فوز سبعة قضاة لعضوية جمعية القضاء العراقي                                          الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                         

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

(( ضوابط تحديد اختصاص تفسير النصوص الدستورية والقانونية بين المحكمة الاتحادية العليا ومجلس شورى الدولة ))

القاضي عواد حسين ياسين العبيدي

 

المقــدمــة

 إن النصوص الدستورية والقانونية إنما وضعت لتطبق على أرض الواقع ولابد أن تكون صلة الوصل بين خطاب المشرع وتطور الحياة وأن تسعى تلك النصوص على أن تكون لسان حال الشعب ورؤيته الواضحة لطبيعة نظام الحكم ونوعه من خلال النصوص الدستورية التي تعنى بشكل الحكم والعلاقة بين السلطات ( التشريعيــة ، والتنفيذية والقضائية ) ، إن النصوص القانونية التي تنظم علاقة الأفراد فيما بينهم ، تُعدّ انعكاس للفلسفة العامة لنظام الحكم وفي الإطار الدستوري العام للدولة .

لقد شاعت مقولة إن الدستور هو القانون السياسي للسلطة الحاكمة ، ومن ثم ما هو إلا انعكاس لإرادة تلك السلطة ، وترجمة حية لفلسفة القابضون على السلطة ، أما القانون فهو الأداة الفاعلة لتنظيم علاقة الأفراد في الدولة فلابد أن تكون نصوصه على درجة من الوضوح ليكون الشعب على علم بماهية حقوقه وواجباته .

إن النصوص الدستورية والقانونية هي من صنع البشر وهي جاءت منهم وإليهم  ولأجلهم ؛ ولكون البشر محكوم عليه بالنقص الفطري ، فلا يوجد من البشر من حاز درجة الكمال إلا من اختاره الله عز وجل وشرفه بالعصمة ، وأبعده عن النقص ، فالكمال لله وحده  ولمن اختار الله من خلقه .

وبناء على هذه الحقيقة الخالدة ، فإن ما يضعه الناس من نصوص دستورية وقانونية تأتي في أحيان كثيرة ، وهي محاطة بالغموض ، وتكون على درجة من الإجمال ، فلابد من إزالة هذا الغموض ، وتفصيل الإجمال واستخلاص الأحكام ، وتكميل ما اقتضب من النصوص ، وتخريج ما نقص من الأحكام والتوفيق بين أحكام النصوص المتناقضة على اختلافها دستورية أو قانونية ولا يمكن ذلك إلا عن طريق تفسير تلك النصوص كافة .

ولغرض تحديد ضوابط تفسير النصوص الدستورية والقانونية وبيان الجهة المختصة في تفسيـر تلك النصوص ، وبيان نطاق اختصاصها آثرنا اختيار هذا الموضوع والموسوم ( ضوابط تحديد اختصاص تفسير النصوص الدستورية والقانونية بين المحكمة الاتحادية العليا ومجلس شورى الدولة ) ، عليه لابد من بيان أهمية هذا الموضوع ، وهدف الدراسة  ومنهج البحث ، وخطة البحث المتبعة وهذا ما ستناوله تباعاً في الفقرات الآتية : -

أولاً : أهمية الموضوع

يحتل موضوع تفسير النصوص الدستورية والقانونية أهمية بالغة ؛ لأن تفسير النصوص الدستورية إنما يكشف على الآلية الدستورية المتبعة في بيان اختصاصات السلطات الثلاثة ( التشريعية ، والتنفيذية ، والقانونية ) وعلاقتهما فيما بينها ، كما أن التفسير الدستوري يكشف أحكام النصوص الدستورية ويوضح ما يعتريها من غموض وبيان الجهة السياسية التي لها الحق في تشكيل الحكومة والأجل المضروب لها ، وكيفية اقتراح مشاريع القوانين وإيضاح آلية التصويت في اتخاذ القرارات المهمة ، وبيان الجهة صاحبة الاختصاص في النظر في تفسير النصوص الدستورية .

إن النصوص القانونية غالباً لا تكون بمنأى عن التفسير لغرض بيان أحكام تلك النصوص القانونية وأن يوكل تفسير تلك النصوص إلى هيئة أو مجلس متخصص وهنا تتجلى أهمية الموضوع .  

ثانياً : هدف الدراسة

دأبت النظم الدستورية والتشريعات القانونية على العمل على تحديد الجهة المختصة بتفسير النصوص الدستورية وغالباً ما كان يعهد بهذا الاختصاص للمحاكم الدستورية ، أما في العراق فقد أناط دستور 2005 اختصاص تفسير النصوص الدستورية للمحكمة الاتحادية العليا ، أما تفسير النصوص القانونية فقد أناط المشرع العراقي هذا الاختصاص إلى مجلس شورى الدولة ، ولغرض بيان الحدود الفاصلة لنطاق اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص القانونية كان التصدي لهذه المسألة المهمة هو هدف هذه الدراسة .

 

 

ثالثاً : منهج الدراسة

لاشك أن المنهج الأنسب لتناول موضوع هذه الدراسة هو المنهج القانوني التحليلي المبني على تحليل النصوص الدستورية والقانونية واستقراء أحكام المحكمة الاتحادية العليا وآراء مجلس شورى الدولة وما يبديه من مشورة قانونية للجهات المختلفة ومحاولة رصد الحدود الفاصلة بين نطاق تفسير النصوص الدستورية ونطاق تفسير النصوص القانونية وتحديد مدى كل منهما بشكل واضح وعلى ضوء ما يمليه الواقع العملي .

 

رابعاً : خطة البحث

لغرض الإحاطة بموضوع البحث فقد تناولناه وفق خطة بحث تكونت من مقدمة وثلاثة مباحث ثم أردفناه بخاتمة وعلى الوجه الآتي : -

المقدمة

المبحث الأول / التعريف بضوابط تحديد الاختصاص والتفسير وأنواعه

المبحث الثاني / نشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية ، ونطاقه وضوابطه وتكييفه القانوني .

المبحث الثالث / نشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير النصوص القانونية  ونطاقه  وضوابطه وتكييفه القانوني .

الخاتمة

 

 

المبحث الأول

التعريف بضوابط تحديد الاختصاص والتفسير وأنواع التفسير

لغرض إعطاء فكـــرة عن مضمون هذه المبحث لابد من تعريـــف مصطلحاته وهي ( الاختصاص ) و ( التفسير ) ثم التعريف بأنواع التفسير لذا سنتناول التعريف بالمصطلحات المذكورة أعلاه في المطلب الأول ونتناول في المطلب الثاني التعريف بأنواع التفسير .

المطلب الأول

التعريف بضوابط تحديد الاختصاص والتفسير

إن كل مصطلح من عنوان هذا المطلب له عدة مفاهيم يتوجب علينا التعرّف على كل مصطلح على حدة ، عليه سنتناول التعريف بمصطلحات ( الضوابط ) و (الاختصاص) و (التفسير) تباعاً : -

الفرع الأول

التعريف بالضوابط

أولاً : تعريف الضابط لغة

الضابط : اسم فاعل من الفعل : ( ضَبَطَ يَضْبُط ) بكسر العين ( الباء ) في المضارع وضمها . وجمعه ضَوابط . ومصدره الضَبْط : وهو الحَزْمُ ، ولُزُوم الشيء وحَبْسُه . وضبط الشيء حِفْظُه بالحزم حفظاً بليغاً . والضبط لزوم شيء لا يفارقه لكل شيء ([1]) .

ثانياً : تعريف الضابط في الاصطلاح

الضابط في الاصطلاح : (( حكم كلي ينطبق على جزئيات )) ([2]) .

وفرق العلماء المسلمون بين القاعدة والضابط : بأن الضابط (( يجمع فروعاً من باب واحد )) أما القاعدة (( فهي تجمع فروعاً من أبواب شتى )) والضابط يجمع فروعاً من باب واحد ([3]) .

وعرف ابن السبكي الضابط بناء على هذا التفريق بأنه (( ما اختص بباب ، قصد به نظم صور متشابهـة )) ويقصد منه ضبط الصور بنوع من الضبط من غير نظر في مآخذها ([4]) .

وقيل الضابط معناه : القاعدة الكلية ، وجمعه ضوابط ، ويراد به هنا (( القيود التي تحدد نطاق الموضوع )) ([5]) وقيل الضابط (( ما يحجز الشيء عن الالتباس بغيره )) ([6]) .

من خلال هذه المفاهيم للضابط يبدو أن تعريف الضوابط بأنها (( القيود التي تحدد نطاق الموضوع )) هو الأقرب إلى مفهوم الضوابط في هذه الدراسة وهذا القول الذي نميل للأخذ به .

الفرع الثاني

تعريف الاختصاص

أولاً : الاختصاص لغة

الاختصاص لغة معناه التفصيل والانفراد ، والتخصيص والاختصاص والخصوصية والتخصص : تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة ، وذلك خلاف العموم والتعميم والتعمم وقد خصه بكذا يخصه واختصه يختصه ، قال تعالى : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ([7]) .

فالاختصاص هو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه غيره ([8]) .

ثانياً : الاختصاص في الاصطلاح

إن المتأمل في عبارات الفقهاء المسلمين عن المعنى الاصطلاحي للاختصاص لا تخـــرج عن المعنى اللغــوي للاختصاص والذي يدل على ((تفرد الشيء بما لا يشاركه فيه غيره)) ([9]) .

الفرع الثالث

تعريف التفسير

أولاً : التفسير لغة

التفسير في اللغة : هو الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى : {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} ([10]) أي بياناً وتفصيلاً وهو مأخوذ من الفسر وهو الإبانة والكشف  فالتفسير في اللغة : مصدر فسّر ( بتشديد السين ) مأخوذ من الفسر بمعنى البيان تقول فسر الشيء يفسِر ( بالكسر ) ويفسُره ( بالضم ) فسراً وفسره آياته ، والتفسير مثله ، والفسر كشف الغطاء ، والتفسير كشف المراد من اللفظ ([11]) .

ثانياً : التفسير في الاصطلاح

أعماما للفائدة لابد من تناول تعريف التفسير في الاصطلاح الشرعي والتفسير في الاصطلاح القانوني .

1 – التفسير في الاصطلاح الشرعي

لقد عرف التفسير في الاصطلاح الشرعي بتعريفات عدة نقتصر على أهمها وأقربها لموضوع هذه الدراسة فقد عرف التفسير في الاصطلاح الشرعي بأنه (( الشرح والبيان يقصد منه توضيح معان القرآن الكريم وما انطوت عليه آياته من عقائد وأسرار وحكم وأحكام )) ([12]) .

وعــرف التفسير بشكل أكثر دقة وتحديد بأن التفسير (( هو الكشف عن مراد الله في قرآنه بقدر الطــاقة البشرية ، وبيــان ما انطوت عليه آياته من أسرار دقيقة وحكم نيرة  وأخلاق ساميــة ومثــل عليا ، وأحكام شرعيــة تهدف إلى هداية الأفراد وإصلاح المجتمعات )) ([13]) ولاشك أن التعريف الأخير أقرب إلى تعريف التفسير تعريفاً واضحاً ومحدداً .

2 – التفسير في الاصطلاح القانوني

عرف التفسير في الاصطلاح القانوني بأنه (( هو التعرف من ألفاظ النص أو فحواه على حقيقة الحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية بحيث تتضح من حدوده الحالة الواقعية التي وضعت القاعدة من أجلها )) ([14]) .

وعرف التفسير القانوني بـأنه (( تحديد نطاق معنى القاعدة القانونية ، لرسم حدود تطبيقاتها عملياً واستخلاص الحلول التي تتضمنها للعلاقات القانونية المختلفة ، وذلك بإيضاح غامضها وتفصيل مجملها )) ([15]) .

إن أكثر التعريفات انطباقاً على مضمون التفسير القانوني هو الذي عرف التفسير القانوني بأنه (( توضيح ما أبهم من ألفاظ التشريع وتكميل ما اقتضب من نصوصه وتخريج ما نقص من أحكامه ، والتوفيق بين أجزائه المتناقضة )) ([16]) .

نخلص مما تقدم بأن التعريفات الخاصة بالتفسير بشكل عام تدور حول معنى مهم وهو إيضاح المراد من النص ؛ وبيان حدود نطاق تطبيقه لاستخلاص الحلول من النص الذي يحكم العلاقات بين أفراد المجتمع على اختلاف أنواعها بغية بسط سلطة النص وبيان مدى نطاق تطبيقه .

المطلب الثاني

أنواع التفسير

يمكن تقسيم التفسير من حيث مصدره إلى أنواع عدة سنتناول كل نوع في فرع مستقل وعلى الوجه الآتي : - ([17])

الفرع الأول

التفسير التشريعي

التفسير التشريعي : هو التفسير الذي يصدر من المشرع ذاته ، أي أن السلطة التي تصدر تشريعاً وفق اختصاصها تصدر قانوناً توضح فيه حكم سبق وإن صدر منها بمناسبة التشريع المراد تفسيره ، ويكون هذا في حال قيام خلاف في تفسير تشريع معين أثناء تطبيقه من قبل المحاكم مما يؤدي هذا الخلاف إلى ابتعاد المحاكم عن قصد المشرع الذي شرع من أجله التشريع وهنا يتدخل المشرع ذاته لحسم هذا الخلاف وبيان المقصود من التشريع عن طريق التفسير التشريعي الذي يزيل الغموض ، وهذه الحالة ترد بشكل قليل ؛ لأن المشرع مهمته الأساسية هي صوغ القوانين لا تفسيرها ولكون التفسير من واجبات السلطة التي يناط بها تنفيذ القانون ([18]) .

فالتفسير التشريعي يُعدُّ بقايا مبدأ عام ساد في القوانين القديمة باعتباره الأصلي على أساس إن من يملك إصدار التشريع هو الذي يملك تحديد مضمونه غير أن هذا المبدأ قد ضاق إلى ابعد حد فنادراً ما يلجأ المشرع إلى التفسير بل يتركه للفقه والقضاء ([19]) .

ومن الأمثلة على التفسير التشريعي ما نصت عليه المادة ( 11 ) من قانون توحيد أصناف أراضي الدولة رقم ( 53 ) لسنة 1976 ([20]) فقد نصت على (( للمجلس الزراعي الأعلى تفسير أحكام هذا القانون وتُعد قراراته في هذا الشأن المنشورة في الجريدة الرسمية تفسيراً شرعياً ملزماً )) ، وكذلك ما ورد في المادة ( 44 ) من قانون الإصلاح الزراعي رقم ( 117 ) لسنة 1970 ([21]) التي نصت على (( للمجلس تفسير أحكام هذا القانون وتعتبر قراراته في هذا الشأن تفسيراً تشريعياً ملزماً وننشر هذه القرارات في الجريدة الرسمية )) .

الفرع الثاني

التفسير الرسمي

التفسير الرسمي هو التفسير الذي تقوم به الجهات الرسمية والذي يصدر من جهة تختص قانوناً بالتفسير .

ويقدم هذا التفسير عندما تحتاج إليه الجهات الرسمية وهي في صدد تطبيق القانون بغية الاطمئنان للتطبيق الصحيح للنص المراد تفسيره ([22]) .

الفرع الثالث

التفسير القضائي

التفسير القضائي : هو التفسير الذي يصدر عن القاضي للنص القانوني أثناء تطبيقه له وبمناسبة هذا التطبيق ، مما يعني أن القضاء ليس مرجعاً يلجأ إليه لتفسير القانون إنما يحصل هذا التفسير بمناسبة النظر في قضية معروضة عليه فيطبق عليها القانون ([23]) .

إن القاضي ملزم بحكم المادة ( 30 ) ([24]) من قانون المرافعات المدنية رقم ( 83 ) لسنة 1969 بإيجاد حل للنزاع المعروض أمامه حتى في حالة فقدان النص القانوني الواجب التطبيق أو غموض النص وإلا عدُ القاضي مرتكباً لجريمة إنكار العدالة ([25]) .

إن السمة المميزة للتفسير القضائي أنه تفسير له ( حجية نسبية ) ومصداق ذلك أن التفسير القضائي يكون ملزماً لأطراف الدعوى بوصفه جزء من منطوق الحكم أو القرار ولا يلزم غير خصوم الدعوى الصادر فيها التفسير ، تطبيقاً ( لحجية الأمر المقضى به ) ولا ينصرف هذا الإلزام إلى قاضي آخر في وقائع متشابهة ، بل لا يلزم القاضي نفسه فله أن يعدل عنه إلى تفسير آخر إذا عرضت عليه واقعة مماثلة للواقعة التي أصدر بسببها التفسير السابق ([26]) .   

الفرع الرابع

التفسير الفقهي

التفسير الفقهي : هو التفسير الذي يصدر من فقهاء القانون وشراحه والمؤلفين في مؤلفاتهم ، والباحثين القانونيين في بحوثهم ودراستهم ، ومحاضراتهم عند قيامهم بتحليل النصوص القانونية وانتقاداتهم الموجهة إلى النصوص القانونية وتعليقاتهم على القرارات والأحكام القضائية ([27]) .

إن التفسير الفقهي من أوسع طرق التفسير ؛ لأنه إذا كان القاضي لا يقوم في التفسير إلا للوصول إلى الحكم في نزاع معروض أمامه ، فإنه يكون بمنأى عن التصدي لقضية قانونية لإبداء رأي فيها لم تكن محل نزاع معروض أمامه ، على خلاف الفقيه الذي لا يكون مقيد بقضايا واقعية معينة ([28]) .

ومن الجدير بالملاحظة أن التفسير الفقهي يتسم ﺒ ( الطابع النظري ) على خلاف التفسير القضائي الذي يتسم ﺒ ( الطابع العملي ) والتفسير الفقهي والقضائي يشكلان جناحا القانون ومصدرا تجدده ، فإذا كان الفقه هو المظهر العلمي للقانون فالقضاء هو المظهر العملي فإذا تجرد القضاء من مظهريه العملي والعلمي فلا يبقى منه شيء كثير  ([29]) .

 

الفرع الخامس

التفسير الإداري

التفسير الإداري : هو التفسير الصادر من جهة الإدارة أثناء قيامها بتطبيق قانون معين ، ويتمثل هذا التفسير بصور بيانات وتعليمات تصدرها الإدارة إلى الموظفين التابعين لها متضمنة وجهة نظرها في تفسير القانون أو طريقة تطبيقه بقصد تحديد معنى النصوص المراد تطبيقها ([30]) .

  

 

المبحث الثاني

نشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية نطاقه ،وضوابطه وتكييفه القانوني

إن المحكمة الاتحادية العليا ظهرت إلى الوجود القانوني بعد تطور قانوني ليس بالقصير وبعد أن مرت بسلسلة من التشريعات الدستورية لذا لابد من التطرق إلى نشأة المحكمة الاتحادية العليا واختصاصها في تفسير النصوص الدستورية ونطاقه ،وضوابط وتكييفه القانوني  .

وهذا ما سنتناوله في مطلبين نخصص المطلب الأول لنشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية ونطاقه ، ونخصص المطلب الثاني لضوابط تفسير النصوص الدستورية والتكييف القانوني لاختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية .

المطلب الأول

نشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية ونطاقه

سنقسم هذا المطلب إلى فرعين ، نتناول في الفرع الأول نشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية ونطاقه ، ونتناول في الفرع الثاني ماهية النصوص الدستورية .

 

 

 

 

 

 

 

الفرع الأول

نشأة اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية ونطاقه

أولاً – نشأة المحكمة الاتحادية العليا

إن بداية نشأة المحكمة الاتحادية العليا تزامنت مع نشوء دولة العراق الحديث ، فقد ورد في أول وثيقة دستورية عرفها العراق ([31]) وهي القانون الأساسي الذي أصدره الملك في 12/3/1925 عندما خصص باباً للسلطة القضائية في المواد ( 68 – 89 ) من القانون الأساسي لعام 1925 والذي تم عده من أكثر الدساتير تقدمية في الشرق الأوسط ، واستمر العمل به حتى عام 1958 ([32]) .

أما دستـــور الجمهــورية الأولى في العراق لعام 1958 فلم يتضمن أي نص بتشكيل ( محكمة عليا ) تتولى الرقابة على دستورية القوانين ، وأشار إلى سقوط القانون الأساسي العراقي وتعديلاته كافة ([33]) إلا إن الدستور أكد على استقلالية القضاء وعدم التدخل في شؤون العدالة ولا سلطان على القضاء لغير القانون ([34]) .

أما دستور 1968 فقد نص صراحة بموجب المادة ( 87 ) منه على تشكيل محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام الدستور والبت في دستورية القوانين وتفسير القوانين الإدارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادر بمقتضاها ويكون قرار المحكمة ملزماً على أن يتم تشكيل ( المحكمة الدستورية العليا ) بقانون .

وفيما يخص الدستور المؤقت لعام 1970 فقد جاء خالياً من الإشارة إلى الرقابة على دستورية القوانين إلا إن المادة ( 69 ) منه أثارت جدلاً بين شراح وفقهاء القانون حول إبقاء أو إلغاء المحكمة الدستورية العليا المشكلة بموجب القانون رقم ( 59 ) لعام 1968 ([35]) .   

وبعد أحداث 9/4/2003 صدر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ([36]) ونصت المادة ( 44 ) فقرة ( أ ) منه على (( يجري تشكيل محكمة في العراق بقانون وتسمى المحكمة الاتحادية العليا )) ثم أصدر مجلس الوزراء – بعد موافقة مجلس الرئاسة – وحسب صلاحيته التشريعية الأمر رقم ( 30 ) لسنة 2005 في 24/2/2005 ( قانون المحكمة الاتحادية العليا ) .

وقد نصت المادة منه على (( تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها بشكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون )) وقد فصلت المواد ( 92 – 93 )  من دستور 2005 ([37]) كيفية تشكيل المحكمة وعملها واختصاصاتها .

ثانياً – اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا

نصت المادة ( 4 ) من قانون المحكمة الاتحادية العليا على ما يأتي : -

تتولى المحكمة الاتحادية العليا المهام الآتية : -

أولاً : الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية .

ثانياً : الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من أي جهة تملك حق إصدارها وإلغاء التي تتعارض منها مع أحكام قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ويكون ذلك بناءاً على طلب من محكمة أو جهة رسمية أو مدع بمصلحة .

ثالثاً : النظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري .       

رابعاً : النظر في الدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية وينظم اختصاصها بقانون اتحادي .

كما أضاف دستور 2005 اختصاصات جديــدة للمحكمة الاتحادية العليا في المادتين ( 52 / ثانياً ) و ( 93 ) وأصبحت اختصاصاتها كالآتي : -

(( أولاً : الرقابة على دستورية القوانين النافذة .

ثانياً : تفسير نصوص الدستور .

ثالثاً : الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الإفراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة .

رابعاً : الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الإقليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية .

خامساً : الفصل في المنازعات التي تحصل بين حكومات الأقاليم أو المحافظات .

سادساً : الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون .

سابعاً : المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب .

ثامناً : أ – الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي ، والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم .

        ب – الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم ( بموجب المادة ( 93 ) من الدستور ) .

تاسعاً : يجـوز الطعن في قـرار المجلس ( أي قـرار مجلس النواب في صحة العضوية ) أمام المحكمة الاتحادية العليا خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره ( بموجب المادة ( 52 / ثانياً ) من الدستور ) .

الفرع الثاني

ماهية النصوص الدستورية

لغرض التعرف على ماهية النصوص الدستورية لابد من التطرق إلى مفهوم الدستور أولاً :

فقد عرف الأستاذ بريلو الدستور بأنه (( قانون السلطة السياسية أو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد السلطة السياسية وتنظم انتقالها ومزاولتها )) ([38]) .

 

أما الأستاذ لافير Laferriere فقد عرف الدستور بأنه (( هو الذي يكون موضوعه تكوين الدولة وتنظيمها من الناحية السياسية )) ([39]) .

كما عُرِفَ الدستور بأنه (( مجموعة القواعد التي تحدد في نظام حر السلطات العامة وحقوق الأفراد )) ([40]) .

وعرف الدكتور منذر الشاوي الدستور بأنه (( مجموعة القواعد ( السنن ) أو القوانين التي تتعلق بتنظيم ممارسة السلطة في الدولة )) ([41]) .

إن المتأمل في التعريفات التي سبق ذكرها للدستور يجد أن مفهوم الدستور يتحدد بمعيارين وهما : - ([42])

1 – المعيار الشكلي

وفقاً للمعيار الشكلي ، يعني الدستور (( مجموعة القواعد الأساسية المنظمة للدولة التي صدرت في شكل وثيـــقة دستورية من السلطة المختــصة بذلك )) ([43]) أو أن الدستور (( مجموعة القواعد التي تتضمنها الوثيقة المسماة بالدستور والتي لا يمكن أن توضع أو تعدل إلا بعد إتباع إجراءات خاصة تختلف عن تلك التي تتبع في وضع وتعديل القانون العادي )) ([44]) .

2 – المعيار الموضوعي أو المادي

ووفقاً لهذا المعيار يراد بالدستور مجموعة القواعد المتعلقة بتنظيم نشاط وفعاليات الدولة .

ويعد معظم فقهاء القانون الدستوري أن الموضوعات التي تعد دستورية من حيث طبيعتها وجوهرها ، هي تلك التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة .

وبهذا الصدد يقول الأستاذ Laferriere  إن هذه القواعد تحدد ما إذا كان شكل الدولة  موحدة أو اتحادية ، وتبين شكل الحكومة ما إذا كانت ملكية أو جمهورية ، كما تتضمن المبادئ العامة والأساسية التي تتعلق بنظام السلطتين التشريعية والتنفيذية واختصاصاتها وكيفية ممارستها وما ينشأ بينهما من علاقات ([45]) .

نخلص مما تقدم النصوص الدستورية هي تلك النصوص التي ينطبق عليها مفهوم النص الدستوري والتي ترد في الوثيقة الدستورية ([46]) .

فقد ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها إلى (( حيث أن المادة ( 93 ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 والمادة ( 4 ) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ( 30 ) لسنة 2005 قد حددتا اختصاصات المحكمة الاتحادية ، وليس من بين هذه الاختصاصات مواد النظام الداخلي لمجلس النواب وحيث أن ذلك يدخل ضمن اختصاصات مجلس شورى الدولة بمــوجب أحكام المادة ( 6 ) من قانون مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 لذا يكون طلب هيأة رئاسة مجلس النواب خارج اختصاص المحكمة الاتحادية العليا )) ([47]) .

المطلب الثاني

ضوابط اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية وتكييفه القانوني

لغرض الإحاطة بمضمون هذا المطلب سوف نوزعه على فرعين ، نتناول في الفرع الأول ضوابط تفسير اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في النصوص الدستورية ، ونتناول في الفرع الثاني التكييف القانوني لاختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية .

 

 

 

 

الفرع الأول

ضوابط اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية

يقصد بتفسير أحكام الدستور بأنه (( تجلية ما يكون قد ظهر على النص المطلوب استيضاحه من غموض أو لبس ، بغية رفع هذا اللبس وإيضاح هذا الغموض توصلاً إلى تحديد مراد الدستور ضماناً لوحدة التطبيق الدستوري واستقراره )) ([48]) .

إن تفسير النصوص الدستورية هو من صلب اختصاص المحكمة الاتحادية العليا وبموجب الفقرة ( ثانياً ) من المادة ( 93 ) من دستور 2005 إلا إن تصدي المحكمة لتفسير النصوص الدستورية لابد وأن يكون وفق ضوابط معينة وهذه الضوابط يمكن استخلاصها من خلال قراءة النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا وقراراتها بهذا الشأن ويمكن إرجاعها إلى :

الضابط الأول : أن يقدم طلب إلى المحكمة الاتحادية بتفسير النص الدستوري  

نصت المادة ( 20 ) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم ( 1 ) لسنة 2005 على أن (( تقدم الدعاوى والطلبات إلى المحكمة الاتحادية العليا ..... )) وذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها إلى ([49]) (( الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين وإلغاء ما يتعارض منها وأحكام الدستور يجب أن يقدم بطلب إلى المحكمة الاتحادية العليا من جهة رسمية أو مدع ذي مصلحة )) .      

وذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرار آخر لها ([50]) (( إن طلب النائبين ( ص . م ) و ( ض . ع ) بعدم شمولهما بالمادة ( 7 / أولاً ) من الدستور لا يتضمن تفسير نص دستوري ولا يدخل ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا )) .

نخلص مما تقدم أن تصدي المحكمة الاتحادية العليا لتفسير النصوص الدستورية لا يكون من تلقاء نفسها وإنما لابد أن يكون بناء على طلب من جهة رسمية أو مدع ذي مصلحة .

الضابط الثاني : أن يشتمل طلب تفسير النصوص الدستورية على البيانات والمستندات المؤيدة لطلب التفسير .

أوجبت الفقرة ( أولاً ) من المادة ( 1 ) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية على المدعى تقديم عريضة دعواه ، وأن يرفق نسخاً بقدر عدد المدعى عليهم وقائمة بالمستندات  .... وتضمنت الفقرة ( ثانياً ) منه بأن المحكمة عدم قبول الدعوى ما لم ترفق بها المستندات المنصوص عليها بالفقرة ( 1 ) من هذه المادة .

إن هذه الأحكام لا يمنع الأخذ بها في طلب تفسير النصوص الدستورية ومصداق ذلك ما ورد في المادة ( 6 ) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا التي أوجب فيها الرجوع إلى المواد ( 44 و 45 و 46 و 47 ) من قانون المرافعات المدنية رقم ( 83 ) لسنة 1969 المعدل .

فقد ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها ([51]) (( ترفع الطلبات المقدمة للمحكمة الاتحادية العليا من الوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة مع وجوب الإشارة إلى المواد الدستورية المطلوب تفسيرها ومراعاة أحكام المادة ( 5 ) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا )) .

إن إغفال ذكر المستندات الواجب تقديمها في طلب تفسير النصوص الدستورية يوجب رد الطلـب من الناحيــة الشكلية وفي هذه الاتجاه ذهبت محكمة التمييز الاتحادية بقرار لها([52]) (( لدى التدقيق والمداولة وجد أن الجهة طالبة التفسير قد قدمت الطلب دون تقديم المستندات اللازمة للبت فيها ، وقد تم الطلب إليها لتقديم هذه المستندات ..... ولم تقدم رغم مرور مدة تزيد على ثلاثة أشهر ، وحيث لا يمكن النظر في الطلب دون تقديم المستندات وحيث أن الفقرة ( ثانياً ) من المادة ( 1 ) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم ( 1 ) لسنة 2005 نصت على عدم قبول الدعوى التي تقدم بدون مستنداتها لذا يعد الطلب الذي أخذ شكل دعوى غير مقبول )) .

 

 

الضابط الثالث : أن يقدم طلب تفسير النصوص الدستورية من جهة مختصة .

إن اختــــصاص المحكــــمة الاتحادية العليا بتفسير النصوص الدستورية أوجدته الفقرة ( ثانياً ) من المادة ( 93 ) من دستور 2005 إلا إن هذا النص سكت عن بيان الجهة المختصة بتقديم طلب تفسير النصوص الدستورية إلا إن المتتبع لأحكام المحكمة الاتحادية العليا لا يمكن له أن يتعرف على الجهات التي لها الحق في تقديم طلب تفسير النصوص الدستورية ، فقد ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها ([53]) (( إن طلب تفسير نصوص الدستور ينبغي أن يقدم أما من رئاسة الجمهورية أو من مجلس النواب أو من مجلس الوزراء أو الوزراء وليس من منظمات المجتمع المدني أو الكتل السياسية أو الأحزاب ، لذا يكون طلب اتحاد الصحفيين والإعلاميين العراقيين المنوه عنه آنفاً قد قدم من غير الجهات المذكورة فقرر حفظه وصدر القرار بالاتفاق في 5/5/2011 )) .

وصفوة القول أن طلب تفسير النصوص الدستورية يصح أن يقدم من كل من يمثل السلطتين التشريعية والتنفيذية ومجلس النواب كونه ممثلاً للسلطة التشريعية فيصح تقديم طلب التفسير من رئيس مجلس النواب وكذلك من مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية كونهما يمثلان السلطة التنفيذية ([54]) وهذا الرأي الذي نميل إلى الأخذ به .  

الفرع الثاني

التكييف القانوني لاختصاص المحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية

أولاً : التكييف لغة

التَّعويد يُقال كيف الشيء ، صار على كَيفِيَّةٍ من الكَيْفيَّات ([55]) وكيّف الشيء جعل له كيفية معلومة ( الكيفية ) مصدر صناعي من لفظ كَيْفَ زِيْدَ عليها ياء النسب للنقل من الاسمية إلى المصدريَّة ، وكيفيته الشيء ، حالهُ ووَصفهُ ([56]) .

 

ثانياً : التكييف اصطلاحاً

عرف ارمانجون Arminijon التكييف بقوله (( هو أن نسبغ الحياة القانونية على شخص أو شيء أو على واقعة لتعيين مكانه أو مكانها في القانون )) ([57]) .

إن من أنواع التفسير القانوني هو ( التفسير القضائي ) وهو الذي يصدر من محكمة مختصة أثناء تطبيق النص القانوني في نزاع معروض أمامها ؛ لأن الاختصاص القضائي هو (( السلطة القضائية التي يتمتع بها قاضٍ ، أو جهة قضائية ، وتُحوَّل حق النظر في القضايا المرفوعة إليها )) وعلى الرغم أن هناك تعريفات عدة للاختصاص القضائي إلا إن تلك التعريفات وإن اختلفت في المبنى تتحد  بالمعنى ([58]) .

إن تفسير المحكمة الاتحادية العليا للنصوص الدستورية وإن كان هو نوع من التفسير القضائي ، لصدوره من محكمة مختصة ، وبناء على طلب لحسم نزاع قائم ، إلا إنه لا يمكن عده تفسيراً قضائياً وفق المفهوم الضيق والذي يتسم بحجية ، نسبية ويخضع لرقابة محكمة التمييز ، ومصداق ذلك إن تفسير المحكمة الاتحادية العليا للنصوص الدستورية هو تفسيـر ملزم لكون قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة بحكم المادة ( 94 ) من دستور 2005 .

لذا فإن تفسير المحكمة الاتحادية العليا للنصوص الدستورية يمكن عده تفسيراً قضائياً من نوع خاص ، وهذه الخصوصية تنبع من عد تفسير المحكمة الاتحادية العليا للنصوص الدستورية ( هو ملزم للسلطات كافة وذو حجية مطلقة ) وهذا التكييف القانوني هو الذي ينسجم مع الرأي الراجح في الفقه ([59]) الدستوري في إسباغ الصفة القضائية على تفسير النصوص الدستورية وعد تلك التفسيرات ملزمة وتتمتع بالحجية المطلقة ، خلافاً للتفسير القضائي للنصوص القانونية الذي يتميز بحجية نسبية وهو غير ملزم للسلطات كافة ، بل لا يكاد يلزم المحكمة نفسها التي أصدر التفسير القضائي في قضية أخرى .  

 

المبحث الثالث

نشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين ونطاقه وضوابطه وتكييفه القانوني

سنتناول هذا المبحث في مطلبين نخصص المطلب الأول لنشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين ونطاقه ، ونخصص المطلب الثاني لضوابط اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين وتكييفه القانوني .

المطلب الأول

نشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القانون ونطاقه

سنوزع هذا المطلب على فرعين تخصص الفرع الأول لنشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين ونطاقه ونخصص الفرع الثاني لماهية النصوص القانونية المطلوب تفسيرها  .

الفرع الأول

نشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القانون ونطاقه

أولاً : نشأة اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القانون ([60])

كان ديوان التفسير الخاص الذي تأسس بموجب القانون رقم ( 87 ) لسنة 1926 يتولى اختــصاص تفسيـــر القانون وقد تأسس ديوان التفسير الخاص استناداً إلى حكم المادة ( 84 ) من القانون الأساسي العراقي دستور 1925 والتي نصت على (( إذا اقتضى تفسير القوانين والأنظمة في غير الأحوال المبينة في المادة السابقة أو اقتضى البت فيما إذا كان أحد الأنظمة المرعية يخالف مستنده القانوني يؤلف – بناء على طلب الوزير المختص – ديوان خاص برئاسة رئيس محكمة التمييز المدنية وعند تعذر حضوره فتحت رئاسة نائبه وينتخب أعضاؤه ثلاثة من بين حكام التمييز وثلاثة من كبار الضباط إذا كان القانون يتعلق بالقوة المسلحة وثلاثة من كبار موظفي الإدارة إذا كان القانون يتعلق بالشؤون الإدارية وفقاً لقانون خاص )) ([61]) .

والملاحظ أن القانون الأساسي العراقي دستور 1925 قد فصل بين اختصاص تفسير النصوص القـــانونيــة والذي أناطه بهـــــذا المجلس واختـصاص تفسيــر القانون الأساسي ( الدستــور ) الذي أناطه للمحكمـــة العليا بموجب نص المادة ( 83 ) من القانون الأساسي (( إذا وجب في أمر يتعلق بتفسير أحكام هذا القانون أو فيما إذا كان أحد القوانين أو الأنظمة المرعية يخالف أحكام هذا القانون الأساسي ، تجمع المحكمة العليا بإرادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء بعد أن تؤلف وفق الفقرة الثالثة من المادة السابقة ، أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعاً يكون نصب الأعضاء المذكورين في المادة السابقة بقرار من مجلس الوزراء وإرادة ملكية )) ([62]) .       

كما كان هناك فصل واضح بين اختصاص ديوان التفسير الخاص واختصاص الجهة التي تتولى إبداء الرأي والمشورة القانونية للدولة وهي ديوان التدوين القانوني المؤسس بموجب قانون ديوان التدوين القانوني رقم ( 49 ) لسنة 1933 ([63]) .

وبعد صدور الدستور المؤقت لعام 1958 الذي جاء بعد ثورة 14 / تموز / 1958 التي أزالت النظام الملكي وحولت العراق إلى جمهورية وما تبعه من إلغاء القانون الأساسي الصادر عام 1925 الذي عد إلغاءاً لكل المؤسسات الدستورية ما ترتب على ذلك أنه ما عاد لديوان التفسير الخاص من وجود فتحول تفسير القوانين إلى ديوان التدوين القانوني متداخلاً في اختصاصاته الأخرى وأصبح ديوان التدوين القانوني هو من يتولى تفسير القوانين من الناحية الفعلية .

وفي مرحلة لاحقة أنشأ المشرع العراقي المحكمة الدستورية العليا بموجب القانون رقم ( 159 ) لسنة 1968 والذي كان من بين اختصاصاتها تفسير القانون بحكم المادة (4) فقـــرة ( 3 ) من القــانون المذكور التي نصت على (( 3 – تفسير القوانين الإدارية والمالية )) . 

إلا إن صدور دستور 1970 وعدم إيراده نصاً بإلغاء هذه المحكمة أثار خلافاً حاداً بين فقهاء القانون في شأن مصير هذه المحكمة فذهب البعض إلى أن إلغاء دستور عام 1968 وعدم انطواء دستور 1970 على نص مماثل في شأن المحكمة الدستورية العليا أدى إلى سقوط السند القانوني للمحكمة ([64]) .

وذهب رأي آخر أن المحكمة قائمة استناداً إلى حكم المادة ( 66 ) من الدستور التي نصت على (( تبقى جميع القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة المعمول بها قبل صدور هذا الدستــــور سارية المفعول ولا يجوز تعديلها أو إلغاؤها بالطريقة المبينة في هذا الدستور )) وإن قانون تشكيل المحكمة لم يلغ أو يعدل ([65]) . 

وذهب رأي ثالث أن عدم النص صراحة في دستور 1970 على هذه المحكمة ، لا يعنى انتفاء وجودها الذي تحقق بموجب القانون رقم 159 لسنة 1968 الذي ما زال ساري المفعول لعدم إلغاءه أو تعديله استناداً إلى حكم المادة ( 66 ) من الدستور غير أن ممارسة هذه المحكمة لاختصاصاتها أصبح متعذراً بعد صدور دستور 1970 الذي خص مجلس قيادة الثورة بإلغاء أو تعديل أي تشريع  ([66]) .

والحقيقة الواجبة الذكر أن المحكمة الدستورية العليا لم تمارس – أعمالها من الناحية العملية – في تفسير القانون إنما ظلت الإدارة ترسل هذا التفسير إلى ديوان التدوين القانوني بذات الآلية التي ترسل بها الرأي والمشورة القانونية ، ومصداق ذلك وجود عدد غير قابل من تفسيرات الديوان للقانون ([67]) .

وبصدور مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 ([68]) والذي حل محل ديوان التدوين القانوني إلا إن قانون مجلس شورى الدولة لم ينص صراحة على تولي مجلس اختصاص تفسير القانون في المادة ( 6 ) منه .

وذهب رأي أن اختصاصات مجلس شورى الدولة التي وردت في الفقرات ( أولاً ) و ( ثانياً ) و  ( ثالثاً ) و ( رابعاً ) و ( خامساً ) و ( سادساً ) من المادة ( 6 ) في إبداء الرأي والمشورة القانونية إنما حقيقتها تفسير القانون ([69]) .

نخلص من هذا العرض الموجز أن اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القانون جاء بعد مسيرة ليس قصيرة من التطورات القانونية التي كان آخرها صدور قانون مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 .

ثانياً : نطاق اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القانون

نصت المادة ( 6 ) من مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 على اختـــصاصات مجلس شورى الـــدولة في بيـــان الرأي والمشورة القانونية فقد نصت على (( المادة ( 6 ) يمارس المجلس في مجال الرأي والمشورة القانونية اختصاصاته على النحو الآتي : -

أولاً : إبداء المشورة القانونية في المسائل التي تعرضها عليه الجهات العليا .

ثانياً : إبداء المشورة القانونية في الاتفاقات والمعاهدات الدولية قبل عقدها أو الانضمام  إليها .

ثالثاً : إبداء الرأي في المسائل المختلف فيها بين الوزارات أو بينها وبين الجهات غير المرتبطة بوزارة إذا احتكم أطراف القضية إلى المجلس ويكون رأي المجلس ملزماً لها .

رابعاً : إبداء الرأي في المسائل القانونية إذا حصل تردد لدى إحدى الوزارات أو الجهات غير المرتبطة بوزارة على أن تشفع برأي الدائرة القانونية فيها مع تحديد النقاط المطلوب إبداء الرأي بشأنها والأسباب التي دعت إلى عرضها على المجلس ويكون رأيه ملزماً للوزارة أو للجهة طالبة الرأي .

خامساً : توضيح الأحكام القانونية عند الاستيضاح عنها من إحدى الوزارات أو الجهات غير المرتبطة بوزارة .

سادساً : لا يجوز لغير الوزير المختص أو الرئيس الأعلى للجهة غير المرتبطة بوزارة عرض القضايا على المجلس )) ([70]) .

إن ما ورد من اختصاصات لمجلس شورى الدولة في إبداء الرأي وتقديم المشورة القانونية وتوضيح الأحكام القانونية عن الاستيضاح عنها من أحد الوزارات أو الجهات غير المرتبطة بوزارة هو في حقيقته وجوهره يعد تفسيراً قانونياً محضاً وهو يتطابق مع تعريف التفسير القانوني الذي يعني الوقوف على معنى ما تتضمنه القاعدة القانونية من حكم والبحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما قد يفرض في العمل من فروض لم تواجهها القــاعدة القانونية ([71]) .هذا من جهة ومن جهة أخرى يتفق مع ما ذهب إليه الدكتور عصمت عبد المجيد عندما ذهب إلى القـول بأن إبداء الرأي والمشورة القانونية إنما هي في حقيقتها تفسير للقانون ([72]) .

وفي الاتجاه ذاته ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في أحد قراراتها إلى ([73]) (( تفسير نصوص القوانين ليس من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وإنما يدخل ضمن اختصاصات مجلس شورى الدولة )) .

إن نطاق اختصاصات مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين غير مطلق وإنما يخضع إلى قيود ، ومن هذه القيود عدم البت في القضايا المعروضة أمام القضاء أو التي لها مرجع قانوني للطعن فيها ، فقد دأب مجلس شورى الدولة على عدم إبداء الرأي في القضايا المعروضة أمام القضاء أو التي لها مرجع قانوني للطعن فيها وذلك في العديد من قراراته ([74]) وهذا هو التطبيق السليم للمادة ( 8 ) من قانون مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 .

وخلاصة القول إن نطاق اختصاص مجلس شورى الدولة في تفسير القوانين لا ينسحب على القضايا المعروضة أمام القضاء أو التي لها مرجع طعن قانوني للطعن فيها .

 

 

 

الفرع الثاني

ماهية النصوص القانونية المطلوب تفسيرها

لقد سيق القول أن ديوان التفسير الخاص أسس بموجب المادة ( 84 ) من القانون الأساسي العراقي دستور 1925 ، وقد ورد في المادة المذكورة (( إذا اقتضى تفسير القوانين والأنظمة ..... )) أما في قانون مجلس شورى الدولة المرقم ( 65 ) لسنة 1979 فقد ورد في المادة ( 6 ) منه اختصاصات المجلس فيما يتعلق في إبداء الرأي والمشورة القانونية وتوضيح الأحكام القانونية .

ويلاحظ أن تفسير القانون يؤخذ بالمعنى الواسع للقانون ([75]) ويقصد بالتفسير الواسع للقانون إضافة لتوضيح ما غمض من ألفاظ النص تقويم عيوبه وتخريج ما نقص من أحكامه والتوفيق بين أجزائه المتناقضة وتكييفه على نحو يجاري احتياجات زمانه ([76]) .

مما يعني عدم اقتصار نطاق تفسير المجلس للقانون على معناه الحرفي وإنما يمتد ليشمل التشريعات الفرعية الأخرى كالأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من مجلس الوزراء .

وقد قدم مجلس شورى الدولة المشورة القانونية في العديد من المسائل بناء على طلب من الأمانة العامة لمجلس الوزراء الذي ورد منه استفسار للمجلس حول ( منح الإجازة الدراسية خارج البلد وداخله للموظفين على ملاك المحافظة ) ([77]) .

وكذلك الاستفسار الخاص في ([78]) ( شأن إمكانية استحداث وظيفة مستشار وفق أحكام مجلس قيـــادة الثورة ( المنحل ) رقم ( 8 ) لسنة 2000 ) الذي ورد للمجلس من أمانة بغداد .   

 

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :