فوز سبعة قضاة لعضوية جمعية القضاء العراقي                                          الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                         

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

الحق في الإستثمار في الدستور العراقي والمقارن

الدكتور: عثمان سلمان غيلان العبودي

                                                                                                   

خلاصة:

يُعد الإستثمار عنصراً رئيساً في النشاط الاقتصادي لما له من مكانة بارزة في توليد الدخل وفاعلية التشغيل ومصدراً لتوسع الطاقة الإنتاجية، لذا أهتمت الدساتير المقارنة بالنص على الحق في الإستثمار بحسبانه من الحقوق الاقتصادية التي تكفلها الدولة للقطاع الخاص من المستثمرين المحليين والأجانب، بغية تحقيق التنمية الاقتصادية والنهوض بالواقع الاقتصادي إنطلاقاً من مبادئ السوق وإقتصادياته بإعتبارها من الأسس الحديثة في إدارة اقتصاد العراقي.  

 

The right to invest in the Iraqi constitution and Comparative

Summary:

The investment a key element in economic activity because of its prominent position in the theory of income and employment and a source of expansion in production capacity, so focused on comparative constitutions providing for the right to invest as economic rights guaranteed by the state to the private local sector and foreign investors, in order to achieve economic development and advancement economic reality based on the principles of market economics, and as one of the foundations of modern management in the Iraqi economy.

 

 

مقدمة

أولا:ًتمهيد:

يحتل الإستثمار أهمية كبيرة في إقتصاديات الدول بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة الإقتصادية السائدة، تتجلى في كونه يحقق التنمية والأستقرار الإقتصاديين وكذلك تنمية الثروات المتاحة من أجل إشباع الحاجات العامة، ومن هذا المنطلق فقد نصت بعض الدساتير المقارنة على كفالة الدولة للحق في الإستثمار للكافة ضمن شروط وضوابط معينة وفي بعض القطاعات لضمان تحقيق التنمية وتفسح المجال أمام أفراد الشعب للإستثمار المحلي، وبالمثال أيضاً للأجانب للإستثمار في قطاعات معينة، ومن هنا يظهر (الحق في الإستثمار) بحسبانه حق يتصل بحق الفرد في العمل وتحقيق الربح والعائد الاقتصادي وحق للدولة في إستثمار ثرواتها وفتح أبواب اقتصادها مُشرعة أمام الراغبين في العمل والإستثمار بغية تحقيق التنمية الإقتصادية والنهوض بالإقتصاد وإستغلال الثروات كافة.   

ثانياً: أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في أنه يُسلط الضوء على كفالة الدولة للحق في الإستثمار الذي يضطلع به القطاع الخاص المحلي، أو الأجنبي، على وفق الدساتير والقوانين المقارنة، مع بيان موقف الدستور والقانون العراقي منه، ووسائل كفالة هذا الحق لأفراد الشعب والراغبين فيه ممن لاينتمون إليه بجنسيتهم.  

ثالثا: مشكلة البحث:

تتمثل مُشكلة البحث في بيان موقف الدستور العراقي من كفالة الدولة لحق الإستثمار، ومدى تحققه على صعيد التشريعات الداخلية التي سنت إنسجاماً مع أحكام الدستور ومدى سلطة المُشرع في تنظيم الحق المذكور. 

رابعاً: هيكلة البحث:

من أجل بيان هذا الموضوع من جوانبه كافة كان لزاماً علينا تقسيمه على مطلبين نخصص الأول منها للتعريف بالحق في الإستثمار، ونعالج في الثاني تطبيقات الحق في الإستثمار في التشريع العراقي والمقارن، ثم نختم هذا البحث بخاتمة تتضمن أهم الإستنتاجات والتوصيات التي توصلنا إليها.  والله من وراء القصد.

المطلب الأول

التعريف بالحق في الاستثمار

تعددت التعريفات التي قيلت في الإستثمار تبعاً للمدلول الإقتصادي والقانوني، بيد أنه يُعبر عنه بصفة عامة: مبادلة الإنفاق الحالي بالإيرادات المستقبلة، مع وجود بعض الإستثمارات التي لا ترتب تدفقات نقدية داخلة، وبالرغم من ذلك تدخل ضمن نطاق الإستثمار لما ترتبه من منافع مستقبلية، ومن ثم فأن أي تخصيص للأموال يترتب عليه آثار في الأجل الطويل والمتوسط يُعد إستثماراً[1]، وأياً كانت التعريفات التي تطلق على الإستثمار فأنه حق كفلته الدساتير العراقية والمقارنة، ضمن حدود نصت عليها التشريعات ذات الصلة.

ولبيان هذا الموضوع بشكل وافٍ لابد من تقسيمه على ثلاثة فروع نخصص الأول منها لمعنى الحق في الإستثمار وأهميته وخصائصه، ونعالج في الثاني القيمة القانونية للحق في الإستثمار ونتائجه وضماناته، وندرس في الثالث دلالة الحق في الإستثمار وصوره.

الفرع الأول

معنى الحق في الاستثمار وأهميته وخصائصه  

أولاً: معنى الحق في الإستثمار:

يُمكن بيان معنى للحق في الإستثمار من خلال بيان المعنى اللغوي لعبارتي (الحق)، و(الإستثمار)،ومن ثم إستنباط معنى الحق في الإستثمار من هاتين العبارتين:-  

معنى الإستثمار: سنسعى ها هنا إلى بيان المعاني التي ترافق الحق في الإستثمار؛ مبتدئين بالمعنى اللغوي للإستثمار، ومن ثم المعنى المالي والاقتصادي للإستثمار، وأخيراً المعنى الفقهي والتشريعي للإستثمار وعلى النحو الآتي:-

المعنى اللغوي للاستثمار: عبارة (الإستثمار) صيغة مبالغة لفعل إستثمر، وهو الزيادة في الشيءٌ[2]، كما أن عبارة (اِسْتِثْمار) الجذر: لكلمة ثمر، وهو أِسْتِغْلال الشيء، أما في مجال علم الإقتصاد: فيراد به: تَوْظِيفُ المال، ويُطلق عليه باللغة الإنكليـزية (investment)، فيقـال: (investment :the act or process of applkying or using money for profit). 

المعنى المالي والأقتصادي للإستثمار: ثمة العديد من المعاني غير اللغوية والتشريعية للإستثمار قال بها الاقتصاديون يُمكن إيجازها بالآتي[3]:-

المعنى المالي للإستثمار: يُراد به: التخلي عن الأموال التي يملكها الفرد لحظة زمنية معينة ولفترة من الزمن بقصد الحصول على تدفقات مالية مستقبلية تعوضه عن القيمة الحالية للأموال المُستثمرة، والنقص المتوقع في قيمتها الشرائية بفعل عامل التضخم، وذلك لتوفير عائد مقابل تحمل المخاطرة[4].

المعنى الاقتصادي للإستثمار: بموجبه يُعد إستثماراً الأموال التي تدفعها المؤسسة المعنية(المُستثمر) حالياً بهدف الحصول على الإيرادات تمكنها من تحقيق الأرباح مستقبلاً، لذا فأن المفهوم المذكور للإستثمار ينطوي على مفاهيم عدة للإستثمار بأنه(تكوين رأس مال سلعي، إستخدام الموارد السلعية لتكوين رأس مال حقيقي، تكوين رأس مال ثابت وتوسيع الطاقات الإنتاجية للمجتمع أو المحافظة عليها، أو تحديدها[5].   

المعنى المحاسبي للاستثمار: بموجبه يُعد إستثماراً السلع المادية والمعنوية التي تظهر في أصول ميزانية المؤسسة المعنية(المُستثمر) والتي تتدخل في وقت مُعين في الدورة الإنتاجية[6].

المعنى الفقهي والتشريعي للاستثمار: هنا يجب التفرقة بين المعنى الفقهي والمعنى التشريعي للإستثمار:-

المعنى الفقهي للاستثمار: تعددت التعاريف التي ترد بشأن الإستثمار، من ذلك يُراد بالإستثمار:" إضافة جديدة إلى الأصول الإنتاجية في المجتمع بقصد زيادة الناتج في الفترات التالية [7]، أو هو مجموع الإضافات الصافية من المنتجات الرأسمالية إلى الثروة القومية، أي مجموع المنتجات التي لا تستهلك خلال فترة حساب الناتج القومي، بل تضاف إلى الثروة القومية، أو إلى رصيد المجتمع من رأس المال[8]، أو :" تحويل المدخرات إلى أصول رأسمالية، أي إلى عُدد وآلات ومبان"،[9] أو أنه:" جميع حركات رؤوس الأموال بين الدول بعضها مع بعض، سواءً أكانت أموالاً قصيرة الأجل أم طويلة الأجل، ويغلب عليها طابع الإستمرار، وتكون في الغالب مصحوبة بنية إعادة تحويل رأس المال مع عائده في أية صورة كانت ربحاً، أو فائدة، أو حصصاً" [10]، كما يُراد بالإستثمار:" توظيف المال بهدف تحقيق العائد، أو الدخل، أو الربح والمال"، أو هو :" التضحية بمنفعة حالية يُمكن تحقيقها من إشباع إستهلاك حالي، وذلك بقصد الحصول على منفعة مستقبلية أكبر يُمكن تحقيقها من إشباع إستهلاك مستقبلي"[11]، والإستثمار بهذه المثابة يعني التخلي عن أموال يمتلكها الفرد في لحظة زمنية معينة ولفترة من الزمن بقصد الحصول على تدفقات مالية مستقبلية تعوضه عن القيمة الحالية للأموال المستثمرة، وكذلك عن النقص المتوقع في قيمتها الشرائية بفعل عامل التضخم وذلك مع توفير عائد معقول مقابل تحمل عنصر المخاطرة المتمثل بإحتمال عدم تحقق هذه التدفقات، وهذه التضحية في الأموال ترتبط عادة بثلاثة عوامل جوهرية(العائد المتوقع، درجة المخاطرة، الوقت)[12].

المعنى التشريعي: عرفت أغلب التشريعات المقارنة الإستثمار[13]، وفعل مثل ذلك المُشرع العراقي في قانون الإستثمار رقم (13) لسنة 2006 المُعدل فعرفه بأنه:" توظيف المال في أي نشاط أو مشروع إقتصادي يعود بالمنفعة المشروعة على البلد"[14]، والذي يلاحظ على التعريف المذكور بأنه مقتبس من التعريف الاقتصادي للإستثمار الوارد في علم الإقتصاد هو توظيف الأموال لمدة معينة في نشاط مُعين على النحو السالف بيانه، كما أن محل الإستثمار هو النشاط، أو العمل الذي يرد عليه،  في حين أن المُشرع أورد عبارة (نشاط، أو مشروع اقتصادي) وهذان الإصطلاحان مترادفان لدى أغلب الفقه[15].  

معنى الحق: أما الحَقُّ: فهو من أسماء اللهِ تعالى، أو من صِفاتِ رب العزة[16]، وهو نقيض الباطل، وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ، وليس له بِناء أدنى عدَد، وحَقَّ الأَمرُ يَحِقُّ ويَحُقُّ حَقّاً وحُقوقاً: صار حَقّاً وثَبت[17]، ويستعمل فقه الشريعة الإسلامية لفظ الحق ليريدون به؛ جميع الحقوق المالية وغير المالية، فيقال حق لله وحق للعبد، كما أطلق الحق على الملك -سواء أكان نقداً أم منقولاً أم عقاراً أم ديناً أم منفعة-أو هو (الحكم الثابت شرعاً)، أو (مصلحة مستحقة)، أما فقه القانون فيراد بالحق:"مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون"[18]، وإذا كان المقصود بالحق هو رابطة قانونية التي بمقتضاها يخول شخص على سبيل الإنفراد والإستئثار التسلط على شيء، فأنه ينبغي أن يكون الإستئثار-وهو جوهر الحق- مستنداً إلى القانون، والتصرف في الحق مشروط بعدم الإضرار بالغير.

معنى للحق في الاستثمار في ضوء المعاني السالفة: يُمكن بيان معنى للحق في الإستثمار من مجمل ما بيناه من معاني السالفة آخذين بنظر الإعتبار المعنى اللغوي لعبارتي (الحق)، و(الإستثمار)، مما يُمكن معه القول: أن الحق في الإستثمار؛ هو مكنة الشخص (سواء أكان طبيعياً أو معنوياً، وطنياً، أو أجنبياً) من العمل في مجال مُعين وضمن القطاعات المجازة قانوناً والتربح منه من خلال نشاطه الخاص بعد إستحصاله الترخيص بذلك من الجهة الخولة قانوناً[19].

ثانياً: أهمية الحق في الاستثمار:

من نافلة القول: بأن للإستثمار دور مهم في مجالات عدة كخلق أنشطة جديدة، توسيع الطاقة الانتاجية، توسيع النشاط، أو إعادة الهيكلة، المشاركة في رأس مال الشركة، تشجيع الخصخصة، وأخيراً التوجه نحو اقتصاد السوق، لذا فأن كفالة هذا الحق ذات معانى دستورية وقانونية وإقتصادية، ومن ثم تتجلى أهمية الحق في الإستثمار من هذا المنطلق في العديد من الجوانب لعّل من أهمها:-

التعبير عن الفكرة الدستورية السائدة في المجال الاقتصادي: يُعد الحق في الإستثمار واحداً من أهم المبادئ التي كفلتها الدساتير العراقية والمقارنة ضمن الحقوق الإقتصادية، تغيت من وراء إقراره التأكيد على النهج الاقتصادي الذي تتبناه الدولة، بتعبيره عن الفكرة الدستورية السائدة في المجال الاقتصادي، وتحديد دور الدولة في المجال المذكور وأتاحة الفرصة للقطاع الخاص بالعمل والإستخدام وتحقيق الربح؛ أمام غل يد الدولة في النشاط الإقتصادي والتعرض لمجالات القطاع الخاص، لذا فأن الحق في الإستثمار يمثل فلسفة الدولة في المجال الإقتصادي بإتاحتها الفرصة المناسبة للقطاع الخاص بالعمل في مجالات معينة وتحقيق الربح والعمل فيها، بعد منحه الترخيص المناسب من الجهة المختصة، ومن ثم فأنه يعبر عن الفلسفة الاقتصادية المتحررة في إدارة الأقتصاد على وفق مفاهيم أقتصاد السوق، بخلاف الفلسفة المتدخلة في إدارة الإقتصاد على أسس اشتراكية بحتة لاتمنح القطاع الخاص إلا دوراً ضئيلاً في ممارسة النشاط الاقتصادي وضمن بعض القطاعات الاقتصادية[20].

تحقيق التنمية والرفاه لأفراد الشعب: ذلك من خلال النهوض بالتنمية الاقتصادية وتحقيق الرفاه لأفراد الشعب بإناطة الإستثمار في قطاع مُعين، أو مجموعة من القطاعات للقطاع الخاص –سواء أكان محلياً، أو أجنبياً- ليتولى إدارتها وتنفيذها وتحقيق الربح منها، وعادة ما تكون هذه القطاعات منصبة على المشاريع الستراتيجية الكبرى ذات الصلة بالبنى التحتية والخدمات العامة لأفراد الشعب، وكذلك من خلال إتاحة الفرصة للمُستثمرين بالعمل في الأنشطة الإستثمارية لمختلف القطاعات الإنتاجية وضمن الحدود والمعايير التي تقررها التشريعات ذات الصلة[21].

عليه يُمكن القول: بأن الحق في الإستثمار يرتبط بالحق في التنمية (Development) الذي شاع في القرن العشرين الذي أطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة والتحول، بشيوع حركة الإستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، تستـهدف تحقـيق التقـدم الاقتصـادي(Economic Progress) من أجل تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية متجهة نحو التحديث(Modernization) أو التصنيع (Industrialization)[22]، وفي كل الأحوال فأن مفهوم التنمية –كمصطلح اقتصادي- استُخدم إبتداءاً للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع مُعين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المُستمر بُمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الإستجابة للحاجات الأساسية المتزايدة لأعضائه بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات عن طريق الترشيد المُستمر لإستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحُسن توزيع عوائدها، ثم إنتقل ذلك المفهوم إلى حقل السياسة منذُ ستينيات القرن العشرين كمفهوم للتنمية السياسية[23]، ثم تطور ليشمل بقية العلوم والمعارف[24]. 

توفير الفرص في العمل وتشغيل الايدي العاملة: تتجلى أهمية الحق في الإستثمار في كفالة حق العمل لأفراد الشعب من خلال العمل في المشاريع الإستثمارية -سواء أكان المُستثمر حرٌ في إستخدام الإيدي العاملة المحلية، أو ملزمٌ بإستخدام نسبة معينة منها- مما يُسهم في زيادة معدل الدخل القومي لأفراد الشعب، ويخفف على عاتق الدولة من الإضطلاع ببعض الوظائف والمهام وإناطتها للقطاع الخاص المحلي والأجنبي[25].       

ثالثاًً: خصائص الحق في الاستثمار:

للحق في الإستثمار مجموعة من الخصائص يُمكن الإفصاح عنها على النحو الآتي:-

أنه حق تتطلب عملاً ًإيجابياً: فلا يكتفي لكفالة الحق في الإستثمار من لدن الدولة وتمكين القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) من الإضطلاع به الوقوف موقف سلبي من الاقتصاد، بالإمتناع عن التعرض للنشاط الاقتصادي بالتقييد بعدم الإستئثار به من القطاع العام، بل لابد من قيام الدول بعمل إيجابي بغية الوفاء بالحق المذكور، بعبارة أخرى على الدول القيام بأعمال من شأنها تقديم العون للقطاع الخاص للعمل والإستثمار من إستقرار أمني واقتصادي وشفافية وتبسيط لإجراءات تسجيل الشركات والتحاسب الضريبي وتحويل الأموال وسهولة الإقتراض والتمويل ووتوفير الأيدي العاملة الماهرة والكفوءة والمختصصة.  

أنه حق لايترتب عليه أعباء مالية على الدولة: إذا كانت أغلب الحقوق والحريات العامة يترتب عليها تبعات مالية تقع على كاهل الدول من جراء الإلتزامات الإيجابية المترتبة عليها، من أجل كفالتها لإفراد الشعب، فأن الأمر يبدو مختلفاً فيما يخص الحق في الإستثمار، فأنه يترتب عليه مردود مالي للدولة من جراء الضرائب والرسوم المفروضة على المُستثمر، ومنح الرخص الإستثمارية والأجور عن تحويل المبالغ المالية، والفوائد عن القروض الممنوحة للمُستثمر، فضلاً عن كونه يوظف عدداً مناسباً من الأيدي العاملة الوطنية مما يخفف من طلب على التعيين في الوظائف العامة لدى القطاع العام.

هذا ومما له مجال للذكر أن الأثر المالي للحق المذكور على النحو السالف بيانه يتباين بأختلاف مستوى التطور والرقي الذي بلغته الدولة المضيفة للإستثمار، وفيما إذا كانت دولة متقدمة، أو نامية، إذ تكون النتيجة السالفة واضحة في التطبيق في الدول المتقدمة، على أعتبار أن فيها المقومات الأساس للإستثمار لاسيما البنية التحتية والموارد البشرية وغيرها، بخلاف الدول النامية التي يكبدها الإستثمار مبالغ كبيرة في مراحله الأولى حتى تصل إلى مستوى مُعين يشجع المُستثمرين على الأقدام عليه.  

أنه حق نسبي: يُعد الحق في الإستثمار من الحقوق الإقتصادية التي ذات الطابع النسبي، إذ تختلف بإختلاف الزاوية التي ينظر إليه، كما أنها مقيدة بغرض مُعين تبعاً لفلسفة الدولة في المجال الاقتصادي؛ إذ يتوسع وينطلق بمداه في الدولة ذات الإقتصاد الحر، ويتقلص في الدولة ذات النظام الاقتصادي الاشتراكي[26]، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الحق في الإستثمار ليس حقاً مطلقاً غير مقيد بأي قيود، أو ضوابط، بل تحكمه مجموعة من المعايير والضوابط القانونية التي تكفل حُسن ممارسته وتحقيق المصلحة العامة للدولة المضيفة للإستثمار، وبالمثل أيضاً تحقيق مصلحة الفرد المُستثمر في أطار القانون، كما يخضع بدوره إلى قواعد تحديد إختصاص السلطات الإتحادية وإختصاصات الإقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، بأن تنظم السلطة المختصة الإستثمار في ضوء أحكام الدستور[27].   

الفرع الثاني

القيمة القانونية للحق في الاستثمار ونتائجه وضماناته

أولاً: القيمة القانونية للحق في الاستثمار:

مما لاشك إن البحث في القيمة القانونية للحق في الإستثمار تقود بالضرورة إلى البحث عن عما إذا كانت لها خصائص القاعدة الدستورية من عدمه، وتلك مسألة قد إختلف بشأنها فقه القانون العام وإنقسم بصددها إلى اتجاهين، أحدهما شكلي وآخر موضوعي[28].

الاتجاه الشكلي: يؤسس هذا الاتجاه في تحديد مضمون المبادئ الدستورية على أساس الشكل الخارجي للنصوص القانونية التي ترد في الوثيقة الدستورية والتي تسنها السلطة التشريعية المختصة، وتبعاً لذلك تكون قاعدة أو مبدأً دستورياً جميع القواعد التي تتضمنها الوثيقة المسماة بالدستور والتي لايمكن أن توضع، أو تعدل إلا بإتباع إجراءات خاصة تختلف من حيث شدتها عن تلك التي تتبع في وضع القانون العادي وتعديله[29]، وعلى ذلك يُعد قاعدة، أو مبدأً دستورياً جميع القواعد والمبادئ التي ترد في الوثيقة الدستورية ذاتها وأياً كان مضمونها وصلتها بأفراد الشعب، أو السلطات العامة، ولا يُعد دستورياً القواعد والمبادئ التي لم تتضمنها الوثيقة الدستورية حتى ولو كانت من حيث طبيعتها وجوهرها قاعدة دستورية[30]، وأياً كان تقييم الفقه الدستوري للمعيار الشكلي وحجج أنصاره[31]، فإننا نرى إن الأخذ به في مجال بحثنا يقود بالضرورة إلى عدّ الحقوق الاقتصادية – ومنها حق الاستثمار- مبدءاً دستورياً طالما إنه ورد في الدساتير قد توجت وثائقها بالنص عليه صراحة في ثناياها.

الاتجاه الموضوعي: يؤسس الاتجاه الموضوعي في تحديد مضمون القواعد الدستورية ومبادئها على موضوع، أو جوهر القاعدة القانونية بغض النظر عن مصدرها، أو الإجراءات المتبعة في سنها، وتبعاً لذلك يعنى الدستور بالموضوعات التي تُعد دستورية من حيث طبيعتها وجوهرها وأياً كان مصدرها وسواء وردت في الوثيقة الدستورية ذاتها أم لم ترد فيها بإن تقررت بمقتضى قوانين عادية، أو عرف دستوري[32]، وإن أنصار ذلك الاتجاه قد إختلفوا فيما بينهم حول تحديد الموضوعات التي تُعد دستورية في طبيعتها وجوهرها وشكلوا في ذلك إتجاهين:-

الاتجاه الأول[33]: يذهب أغلب الفقه إلى تحديد الموضوعات التي تُعد دستورية بطبيعتها وجوهرها، بأنها تلك التي تتعلق بطبيعة الدولة ونظام الحكم فيها؛ فتبين شكلها وتنظيم السلطات العامة فيها وكيفية ممارستها لإختصاصاتها والعلاقة التي تنشأ فيما بينها، وكذلك حقوق الأفراد إزاء الدولة، وقد أخرج أنصار هذا الاتجاه من نطاق هذه الموضوعات تلك التي تتعلق بالتنظيم السياسي والإقتصادي والإجتماعي للدولة بإعتبارها لا تُعد موضوعات دستورية بطبيعتها وجوهرها لعدم إتصالها بنظام الحكم والسلطات العامة في الدولة، ولا تعدو أن تكون أهدافاً عامة ترسم السياسة العامة للدولة وتوجب على السلطات العامة إحترامها وهي بصدد ممارسـتها لأوجه نشاطها العام [34].

الاتجاه الثاني[35]: وقد ذهب قلة من الفقه إلى عدّ الموضوعات الدستورية من حيث طبيعتها وجوهرها لا تقتصر على تلك التي تتصل بطبيعة الدولة ونظام الحكم فيها، أو التنظيم العام للسلطات العامة فحسب على النحو الذي ذهب إليه أنصار الاتجاه الأول، بل تشمل فضلاً عن ذلك الموضوعات التي تحدد الاتجاهات العامة لسياسة الدولة في الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتي تمثل الإطار الفلسفي العام الذي يشيد عليه نظام الحكم في الدولة والذي ينبغي على السلطات العامة العمل ضمن حدوده وبمقتضاه.

 وواضح مما تقدم أن الأخذ بالمعيار الموضوعي -على الرغم من إختلاف أنصاره حول تحديد الموضوعات التي تُعد دستورية من حيث طبيعتها وجوهرها - يؤدي بنا إلى القول، أن الحق في الإستثمار تُعد من موضوعات القانون الدستوري، وذلك لتعلقه بحقوق أفراد الشعب وحرياتهم ولكونه قاعدة من قواعد الإختصاص التي تحدد صلاحية السلطة التشريعية في سن القوانين الاقتصادية والمالية، وكذلك تحديده للفكرة القانونية السائدة في الدولة طبقاً لما تقضي به الأصول الدستورية التي لا يتأتى للسلطات العامة الشطط عنها وإلا عدت منتهكة لمبادئ الدستور وأحكامه[36]، بيد أن الطبيعة القانونية للحق في الاستثمار لم يقف عند حد الطبيعة الدستورية بل أخذت تتجاوز الطبيعة المذكورة بأن تتخذ طابعاً دولياً ناتجاً من النص عليها في المواثيق والاتفاقيات الدولية، فهلى سبيل المثال: تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948 العديد من الحقوق الاقتصادية[37]، وأيضاً الاتفاقيات الدولية الثنائية والجماعية في حماية المشتمرين الأجانب.

ثانياً: النتائج المترتبة على القيمة الدستورية للحق في الإستثمار:

يترتب على القيمة الدستورية للحق في الإستثمار العديد من النتائج لعّل من أهمها:-

تمتع الحق المذكور بما تتمتع به النصوص الدستورية من علو وسمو، شأنه في ذلك شأن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي نص عليها الدستور.

لايجوز السلطات العامة إنتهاكه بأي شكل من الأشكال، وإلا عدُ مخالفاً للدستور وحرياً بالالغاء.

لايجوز للسلطات العامة –لاسيما التشريعية والتنفيذية- تقييد الحق المذكور تقييداً من شأنه مصادرته، أو منع أفراد الشعب من التمتع به. 

هذا ومن خلال تتبعنا للقرارات الصادرة عن المحكمة الإتحادية العليا لم نجد قراراً يتعلق بإنتهاك الحق في الإستثمار ولعّل ذلك راجع في تقديرنا إلى أن السلطتين التشريعية والتنفيذية لا تألو جهداً في توفير الأطار القانوني للإستثمار ما إستطاعت إلى ذلك سبيلا، أيماناً منها بأهمية الإستثمار وأثره في تنمية البلاد وإعماره بعد ما لحقه من خراب في العهود السابقة، بيد أن المُشكلة تكمن في عدم دقة الأطار التشريعي والتنظيمي للإستثمار في العراق أضافة إلى العديد من المعوقات التي جعلت التمتع بالحق المذكور أمر منقوصاً غير كامل على النحو الذي سبينه لاحقاً.   

ثالثاً: ضمانات الحق في الاستثمار:

إذا كان الحق في الإستثمار يعد واحداً من الحقوق والحريات الإقتصادية؛ لذا فأن له قيمة دستورية، إذ يكون له ما للقواعد الدستورية من سمو وعلو بأن تسمو في مرتبها عن القواعد القانونية العادية[38]، ومن ثم يتوجب على أن توفر ضمانتين أساسيتين لذلك الحق هما:-

ضمانة إيجابية: تتمثل بأن تلتزم السلطات العامة بأن تنظيم الحق في الإستثمار من خلال تشريعات تسنها لهذا الغرص، تضعها موضع التنفيذ والتطبيق لكفالة الحق في الإستثمار وضمان ممارسته من أفراد الشعب والجهات المخولة به[39]، وقد يتطلب الأمر تشكيل هيئات، أو مؤسسات لتنظيمها، أو تخصيص إعتمادات مالية لها في الموازنة العامة للدولة، وأن ذلك لا يمثل نيلاً من هذا الحق ما دام مسانداً للحق المذكور، ومنفذاً له ومنظم دون أن يناله الحظر والتقييد[40].

ولكن ما الحكم فيما لو أمتنعت السلطة التشريعية، أو التنفيذية عن تنظيم الحق المذكور بإصدار التشريعات- القوانين، الأنظمة، التعليمات- اللازمة لكفالته كل حسب اختصاصه؟.

لم يشرْ الدستور العراقي لسنة 2005 الحكم المذكور بالزام السلطة التشريعية على كفالة الحق في الإستثمار شأنه في ذلك شأن سائر الحقوق الإقتصادية الأخرى مكتفياً بالنص عليها، اللهم ما عدا ما نص عليه في (م/2/ج) منه بأنه:"لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور"، مما يُفهم منه أمكانية الطعن بالقانون الذي يمثل خرقاً للحق في الإستثمار سواء بالمصادرة، أو التقييد، بيد أنه لايجوز الطعن بإمتناع السلطة التشريعية عن تشريع القانون الذي ينظم الحق المذكور، إذ أن الرقابة على دستورية القوانين في العراق لاتعترف بالرقابة على الإمتناع عن التشريع، ومن جهة أخرى فأن النص في بعض التشريعات على قيام السلطة التنفيذية بتقديم مشروعات القوانين، أو اصدار الأنظمة، أو التعليمات اللازمة المتعلقة ببعض الشؤون لايترتب جزاء على مخالفته، وهو ما نستشفه من بعض قرارات المحكمة الإتحادية العليا في العراق[41].   

ضمانة سلبية: تتمثل بأنه يجب على السلطات العامة -التشريعية والتنفيذية والقضائية- إحترام هذا الحق ما دام له قيمة دستورية، لذا يقع على عاتق الدولة الإمتناع عن التعرض للأنشطة التي تتعلق بالحق في الإستثمار وعدم

مصادرة هذا الحق وتقييده مطلقاً[42]، وإلا يُمكن الطعن بالقانون الذي تصدره السلطة التشريعية الذي يتضمن مصادرة، أو تقييداً مجحفاً لحق الإستثمار وذلك أمام المحكمة الإتحادية العليا، وبالمثل أيضاً يجوز الطعن بمشروعية الأنظمة والتعليمات التي تصدرها السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء أو الوزير المختص) أمام القضاء الختص، أما في حالة إنتهاك السلطة التنفيذية للحق المذكور فيُمكن عندئذٍ الطعن بقرارات الصادرة عن الإدارة –ممثلة بمجلس الوزراء، أو الهيئة الوطنية للاستثمار، أو هيئة استثمار المحافظة- كحالة رفضها منح إجازة الإستثمار على وفق القانون أمام القضاء المختص[43]، أو الجهات الإدارية المختصة[44].  

الفرع الثالث

دلالة الحق في الإستثمار وصوره

أولاً: دلالة الحق في الإستثمار ومعوقاته:

دلالة الحق في الإستثمار: قد يكون مشروعاً طرح التساؤل عن دلالة الحق في الإستثمار، وفيما إذا كان حقٌ للمُستثمر الذي يقوم بالنشاط الاقتصادي، أو للبلد المتلقي للإستثمار، أو لهما معاً، وهو ما يجيب البعض[45]عنه من خلال التساؤل عن صفة الإستثمار بالقول: بأنه لايُمكن عَد الإستثمار صفة للمُستثمر فقط، إذ أن قوانين الإستثمار ما وجدت أساساً إلا لتحقيق مصلحة البلد المضيف وتنمية اقتصاده، بيد أن ذلك لايقود إلى القول: بأن الإستثمار صفة للبلد المضيف فقط، كونه يخالف الواقع وما إستقر عليه الواقع في أن الشخص الذي يزاول النشاط الإستثماري على وفق قانون يُعد مستثمراً، مما يقودنا إلى التسليم بأن الإستثمار صفة قائمة في الطرفين معاً، لأن توظيف المال يكون منهما معاً فالمُستثمر يقدم أموالاً مادية ومعنوية، والبلد يوظف المال -كتخصيص العقارات والأراضي- للمُستثمر، ومن ثم يكون الإستثمار لفظ مزدوج يُطلق ليُراد به نشاط المُستثمر، أو نشاط البلد وتعاقده مع المُستثمر، ولعّل هذا المعنى يُستشف من تعريف الإستثمار الذي أورده المُشرع العراقي في قانون الإستثمار رقم (13) لسنة 2006 المُعدل الذي ذيله بعبارة "يعود بالمنفعة المشروعة على البلد"، فكل عمل يقوم به أي شخص إذا كانت الثمرة النهائية له تحقيق منفعة للبلد يُسمى إستثماراً طبقاً لقانون الإستثمار، والعكس صحيح، لذا يكون للحق في الإستثمار مفهومان موافق للقانون ومخالف له، يتجلى المفهوم الموافق بأن الإستثمار عبارة عن توظيف المال في النشاط الاقتصادي بالشكل الذي يحقق مصلحة البلد وبالتالي يكون المُستثمر متمتعاً بالمزايا والضمانات المنصوص عليها في القانون، والمفهوم المخالف هو توظيف المال في نشاط إقتصادي بالصورة التي لا تحقق مصلحة البلد وهذا ما لا يُمكن شموله بقانون الإستثمار مطلقاً.

معوقات الحق في الإستثمار: على الرغم كفالة الدستور للحق في الإستثمار للكافة، إلا أنه ثمة العديد من العراقيل التي تعترض الحق المذكور لتذهب بقيمته وسموه، والتي يُمكن تصنيفها على نوعين تشريعية ومالية[46]:-

المعوقات التشريعية: تتجلى بقصور التشريعات، أو غيابها، أو تعارض الأطر التشريعية التي تسود النظام القانوني للدولة، فتارة نجد غياب دليل وطني شفاف ومهني يعكس نظرة شاملة لإمكانيات الإستثمار والخارطة الإستثمارية في مختلف القطاعات، أو عدم وجود ملتقيات بين الجهات الإستثمارية والجهات الحكومية المعنية بالإستثمار، فضلاً عن إنعدام الأطر القانوينة والإدارية التي تحدد حقوق المُستثمر وواجباته، وضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية وتعقيد الاجراءات وبيروقراطية المراجعات في الدوائر الحكومية، لاسيما في تسجيل الشركات الإستثمارية، أو منح إجازات الإستثمار، أو التحاسب الضريبي والكمركي، وسيطرة القطاع العام على أغلب الأنشطة الإستثمارية والهيمنة على الأقتصاد مع مضايقة القطاع الخاص من الإضطلاع بدوره الرئيس في الشؤون الاقتصادية، وأخيراً كثرة التعديلات التشريعية للقوانين التي تعنى بالإستثمار وتسارعها خلال فترة قصيرة وغير مبررة.   

المعوقات المالية: تتمثل في سوء التنظيم المالي والمصرفي للمؤسسات المالية والمصرفية للدولة المضيفة للإستثمار، سواء من حيث الاجراءات الخاصة بايداع الأموال وسحبها، وإرتفاع نسبة الفائدة على القروض الممنوحة للمستثمرين. 

عليه يُمكن القول: بأننا وأن لم نجد إنتهاكاً واضحاً من لدن السلطات العامة للحق في الإستثمار، إلا أننا نجد سوء في إدارة وتنظيم البناء التشريعي والتنظيمي للإستثمار يتجلى مما سلف بيانه، فجعل الحق المذكور مرتبكاً وقلقاً غير مُستقر، مُتسارعاً في تعديلاته، لم تكد تستقر على حال مُعين إلا تبعها تعديلٌ تلو التعديل، كما أن بعض الضمانات التشريعية التي تكفل تمثل نصوص خاوية، شكلية لا أساس لها من الواقع والقانون، كما هو الحال في التحكيم الدولي وتمويل الإستثمار[47]، مما يزيد في المعوقات المذكورة إذا ما أخذنا بالحسبان عاملين الأول: هيمنة القطاع العام على أغلب الفرص الإنتاجية والتنموية بمبالغ طائلة غير مجدية اقتصادياً، ولنا في شركات وزارة الصناعة والمعادن ووزارة التجارية خير دليل على ذلك[48]، أما العامل الثاني: طبيعة الاقتصاد العراقي ومروره بمرحلة إنتقالية مما كان يقتضي إعداد خطة إستثمارية تتناسب مع طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، على غرار ما تبعته العديد من دول أوربا الشرقية[49].        

ثانياً: صور الحق في الإستثمار:

إذا كان الإستثمار بالمعنى المتقدم يمثل حقاً أصيلاً للكافة ضمن حدود ومعايير قانونية في مختلف القطاعات والأنشطة، فأنه يتخذ بذلك ألواناً متعددة تبعاً لمعايير معينة قوامها موضوع الإستثمار، أو جنسية من يقوم به، أو تبعاً لملكيته وطريقة إدارته، أو تبعاً لشكله وطريقة التدفق النقدي، أو الأهداف المتوخاة منه، لذا يُمكن أن يقال: بأن الحق في الإستثمار يتجلى بأنواع متعددة يُمكن تقسيمها تبعاً لمعايير مُعينة، نراها على النحو الآتي[50]:-

الحق في الإستثمار تبعاً لموضوعه: يتجلى الحق في الإستثمار تبعاً لموضوعه في أنواع متعددة، فقد تنصب على قطاع العقارات فيُسمى بالإستثمار العقاري، أو ينصب على الإستثمار في الأسهم والسندات والأوراق المالية، ليُسمى عندئذِ بالإستثمار المالي، أو على الثروات الطبيعية الباطنية كالنفط والغاز والمعادن النفيسة والمعادن الصناعية، ليُسمى الإستثمار الصناعي، وما إلى ذلك من صور الإستثمار المختلفة[51]. 

الحق في الإستثمار تبعاً لجنسية المُستثمر: إذا كان الحق في الإستثمار مكفول للكافة من رعايا الدولة والأجانب على حدٍ سواء، فأنه يقسم على نوعين هما: الحق في الإستثمار المحلي والحق في الإستثمار الأجنبي[52]:-

الحق في الإستثمار المحلي: يتمثل بالإستثمار الذي يتولاه القطاع الخاص المحلي وسواء أكان أفراد، أو شركات، أو مكاتب تجارية، أو غيرها ممن يحملون جنسية الدولة المضيفة للإستثمار؛ أي من رعاياها الذين يحملون جنسيتها، إنطلاقاً من حق الأولوية لأفراد الشعب في إستغلال الثروات الطبيعية العائدة للدولة.  

الحق في الإستثمار الأجنبي: يتمثل بالإستثمار الذي يتولاه القطاع الخاص الأجنبي ممن لاينتمون للدولة المضيفة بجنسيتها، سواء أتخذ المُستثمر منظمة دولية، أو شركة أجنبية، أو مجموعة شركات لها جنسية واحدة، أو عدة جنسيات أجنبية.  

الحق في الإستثمار تبعاً لملكيته وطريقة إدارته: يقسم على نوعين هما: الحق في الإستثمار المباشر والحق في الإستثمار غير مباشر[53]:-

الحق في الاستثمار غير المباشر: بموجبه لايكون المُستثمر مالكاً لكل، أو جزء من مشروع الإستثماري ولا يتحكم بإدارته وتنظيمه ولا يتدخل في عمليات الإنتاج والأسعار والمبيعات ولا يحاول التأثير على السياسات الإقتصادية للمشروع، وعن طريقه يتم الحصول على عائد دون تحميل مسؤولية الإنتاج والإدارة، فالإستثمار غير المباشر يمثل فرصة للتواجد والتمثيل وشيوع إستخدامه وفعاليته ليسهل مهام الشركات المستثمرة في التقدم إلى مرحلة الإستثمار المباشر في الإنتاج، ولهذا النوع من الإستثمارات عدة أشكال هي: التراخيص (الامتيازات)[54] إتفاقيت المشروعات[55] وعقود الإنتاج الدولي[56] وأخيراً الموزعون[57].

الحق في الإستثمار المباشر: تتعدد مفاهيم الإستثمار المباشر تبعاً لأنواعه والقائمين عليه، إذ يُعرف بأنه:"عملية يقوم بها المُستثمر المتواجد في بلد ما -البلد الأم- حيث يستعمل أصوله في بلدان أخرى -الدول المضيفة- مع نية تسييرها"، أو أنه:" حيازة فوائد دائمة في المؤسسات التي تقوم بنشاطها في الميدان الإقتصادي خارج الميدان المُستثمر من أجل أن تكون له القدرة على إتخاذ القرارات الفعلية في تسيرها للمؤسسة"[58].

هذا وتتخذ إنسيابية رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة إلى الدول النامية شكلين رئيسيين هما: الإستثمار المباشر(Direct Investment) في صورة مصانع والآت ومعدات ومشروعات إنتاجية يقوم بها القــطاع الخـاص الأجـنبي، والإستثمار غـير المــباشر(Indirect Investment) الذي يأخذ شكل قروض وتسهيلات من البنوك والشركات التجارية، أو الهيئات الخاصة الأخرى[59]، وتتمثل معايير التمييز بين الإستثمار المباشر والإستثمار غير المباشر في قدرة المُستثمر على السيطرة والرقابة على المشروع وإتخاذ القرار في الإدارة، ففي الأول يملك المُستثمر الأجنبي الرقابة على المشروع الإستثماري والسيطرة عليه، بحيث يكون له وحده الحق في إتخاذ القرار في الإدارة، سواء أكان يُملك المشروع بكامله أم يملك جزءاً منه، بخلاف الإستثمار غير المباشر، فيقتصر دور المُستثمر على مجرد تقديم رأس المال إلى جهة معينة لتقوم هي بهذا الإستثمار دون أن يكون له أية سيطرة على المشروع[60].

الحق في الاستثمار تبعاً لشكله وطريقة التدفق النقدي: تقسم إلى أنواع عدة منها[61]:-

الحق في الاستثمار في قطاع الاراضي والمعادن النفيسة: تتمثل التدفق النقدي الخارجي بشراء هذه الأصول الإستثمارية، أما التدفق النقدي الداخلي بيع هذه الأصول في نهاية المدة.

لحق في الاستثمار في الاوراق المالية: يظهر على شكل الأسهم والسندات، ويتمثل التدفق النقدي الخارجي بثمن شراء الأوراق المالية، أما التدفق النقدي الداخلي فهو الفوائد السنوية المستحقة على السندات والأرباح والتوزيعات بالنسبة للأسهم وقيمة الأوراق في نهاية مدة الإستثمار. 

الحق في الاستثمار في المصانع والتجهيزات والمكائن والانتفاع من الأرض: تتمثل التدفقات النقدية الخارجية في مرحلة الإعداد والإنشاء للمصانع في الفترات الأولى من عمرها في مرحلة التأسيس، أما التدفقات النقدية الداخلية فتكون نتاج المكاسب النقدية السنوية في نهاية قيمة السلع المذكورة. 

الحق في الإستثمار تبعاً للأهداف المتوخاة منه: تقسم على عدة أنواع وهي:-

الاستثمارات التوسعية: تتوخى توسيع الطاقة الإنتاجية للمنتج باضافة منتجات جديدة، أو زيادة الإنتاج ولا يترتب عليها إضافة أصول رسمالية جيدة.

الاستثمارات الستراتيجية: تتوخى المحافظة على بقاء وإستمرار المشروع كالبحوث والدراسات، وتعديل سياسات الجهة المسُتثمرة.

الاستثمارات التي تمليها الدولة المضيفة: تتمثل في الإستثمارات التي تتوخى أهداف اجتماعية بالشكل الرئيس، كتوفير مساكن للموظفين من خلال الإستثمار[62]  

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :