.احمد فتحي سرور، دار المستقبل العربي،2003، ص470

(4)د.ضاري خليل محمود ود.باسيل يوسف، المحكمة الجنائية الدولية هيمنة القانون ام قانون الهيمنة، منشاة المعارف، الإسكندرية،2008،ص151

(5) د.عبد الفتاح محمد سراج، مبدأ التكامل  في القضاء الجنائي الدولي ، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة،2001 مصدر سابق ، ص41

(6) كزافييه فيليب، مبادئ الاختصاص العالمي والتكامل وكيف يتوافق المبدآن ، اللجنة الدولية للصليب الاحمر ،المجلة الدولية للصليب الأحمر مختارات من أعداد 2006

([7]) د. محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، مصدر سابق، ص224

(8) د.عبد الفتاح محمد سراج، مبدأ التكامل  في القضاء الجنائي الدولي ،مصدر سابق ،ص6

(9) د.رفعت رشوان، مبدأ إقليمية قانون العقوبات في ضوء قواعد القانون الجنائي الداخلي والدولي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية ، 2008، ،ص161

([10]) تنص المادة (3) من اتفاقية منع جريمة الابادة والمعاقب عليها الصادرة عن الامم المتحدة في 9/12/  1948 على ماياتي:- -يعاقب على الأفعال الآتية :

 أ‌-  الإبادة الجماعية ب‌- التآمر علي ارتكاب الإبادة الجماعية. ت‌-  التحريض المباشر والعلني علي ارتكاب الإبادة الجماعية. ث‌-  محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية.  ج‌- الاشتراك في الإبادة الجماعية.

([11]) د.عبد الفتاح محمد سراج ، مبدأ التكامل  في القضاء الجنائي الدولي ، مصدر سابق، ص21

([12])د.عبد الفتاح محمد سراج ، مبدأ التكامل  في القضاء الجنائي الدولي ، مصدر سابق ، ص94

([13]) د.طارق سرور،الاختصاص الجنائي العالمي، دار النهضة العربية، القاهرة ،2006، مصدر سابق ، ص40

([14]) المحكمة الجنائية الدولية آخر التطورات، تقرير الأمانة العامة للمنظمة القانونية الاستشارية لآسيا  وإفريقيا (AALCO)،2010

([15]) د.ضاري خليل محمود ود.باسيل يوسف، المحكمة الجنائية الدولية هيمنة القانون أم قانون الهيمنة ، مصدر سابق، ص164 .

([16]) كزافييه فيليب، الاختصاص العالمي والتكامل وكيف يتوافق المبدآن، مصدر سابق، ص92

 

([17]) د.عمر محمود سليمان المخزومي، إختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب، رسالة دكتوراه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة،2005، ص409

(18) كزافييه فيليب، الاختصاص العالمي والتكامل وكيف يتوافق المبدآن ، مصدر سابق، ص92

([19]) د.أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني- في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية، ، ط1،دار النهضة العربية ،القاهرة، 2006م ، ص150

([20]) د.عبد الفتاح محمد سراج، مبدأ التكامل  في القضاء الجنائي الدولي، مصدر سابق، ص 36

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :