فوز سبعة قضاة لعضوية جمعية القضاء العراقي                                          الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                         

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

التعليق على حكم المحكمة الاتحادية العليا رقم القرار 57/ اتحادية / 3 . 8 . 2017

أ.د. زهير الحسني

استاذ القانون العام في جامعة البيان

عضو الامانة العامة للاتحاد العربي للتحكيم الدولي

عضو هيئة امناء المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي

رئيس خبراء

 

اولا : الخلفيات

مفهوم الحرية. القانون ظاهرة اجتماعية يهدف تحقيق منفعة اجتماعية بالحفاظ على النظام العام باعتباره الوعاء الذي يحمي المصالح الاجتماعية العامة بما فيها مصالح الافراد والجماعات .

ولكي تتم حماية هذه المصالح , ينبغي ان تتم بموجب القانون الذي يميز بين المصالح الذاتية المطلقة والمصالح المحمية قانونا والتي يطلق عليها مصطلح الحق .

فلا توجد مصلحة فردية لوحدها بدون حدود مادام الفرد يعيش في مجتمع ، فاذا حصل تعارض بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة قدمت الاخيرة لانها في واقعها مجموع المصالح الفردية مجتمعه.

وعند ادم سميث وهو ابو الليبراليه فان المبادرة الفردية باجتماعها تحقق المصلحة العامة لمجموع المبادرات الفردية الخاصة ، لان الحرية الشخصية لاتظهر الا من خلال الحريات العامة بمجموعها حيث تقف حرية الفرد عند حدود حرية الافراد الاخرين ، والا فان الفرد لوحده لايحتاج الى الحرية لعدم وجود الاخر معه الذي يموضع له حريته ، ولذا فان روبن كروز لايعرف الحرية لانه لايحتاج اليها ، لعدم وجود من يزاحمه فيها حتى يحدد له نطاقها .

وهو ماتعبر عنه المدرسة التاريخية بالواقعية القانونية التي لاترى القانون نتاجا للعقل المجرد كما عند مدرسة القانون الطبيعي وانما هو النتاج التلقائي غير الشعوري للروح الشعبية esprit popular  في اطار المذهب الوضعي positivism الذي يبرهن على التنوع والتخالف في النظم القانونية في الزمان والمكان كما يتضح من الملاحظة والمتابعة باعتباره واقعة اجتماعية fait social. وعند المدرسة الاجتماعية فأن المصادر الرسمية للقانون انما تستمد شكلها واصولها من المصادر الموضوعية وهي المعطيات الاجتماعيةLes donneesالتي تفرض واقعها على المشرع ليصنع منها القانون Le construit حسب Geny .

ذلك لان المعطيات الاجتماعية تفرضها الارادة العامة لمجموع الارادات الفردية من خلال العقد الاجتماعي للفرنسي Rousseau حيث يمثل القانون هذه الارادات مجتمعة لامتفرقة.

ومن هنا انتقد kant العقل المجرد ليثبت بالعقل العلمي ان الارادة الفردية التي تبحث عن انفراديتها واستغلالها تقابلها الارادة العامة التي يجسدها القانون بالتوفيق بين هذه الارادات الفردية .

واذا ظهر التعارض والصراع بين هذه الارادات فان الدولة وهي الشكل السياسي للمجتمع تفرض القانون بالقوة عند الاقتصاء حيث تعلو ارادة الدولة على ارادة الافراد بالقانون الذي تفرضه على الجميع حسب Hegel .

وفي تجربة تحقيق وحدة الامة الالمانية عبر الصراع المستمر بين ولاياتها الثلاثمائة ، يعبر Jhering عن القانون بانه القوة لانه نتاج الصراع بين الارادات الفردية حيث يتعين على الافراد ان يخضعوا جميعا للقانون بانتظام ولهم الحق في نقد الدولة عبر القيم والسياسات حسب Bentham ، وعليه لابد من ايجاد توافق compromis يتنازل فيه البعض عن مصالحه لصالح الجميع بفضل سمو الذكاء الانساني على الفطرة الحيوانية حسب ارسطو حيث يكون القانون بمثابة سياسة القوة ازاء المعترضين على التسوية والتوافق ووسيلة لتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة ومن تقديم الاهم وهي الجماعة على المهم وهو الفرد .

ولذا فان المشرع يتدخل لتقرير هذا التمايز فيقوم بنزع الملكية للمنفعة العامة وبحماية المستاجر ازاء المؤجر والحد من سلطان الارادة في التعاقد لحماية الضعيف في عقود العمل .

وادى تدخل الدولة الى تاسيس شركات كبرى لحوكمة الاقتصاد واخضاع العقد للقانون وللنظام العام بحيث يعتبر العقد باطلا دونه , لان المشرع هو الذي يحدد سلطان الارادة بموجب القانون .

ولذا ففي الوقت الذي تقرر المادة 544 من القانون المدني الفرنسي بان الملكية هي الحق بالتصرف بالاشياء بشكل مطلق ولكن بشرط الا يكون استعمالها مخالفا للقانون والانظمة .

وان لقاضي التحقيق الحق في توقيف متهم لم يتاكد بعد ما اذا كان قدر ارتكب جريمة لمجرد وجود قرائن كافيه لتوجيه الاتهام اليه ، وان الدولة هي التي تقرر دعوة مواطنيها لخوض الحرب ضد عدو خارجي وعلى المواطن ان يذعن للتضحية بحياته من اجل سلامة الوطن .

Henri Batiffol . La philosophie du droit . Presses Universitaires de France .1966 p.97.

 

الفصل بين السلطات. والدستور هو الذي يمنح حق استخدام القوة للحكومة بشكل حصري ، ولكي لا تتجاوز الحكومة سلطاتها يقرر الدستور الفصل بين السلطات الثلاث بموجب انظمة سياسية متعددة ، واكثرالانظمة قدره على ضمان الحريات العامة هو النظام الديمقراطي الذي يضمن هذا الفصل بين السلطات والانتقال السلمي للسلطة عبر الانتخابات التشريعية التي تعبر عن الارادة العامة في العقد الاجتماعي لجان جاك روسو ، بحيث يخضع الجميع للقانون بشكل لايجعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مفهوم ليون ديكي ثابتة وانما متغيرةباعتبارها محكومة بنتائج الانتخابات التي تنجم عنها حكومة الاغلبية البرلمانية التي تحصد اغلبية اصوات المقترعين ، وعليه فان الحكومة متغيرة والقانون باق مع ان الحكومة هي التي تعد مشروع القانون ، ولكن القانون هو وليد ارادة السلطة التشريعية الممثلة للارادة العامة .

اما لماذا تقوم الحكومة باعداد مشروع القانون فلان الحكومة تضم خبراء ومعنيين بادارة المرافق العامة وهولاء هم اعرف بمقدار الحاجة الى القانون,ولانهم يخضعون               لضرورات المصادرالموضوعية للقانون وهي فرض النظام العام وحماية البيئة وتوفير الخدمات الصحية والتربوية وغيرها .

ادارة الازمات. وتتم معالجة الازمات الاقتصادية والاجتماعية عن طريق رسم السياستين المالية والنقدية ومكافحة الفساد ، وهذا ما استهدفه القرار 120 لسنة 1994 في ظل الظروف التي تعرض لها العراق بسبب الحصار المفروض عليه منذ قرار مجلس الامن رقم 661 في 6/8/1990 لاجباره على الانسحاب من الكويت والذي استمر 13 عاما رغم الانسحاب من الكويت في 1991 .

وقد تعرض العراق لعزلة شديدة جعلته من اكثر الدول تخلفا في المنطقة بعد ان كان متقدما في مناحي كثيرة حتى الثمانينات من القرن العشرين ، وقد تم تدمير البنى التحتية من مصانع انتاجية ومحطات توليد كهرباء ومصافي تكرير النفط والخدمات الصحية والتعليمية بحيث تم اعادة العراق الى عصر ماقبل الصناعة وفق تعبير جيمس بيكو وزير خارجية الولايات المتحدة حينذاك .

وقد بلغ حجم التضخم في عام 1994 وهو تاريخ صدور القرار 120 لمجلس قيادة الثورة المنحل معدل 24000% سنويا. وتم تسريح ثلثي القوى العاملة مما ادى الى تفاقم البطالة وتمزق الحياة العائلية وارتفاع معدلات الجريمة والعنف الاجتماعي والانتحار والرشوة والسرقة والتهريب وجنوح الاحداث وغيرها .

واضطر 23 الف من عالم واكاديمي وباحث وفني وخبير الى ترك العراق وافراغه من خيرة ابنائه ليصبحوا الى جانب اخرين في المنافي ، وانخفض دخل الفرد الى ما يعادل 2.5 دولار شهريا بحيث اضطر الاكاديمي الى بيع السجائر في الشوارع العامة او قيادة سيارة اجرة او اجبار طلابه الموسرين على مساعدته ماليا كي يعيل اسرته . وازاء هذا الانحدار في الوضع الاقتصادي والامني والاخلاقي اضطرت الحكومة الى فرض عقوبة شديدة على جرائم السرقة والبغاء وتهريب المخدرات وغيرها ، وقد اجبر كل من يضر بالمال العام ان يبقى في الحبس بعد انتهاء مدة محكوميته حتى تستعيد الحكومة المال الذي هدره مقاول غير رصين او موظف اختلس او سرق مالا عاما او منح عقدا لمقاول لقاء عمولة وكان هذا هو موضوع القرار 120 لسنة 1994 .

البحث عن العافية. وكان مؤملا ان يستعيد العراق عافيته بعد انتهاء الاحتلال الاجنبي رسميا في 1/6/2004 و عودة القيم الاخلاقية العراقية التي طالما تميز بها العراق في منتصف القرن الماضي بحيث كان يتوارى عن الانظار كل من يقال عنه انه غير نزيه. الا ان دخول الشركات الاجنبية عالم العمولات في توزيع عقود مشاريع اعادة بناء العراق في ظل سلطة الائتلاف بدون مناقصة علنية ولا كلف تخمينية وبدون مستندات احيانا قد ادى الى ذيوع الفساد في هذه العقود التي بلغت اقيامها 9مليار دولار كما جاء في تقرير المفتش العام الامريكي ستيورات بووين حسبما ذكره موسى فرج رئيس هيئة النزاهة سابقا في الحوار المستهدف في 4/4/2013 .

وقد ادى ذلك الى منح عقود الى مقاولين غير رصينيين لتنفيذ مشاريع خطة التنمية البالغ عددها 9 الاف مشروع منها عدد كبير متلكئ وعدد منها وهمي. وكشفت وزارة التخطيط في 17/9/9/2015 عن خسارة العراق مبالغ هائلة من الموازنة الاستثمارية وصلت ما مقداره 293 مليار دولار هدرا للمال العام . وتم حذف 296 مشروعا وتاجيل 2169 منها . وتبين من خلال ذلك ان لجانا اقتصادية لدى الكتل السياسية تقوم بشراء العقود الحكومية لقاء عمولات ثم تمنح الى شركات غير رصينة ومقاولين طفيليين حققوا ارباحا طائلة من هذه العقود ، وبلغ الفساد حدا غير طبيعي يتم من خلاله بيع مناصب حكومية حساسة لقاء مبالغ طائلة حيث يضطر المسؤول المشتري دفع اثمان هذه المناصب من خلال العقود الحكومية ، واذا تعذر عليه التسديد فانه يفقد الحماية التي توفرها الكتله السياسية التي باعت منصبه ويهرب خارج العراق بالاموال التي يستطيع ان يهربها معه ، كهروب محافظ احدى المحافظات ليلة 14/8/2017 بعد احالته الى هيئة النزاهة لاضراره بالمال العام بعد تقديم استقالته دون اتخاذ اي اجراء قانوني ضده.

حرمة المال العام. والمال العام هو مال عموم المجتمع وخاصة الفئات الهشة من ايتام وارامل وثكالى ومعوقين وفقراء وبؤساء . فاذا تجاوز عليه كبار الموظفين او صغارهم او كبار المقاولين او صغارهم فانهم يحرمون هذه الفئات من المساعدة التي تقدمها الحكومة لاسعافهم. واذا استطاعت السلطة القاء القبض عليهم وتمت ادانتهم بموجب القانون بعقوبات خفيفة كجنح بالحبس الخفيف ثم يطلق سراحهم بعد الحبس بعد انتهاء مدة محكوميتهم ليتاح لهم الانتفاع بما اختلسوه او سرقوه داخل العراق او خارجه. اما الفئات التي تنتظر ممن يعمل على انقاذها من بؤس ماهم فيه فانها تفقد اعانة الحكومة من الاموال التي استولى عليهاالفاسدون. الذين يعيشون في نعيم ما استولوا عليه سواء كانوا مطلقي السراح او وراء القضبان ، فالعقوبة الخفيفة والعفو العام بانتظارهم حيث يفقدالقانون دوره في الردع من جهة و في باعادة الاموال المسروقة من جهة اخرى.

لقد ذاع الفساد الابيض كالوباء في المجتمع واعتاد عليه الناس واصبح العفيف والنزيه غير قادر على حماية نفسه من لوبيات الفاسدين واصبحت العمولات مصدرا للثراء وشراء العقارات وشراء الاصوات في الانتخابات والترويج للفاسدين بحيث اضحى العراق في فئة اكثر الدول فسادا في العالم حسب تصنيف مؤسسة الشفافية الدولية.

وظيفة القانون في الاصلاح الاجتماعي. واذا كان القانون يحمي الحرية الفردية فان هذه الحرية لاتعني الحق في الاستيلاء على المال العام بينما تبدو الحكومة غير قادرة على استعادة المال المسروق او المختلس لان السارق هرب عبر الحدود وان الادوات المتاحة لدى الحكومة قد اصبحت غير فعالة وبدون جدوى .

واذا كان هناك تعارض في المصالح بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة فان المصلحة العامة تقدم على الخاصة لتقديم الاهم على المهم ، ذلك لان الاختلاس والسرقة والرشوة والتزوير والتجاوز على المال العام لاتعتبر جرائم فردية عادية تضر بمصالح خاصة لانها تؤدي الى تخريب الاقتصاد الوطني و تعطيل خطط التنمية بسبب الفساد الذي ينخر في مؤسساتها.

ولذا فان هذه الجرائم تدخل في مفهوم الجرائم الاقتصادية لا الجرائم الفردية العادية وان ارتكابها يعتبر سببا مشددا لزيادة العقوبة و توخي الردع عن ارتكابها مما ينبغي استخدام القانون للردع عنها لا للتخفيف عن مرتكبيها واطلاق سراحهم .

ان الظروف التي يعاني منها العراق في تدني مستوى الدخل وتدهورالاقتصادوسوء الخدمات وحرمان الفئات الهشة من الثروه الوطنية التي تذهب الى جيوب سراق المال العام كلها تقضي في سريان القرار 120 لسنة 1994 لحين عودة النزاهة والشفافية واحترام القانون والنظام العام .  فان المحكمة الاتحادية العليا مدعوة الى اعانة الحكومة على تحقيق الاصلاح الاقتصادي بمكافحة الفساد وتوفير ظروف العيش الكريم لعموم العراقيين في بلد يعتبر من دول العالم الغنية في ثرواتها الطبيعية ومواردها البشرية. ولا ينبغي للمحكمة اغفال سوء حال الاحياء البائسة شرقي بغداد كحي طارق والعبيدي والنهروان والمعامل وغيرها حيث الفقر والجوع والامراض والبؤس بينما سراق المال العام طليقي السراح يعيشون في نعيم . واذا لم تنهض المحكمة الاتحادية العليا للقيام بمشؤولية مكافحة الفساد فمن ذا الذي يقوم به .

وترى المدرسة الواقعية ان الجاني هو مصدر الجريمة والاعمال المادية الصادرة عنه مظهر من مظاهر الخطورة فيه نتيجة عوامل نفسية وعضوية واجتماعية مما ينبغي حماية المجتمع منه ومن من الجريمة بتدابير تتناسب وخطورة كل جرم .

( علي حسين الخلف . سلطان الشاوي . المبادئ العامة في قانون العقوبات . السنهوري . بيروت 2012 ص19 ، 20)

ثانيا : الحيثيات

قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 120 لسنة 1994 المطعون فيه .

(استنادا الى احكام الفقره (1) من المادة الثانية والاربعين من الدستور ، قرر مجلس قيادة الثورة ماياتي:

اولا : لايطلق سراح المحكوم عن جريمة اختلاس او سرقة اموال الدولة او عن اية جريمة عمدية اخرى تقع عليها بعد قضائه مدة الحكم مالم تسترد منه هذه الاموال او ماتحولت اليه او ابدلت به او قيمتها .

ثانيا : يستثنى المحكوم الوارد ذكره في البند (اولا) من احكام الافراج الشرطي ولا تشمله قوانين العفو العام ولا قرارات تخفيف العقوبة .

ثالثا : تسرى احكام هذا القرار على القضايا التي لا تزال في دور التحقيق او المحاكمة  وعلى الاحكام التي اكتسبت الدرجة القطعية .

رابعا : لا يعمل باي نص في قانون او قرار يتعارض مع احكام هذا القرار .

خامسا : ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية وحتى اشعار اخر .

الحكم على المدعي الطاعن في القرار رقم 120 لسنة 1994 .

ادعى المدعي ( ح .هـ .م ) بان محكمة التمييزالاتحادية وبموجب قرارها العدد 8537 /الهيئة الجزائية الاولى / 2013 المؤرخ في 26/5/2013 , قد قررت فصل قضيته وفق المادة 340 عقوبات عن بقية المتهمين والحكم عليه بمقتضاها وتحميله مقدار الضرر الذي حصل بالمال العام وتطبيق احكام القرار 120 لسنة 1994 بحقه فقط . وباحالة قضيته الى محكمة جنايات النجف , حكمت عليه بادانته وفق المادة 340 عقوبات وبالسجن لمدة سنتين بالدعوى الجزائية (232/ج/2014 ) والزامه بتادية مقدار الضرر الى هيئة اعمار النجف الاشرف الذي اصاب المال العام ومقداره 171 مليون و 520 الف و 968 دينار الناشيء عن خطئه المتعمد , على الا يطلق سراحه بعد انتهاء مدة محكوميته الا بعد دفع المبلغ المذكور عملاُ باحكام القرار 120 لسنة 1994 .

دفوع المدعي . وتتضمن هذه الدفوع ما ادعى به وكيلا المدعي بان القرارالمطعون فيه بعدم دستوريته يخالف النصوص الاتية :

أ – الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1984 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966 .

ب –الدستور العراقي في المواد 2/اولا/ج و19/سادسا و 37/اولا و المادة 46 منه .

ج – مباديء العدالة بعدم جواز بقاء الجاني موقوفاً بعد انتهاء مدة محكوميته .

د – ان تتلاءم العقوبة مع جسامة الجريمة وان بقاءه بعد انتهاء مدة محكوميته معناه انه محكوم مدى الحياة .

هـ - لا يصح اطلاق مصطلح الجاني على المحكوم لانه نال عقوبته ويعد مديناً للدولة بما تترتب بذمته من ضرر وان القانون المدني هو الذي يفصل في ذلك .

و – طلب وكيلا المدعي الحكم بعدم دستورية القرار والزام المدعي عليهما بالغاء العمل به واطلاق سراح المدعي من التوقيف وتحميل المدعى عليهما الرسوم و الاتعاب .

دفوع المدعى عليهما .

دفوع المدعى عليه الاول رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته باللائحة المؤرخة في 4/7/2017 وهي :

ان القرار المطعون فيه لازال نافذا وانه لايتقاطع مع الدستور

وان القرار يهدف الحفاظ على المال العام

وان لايستفيد المحكوم من جريمته وعليه رد الدعوى

دفوع المدعى عليه الثاني رئيس مجلس الوزراء اضافة لوظيفته باللائحة المؤرخة في 6/6/2017 وهي :

عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وهي من اختصاص محكمة الجنايات

ان بقاء المدعي بالتوقيف لايخالف القانون

عدم توجه الخصومة لموكله لانه ليس من مهامه التشريع وان ذلك من اختصاص مجلس النواب

ان العقوبة الواردة في القرار هي عقوبة تبعية وان المدعي ارتكب جريمته واضر باموال الدولة

وطلب رد الدعوى لعدم الخصومة لموكله لعدم اختصاص المحكمة

قرار المحكمة التحادية العليا :

اولا : دفوع المحكمة :

ان تطبيق القرار 20 لسنة 1994 يعني وجوب بقاء المحكوم عليه في السجن مدة لها بداية ولانهاية لها ، والنهاية شرط قد لايتحقق مع الاعسار وهو تسديد مبلغ الضرر للدولة .

ان المركز القانوني للمحكوم عليه الذي امضى مدة الحكم الجزائي الذي حكم به وبما يتناسب مع حجم الجريمة التي ارتكبها قد اصبح مدينا للجهة المتضررة وهي احدى مؤسسات الدولة .

ان استحصال هذه المؤسسة ديونها حق كفله القانون لها وان يلزم ان يتم وفق الاجراءات المرسومة في القوانين وليس بالتنفيذ على بدن المدين وبالقدر الذي يؤمن التضييق عليه لاظهار امواله وللمدة التي حددها القانون لا الى ما لانهاية .

حدد قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 هذه المدة في المادة 43 بما لاتزيد على اربعة اشهر لاجبار المدين على اظهار امواله اضافة الى الطرق الاخرى كالحجز عليه ومنه من السفر حسب المادة 5 من قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977 .

ان ابقاء المدين موقوفا او سجينا بدون حدود اذا كان معسرا ولم تستطع الدولة بما لها من امكانيات للكشف عن امواله والحصول على حقوقها منه بالاساليب القانونية وتطبيق القرار 120 لسنة 1994 بابقائه سجينا دون تحديد مدة سجنه ، يتعارض مع المواد 37 – 46 والمادة 37/ اولا /أ والفقره ج منها بشان حرية الانسان وصيانة كرامته وتحريم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي وكذلك المادة 46 بعدم جواز تقييد الحقوق والحريات الا بناءا على قانون وان لايكون هذا القانون ماسا ومقيدا لجوهر الحق او الحرية . وان المادة 2/ج من الدستور لم تجز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الواردة فيه .

2قرار المحكمة الاتحادية العليا / رد دفوع المدعي عليهما : فاما دفع رئيس مجلس النواب ان القرار لازال نافذا وانه يهدف الحفاظ على المال العام ويحول دون استفادة المحكوم عليه من جريمته والدفع الذي اورده رئيس مجلس الوزارء اضافة لوظيفته بالقول ان تنفيذ القرار 120 لسنة 1994 هو عقوبة تبعية قضت بها محكمة الجنايات وكذلك دفعه بعدم اختصاص المحكمة في نظر الدعوى بالطعن بالقرار المذكور اضافة الى عدم توجه الخصومة اليه لانه لم يشرع القرار المعطون فيه ، فان المحكمة ترد على رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته بشان الحفاظ على المال العام ، بان ذلك التزام بموجب المادة 27 من الدستور وانه يشمل كلا من الدولة والمواطن .

ومؤسسات الدولة ملزمة بالحفاظ على المال العام وحمايته بوضع الاسس الكفيلة بكيفية التصرف بها للمصلحة العامة باجراءات محكمة وشفافة عن طريق تشريعات مقتدرة على سد منافذ الفساد ورقابة واعية نزيهة تحول دون الوقوع في الجريمة .

اما التزام المواطن باحترام وحماية الاموال العامة فان واجب المواطنة يلزمه بذلك واذا اعتدى على المال العام ومسه دون حق فان القانون والقضاء كفيل بانزال العقوبة الجزائية عليه وتطبيق النصوص الواردة في قانون التنفيذ باسترجاع ذلك المال .

ولذا لايجوز توقيع العقوبة الجسدية عليه وبدون حدود ، كما هو حكم القرار المطعون فيه ، لان ذلك يعد صورة من صور التعذيب النفسي والجسدي الذي حرمته المادة 37 من الدستور ، ولذا قررت المحكمة رد دفع المدعي الاول رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته .

اما دفع المدعى عليه الثاني رئيس مجلس الوزراء اضافة لوظيفته من ان القرار 120 لسنة 1994 هو عقوبة تبعية فان هذا الدفع مردود لان العقوبات التبعية واردة على سبيل الحصر في المواد 95-98 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وليس من بينها ما ورد في القرار 120 لسنة 1994.

اما دفعه الاخر من ان المحكمة الاتحادية العليا غير مختصة بنظر الطعن في هذا القرار ، فيرد عليه بان النظر في الطعن المذكور من صلب اختصاصها الذي نصت عليه المادة 93/ اولا من الدستور وهو الرقابة على دستورية القوانين والانظمة ، ولذا قررت المحكمة رد الدفع من هذه الجهة .

اما دفعه بعدم صحة توجيه الخصومة اليه لانه ليس من شرع القرار المطعون فيه ولاهو من حل محله فترى المحكمة صحة هذا الدفع لان الخصومة الواردة في المادة 4 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 غير متوفرة بالنسبة اليه فقررت قبول الدفع من هذه الجهة .

ولما تقدم من اسباب واسانيد بعدم دستورية القرار المطعون فيه , فان المحكمة تستند الى الاحكام الواردة في الدستور المبينة في صلب هذا الحكم وقررت عدم دستورية قرارمجلس قيادة الثورة المنحل رقم 120 لسنة 1994 والغائه وتحميل المدعي كل من المدعي الاول رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته والمدعي الثاني رئيس مجلس الوزراء اضافة لوظيفته المصاريف واتعاب محاماة وكلاء المدعي ومقدارها 100 الف دينار , وصدر( الحكم ) بالاتفاق حضوراً وباتاً استناداً للمادة 94 من الدستور والمادة 4 من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 وذلك في 3/8/2017 .

ثالثاً : التعليق على القرار (الحكم) .

سنتناول مسوغات قرار (حكم) المحكمة الاتحادية مصنفة بالشكل الاتي :

ضمان حرية الانسان وكرامته وصونها( المادة 37/اولا/ا دستور) وحرمة جميع انواع التعذيب النفسي والمعاملة غير الانسانية (ج .دستور) فلا يجوز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي (ب . دستور) , كما لا يكون تقييد ممارسة اي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور او تحديدها الا بقانون او بناء عليه . على ان لا يمس ذلك التحديد جوهر الحق او الحرية (المادة 46 . دستور ). ولا ينازع احد في وجوبحماية الحرية الشخصية بموجب الدستور ما دام الفرد يحترم القانون ولا يخالفه والا فانه لا توجد حرية مطلقة للفرد عندما تصطدم مع حقوق الافراد الاخرين من جهة و مع الحق العام وخاصة اموال الدولة من جهة اخرى . والمشرع هو الذي يعين القيود التي ترد على الحرية الفردية في حالةمخالفة القانون لانه هو الذي يشرع القانون ويوفر الشروط التي بموجبها حماية هذا القانون . وان المشرع هو الذي يقرر حماية المصلحة العامة الاهم ازاء المصلحة الخاصة المهمة في حالة التعارض فيما بينهما . وان عدم اطلاق سراح المحكوم بجرائم ترتكب ضد المال العام لا يمس جوهر الحق او الحرية فهي راسمال اي نظام اجتماعي . وانما ترد القيود على كيفية التصرف بالحق والحرية وليس على اساسها , وعندما ينتهك الانسانالقانون فلا يبقى يتمتع بالحق والحرية كيف يشاء . فحرية الانسان تقف عند حرية الاخرين اما عدم جوازسن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية , فان هذه الحقوق والحريات الاساسية تضم الحريات العامة وحقوق المال العام الى جانب الحقوق والحريات الفردية , واذا حصل تعارض بينهما تقدم حقوق الدولة والمجتمع واموال الشعب على حقوق من يتجاوز عليها. اما التمييز بين المحكومية واسترداد المال العام وعدم الربط بينهما من وجهة نظرالمحكمة ,فتحكمه المادة 27/ثانياً من الدستور التي تستشهد بها المحكمة في قرارها موضوع البحث حيث ( تنظم بقانون الاحكام الخاصة لحفض املاك الدولة وادارتها وشروط التصرف فيها والحدود التي لا يجوز فيها النزول عن شيء من هذه الاموال) . وعليه فان احترام الاموال العامة وحمايتها واجبة على كل مواطن بما فيهم المدعي (م/27/اولاً). اما الاستشهاد بالاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 فلا مناسبة له امام القضاء لان هذا الاعلان لا يعتبر وثيقة ملزمة لانه توصية صادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة ولانه لا يدخل النظام القانوني الوطني بصفته هذه حيث لا يتمتع بصفة رسمية بتوقيع او تصديق او انضمام . واما الاستشهاد بالعهد الدولي الاول للحقوق المدنية و السياسية فهو استشهاد غير تام لعدم الاشارة الى اي نص من نصوصه واجبة التطبيق على القضية موضوع البحث حسبما يدعيه المدعي في منطوق قرار المحكمة الذي يشيرالى مخالفته المواثيق الدولية دون تحديد لهذه المواثيق .

ترى المحكمة ان احدى مؤسسات الدولة التي عناها القران المطعون بعدم دستورية الحق في استحصال ديونها كحق كفله القانون بحيث ان استحصال هذا الحق يلزم ان يتم وفق الاجراءات المرسومة في القوانين وليس بالتنفيذ على بدن المدين وبالقدر الذي يؤمن التضييق عليه لاظهار امواله وللمدة التي حددها القانون لا الى ما لانهاية بموجب المادة 43 من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 بما لايزيد على اربعة اشهر اضافة الى قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977 . وهذا يعني بنص القانون جواز حبس المدين لهذه المدة على الا تزيد عن 25 سنة بموجب المادة 143/أعقوبات . وهو ليس من انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية التي تشير اليه المحكمة في حيثيات قرارها (حكمها) . وذلك لان المادة 40 /اولا من قانون التنفيذ المشار اليه تجيز حبس المدين بناءا على طلب الدائن وبقرار من القاضي وان المادة 13 من قانون تحصيل الديوان الحكومية رقم 56 في 11/4/1977 تجيز حبس المدين المماطل وفق احكام قانون التنفيذ من قبل رئيس التنفيذ بناءا على طلب من رئيس الدائرة المخول بتطبيق القانون . فمن باب اولى يجوز للمشرع ان يحبس المدين حتى يعيد المال العام الذي استهل حرمته واستولى عليه حيث ان سلطة المشرع اعلى من سلطة الدائن او القاضي او رئيس الدائرة الدائنة .

ان انتقاء صفة الجاني بعد انتهاء محكوميته وتحويله الى المدين لايمنع المشرع ان يعتبر هذا المدين بسبب الجريمة محكوما بالسداد لان الجريمة مستمرة وتستمر المحكومية بها ولا تنتهي لان استمرار هذه المحكومية هو استمرار للمحكومية الاولى من وجهة نظر المشرع ، لان هذا الدين ليس دينا مدنيا بحتا, بل هو دين ازاء الدولة وان احكام قانوني التنفيذ وتحصيل ديون الحكومة غير فعالة لاجبار هذا المدين على السداد ، مما اقتضى تدخل المشرع للحفاظ على المال العام من الضياع . وان ديون الدولة من الديون الممتازة التي تستدعي هذا التدخل . ولا يصح القول ان هذين القانونين قادرين على كشف اموال المدين لان هذا يعني خلط المال العام باموال المدين بحيث ينقلب هذا المال العام الى مال المدين ، كما ولايصح وصف هذا المدين معسرا لتطبيق احكام المادة 40/ثالثا من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 وبالتالي عدم جواز حبسه . لان هؤلاء المتجاوزين على المال العام انما يتجاوزون على مبالغ هائلة تجعلهم من الاثرياء على حساب مال الشعب . كما لايصح القول بانه لايجوز معاقبة المحكوم مرتين في جريمة واحدة لان عقوبة الحبس عقوبة واحدة في جريمة مستمرة باستمرار ركنها المادي من فعلين متلازمين هما الاستيلاء على المال العام من جهة والاحتفاظ به وعدم رده للحكومة بارادة الجانيمن جهة اخرى , فهما فعلان على موضوع واحد هو هذا المال العام.

(المبادئ العامة في قانون العقوبات . علي حسين الخلف ص311)

ان حبس المدين لحين سداد المال العام المسروق او اية جريمة تقع على المال العام,انما يشكل عقوبة للجريمة المستمرة وهو الاستيلاء على المال العام . ولان المشرع لا يفرض العقوبة من اجل العقاب وحسب وانما لوقف استمرار هذه الجريمة ولحين اعادة المال العام الى الدولة .

وعليه فان العقوبة تقف عندما تنتهي الجريمة باعادة المال العام المسروق ذلك لان هذا النوع من الجرائم يدخل في مفهوم الجريمة الاقتصادية التي تسبب ضرراً للاقتصاد الوطني وللمال العام كظرف مشدد وليست قضية دين مدنية تخضع لقانون التنفيذ وقانون تحصيل الديون الحكومية بشأن ديون مدنية عادية . و يواجه المشرع ذاته جريمةتقع على اموال ضخمة تخصصها الدولة لاغراض التنمية الاقتصادية وتوفير البنى التحتية والخدمات لجميع المواطنين . ولذا فان الجرم الناجم عن الاستيلاء على اموال التنمية الوطنية هو جرم غير عادي ويستحق العقوبة التي ترقى الى مستوى الاضرارالتي تصيب الدولة والمجتمع .وبهذا الوصفيمكن اعتبارهذه الجريمة جريمة تبعية بموجب قانون التجارة رقم 149 لسنة 1970 وتعديلاته . وهي ليست غرامة كعقوبة اصلية لانها ليست تعويضاً عن ضرر وانما هي لازالة الضرر عن المال العام باعادته او اعادة قيمته حسب القرار 120 لسنة 1994 . ولا يليق بالمحكمة ان تصف هذا القرار وكانه موجباً لبقاء المحكوم عليه في السجن مدة لها بداية ولا نهاية لها , لان اعادة المال العام امر تتطلبه ضرورات الحفاظ على اموال التنمية الاقتصادية . وان المستولين على المال العام لا يستحقون المكافاة  بالتمتع بالمال العام وحرمان طبقات معوزة من المجتمع منه . وان تشديد العقوبة عليهم امر تقتضيه المصلحة العامة لاجبارهم على اعادة المال المسروق وان بدن من يستولي على مال الشعب ليس افضل من بدن هؤلاء المحرومين من ثروة العراق التي ضاعت في جيوب السارقين .

ونرى انه يليق بالمحكمة الاتحادية ان تقف وقفة قضاء وطني مسؤول لمكافحة الفساد الذي انتشر كوباء في معظم مفاصل الدولة . وان تتخذ قرارات صارمة وشديدة لردع الفاسدين لا للتخفيف عنهم , لان الغرض من العقاب هوالردع اكثر مما هو لايذاء المجرم , وان قراراً كهذا الذي اصدرته المحكمة يشجع على الاستيلاءعلى المال حيث يكفي قضاء سنتين في الحبس من اجل حصد الملايين بل المليارات من الدنانير مع امل الافراج الشرطي والعفو العام وتخفيف العقوبة وهو ما يفهم من مقاصد المحكمة في الغاء القرار 120 لسنة 1994 الذي يمنع تمتع المجرم بهذه التسهيلات القضائية. وكان على المحكمة الا تضع العراق في حرج ازاء التساهل مع الفاسدين والدفاع عن حريتهم الشخصية امام الحق العام ومصالح الفئات الضعيفة التي تبحث عمن يحميها, في الوقت الذي ترى فيه المادة 1/أ من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 بان اغراض هذه الاتفاقية هي ترويج وتدعيم التدابير الرامية الى منع ومكافحة الفساد بصورة أكفأ وانجع وتعزيز النزاهة والمسالة و الادارة السليمة للشؤون العمومية والممتلكات الحكومية (فقرة /ج من المادة 1 ) . كما تنص المادتان 5 و 31 من الاتفاقية على منع الفساد والتحري عنه وملاحقة مرتكبيه وعلى تجميد وحجز وارجاع العائدات المتاتية من الافعال المجرمة وفق هذه الاتفاقية .وترى المادة 51 ان استرداد الموجودات مبداء اساسي في هذه الاتفاقية وعلى الدول الاطراف ان تمد بعضها البعض باكبر قدر من العون و المساعدة في هذا المجال . وهذا يعني ان اطلاق سراح المحكوم عليه بجريمة اعتداء على المال بعد انتهاء محكوميته يحول دون تمكين الدولة من استرداد اموالها بخلاف ما تقتضي به هذه الاتفاقية , وان التسامح مع جرائم الفساد سيبقى العراق في اسفل قائمة منظمة الشفافية الدولية .

وقد كان العراق حسب مؤشرات هذه المنظمة افضل حالاً في سنة 2003 حيث احتل المرتبة 113 من مجموع 133 دولة بينما وصل الى 178 من مجموع 180 للسنتين 2007 و2008 ( غزوان رفيق عويد . دراسة تحليلية لمؤشرات منظمة الشفافية الدولية . مع الاشارة الى حالة العراق .مجلة هيئة النزاهة والشفافية للبحوث والدراسات / العددالتاسع 2016 ص 188 ) . وفي تقريرها السنوي اظهرت المنظمة مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 والصادر في 22/2/2018  , بان خمسة بلدان عربية هي الاكثر فساداً في العالم وهي الصومال وسوريا واليمن والسودان والعراق. حيث احتل العراق مرتبة169 من مجموع 180 وهي المرتبة الاخيرة التي احتلتها الصومال (اسامة مهدي .ايلاف 22/2/ 2018 ).

يعتبرقرار(حكم) المحكمة الاتحادية هذا مناسبة لدعوة مجلس النواب ممثل الشعب للعمل على اصدار قانون مكافحة الفساد حسب متطلبات اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 لانه الاكثر احساساً بألام ضحايا الفساد والبؤس الذي تعيشه طبقات تئن تحت ضغط الفاقة والعوز والمرض , حيث بلغت مستويات الفقر في العراق 30% من الشعب العراقي. كما ان هيئة النزاهة والحكومة مدعوتان الى تقديم مشروع قانون يستجيب لحاجة العراق لمكافحة الفساد وتعديل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 بنقل جنح الفساد الى جنايات من نوع الجرائم الاقتصادية من اجل تمكين القانون في اداء وظيفته في الردع عن الجريمة وان تقديم مشروع قانون لمكافحة الفساد يحل محل القرار 120 لسنة 1994 هو مسؤولية وطنية لسد منافذ الفساد ورقابة واعية نزيهة تحول دون الوقوع في الجريمة , كما جاء في منطوق القرار ( الحكم) .

 

رابعاً : المحصلة

       واخيراً يؤخذ على القرار 57/اتحادية/2017 الاتي :

أنه غير صحيح ويخالف الدستور , لانه يلغي القرار 120 لسنة 1994 الذي يقضي بوجوب حرمته وحماية الاموال على كل مواطن بموجب المادة 27/اولا من الدستور.وان الغاء هذا القرار يلغي وسيلة قانونية لضمان حرمة وحماية الاموال العامة , لان هذه الاموال ليست اموالاً مدنية تستوفى بالاجراءات المدنية في قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 وفي قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1997 وانما هي اموال عامة متضررة بالاختلاس او بتجاوز الموظفين حدود وظائفهم حسب الفصلين الثاني والثالث من الباب السادس من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1959 . ولذا فان القرار 120 لسنة 1994 هو قرار دستوري بموجب المادة 27/اولاً من الدستور بدلالة المواد من 307 الى 341 من الباب السادس من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 .

انه غير صحيح ,لان الغاء القرار 120 لسنة 1994 يترك فراغا تشريعيا يحتاجه العراق لايجاد الية قانونية فعالة لاستحصال المال العام المتضرر او المتجاوز عليه , وذلك باستمرار محكومية الجاني الذي انهى مدة محكوميته حتى تستحصل الحكومة المال العام الذي ترتب في ذمته . ذلك  لان المادة 321 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 تقضي برد ما اختلسه الجاني او استولى عليه من مال او ما حصل عليه من منفعة او ربح وان الغاء القرار 120 لسنة 1994 يلغي حكما تنفيذيا بموجب هذه المادة والذي سيبقى معطلا بسبب الغاء هذا القرار . كما تقضي المواد 334 و 336 و 339 من قانون العقوبات برد الشيء المغتصب او الخسارة التي اصابت الحكومة الناجمه عن اية وسيلة غير مشروعه قام بها موظف او مكلف بخدمة عامة وكذلك المبالغ المستحصله بغير حق وذلك بموجب الفصل الثالث من الباب السادس من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 .

انه غير صحيح, لان الغاء القرار 120 لسنة 1994 سيعامل المال العام المتجاوز عليه بجريمة كدين مدني, بينما هو مال عام متضرر من قبل موظف عام موضوع تحت تصرفه او مسؤول عن عدم الاضرار به . فيتعين مسالته جنائيا في حالة عدم تمكن الدولة من استحصاله منه ، وان عدم الاداء هو احد اركان هذه الجريمة اضافة الى عملية الاضرار به بالاختلاس او بالتجاوز عن حدود الوظيفة العامة مما يجعل الامتناع عن السداد عملا مستمرا في الاضرار به ، ولذا فان الجريمة تعتبر جريمة مستمرة وان انتهاء محكومية الجاني لاتنفي صفة المحكوم عنه عند انتهاء مدة محكوميته لان الفعل الضار مستمر ولاينتهي الا بالسداد ، مما يتعين ابقاء الجاني موقوفا لهذا الغرض مع بقاء الركن المعنوي وهو قصد الاضرار بالمال العام . ولذا فان القرار 120 لسنة 1994 هو نص جنائي متمم لاحكام الفصلين الثاني والثالث من الباب السادس من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 .

ان هذا القرار غير صحيح, لان الغاء القرار 120 لسنة 1994 يضر بالحقوق الاقتصادية للعراقي بموجب الفرع الثاني من الفصل الاول من الباب الثاني من الدستور لانه يؤدي دون حماية اموال التنمية الاقتصادية لغرض اعادة البنى التحتية وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية والنقل والاتصالات والانتاج الوطني في ميادين الزراعة والصناعة والخدمات ، وان الاضرار بالاموال العامة المخصصة للتنمية هو باضرار بمصالح الفئة الاكبر من الشعب العراقي وخاصة ذوي الدخل المحدود وان الاثراء على حساب هذه الفئات هو جريمة اقتصادية تؤدي الى حرمانها من ثروات الشعب العراقي التي تذهب الى جيوب الفاسدين ، مما يقتضي اعتبار هذه الصفة في هذه الجرائم ظرفا مشددا يقضي زيادة العقوبة واستحصال المال العام باجراءات جنائية لامدنية ، ولذا فان الغاء القرار 120 لسنة 1994 يسبب اضرارا بالمصلحة العامة ومصالح الفئات الهشة من اليتامى والارامل والثكالى والمعوقين والشيوخ المتقدمين في العمر ، بل ويشجع على الفساد لانه يمكن الجناة الذين اضروا بمصالح الشعب من الافلات من الملاحقة لتحصيل المال العام الذي بحوزتهم وهم قد اثروا على حساب الشعب الذي ينتظر من حكومته توفير اسباب العيش الكريم وفق المادة 22/اولا من الدستور. وليس صحيحا معاملتهم كمعسرين كما يفهم من حيثيات قرار المحكمة ليتمتعوا بمزايا المادة 40/ثالثا من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 ، علما بان العراق مسؤول بموجب اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 لاتخاذ التدابير الفورية لملاحقة الجناة والحجز على اموالهم ومصادرتها واستردادها بموجب المادة 1/أ والمادتين 5 و 31 من الاتفاقية ، وان قرار المحكمة يمضي في الاتجاه المعاكس لما تتطلبه هذه الاتفاقية من اجراءات مشددة لمكاغحة الجريمة وسيبقى العراق في قعر تصنيف منظمة الشفافية الدولية مع الدول الاكثر فسادا في العالم ، وهو لايليق بجمهورية العراق ان تكون كذلك وهي البلد الذي كان مصدرا للاشعاع الحضاري في القرون المنصرمة .

ولا نرى مفيدا القول ان القرار 120 لسنة 1994 لم يحقق الغرض في مكافحة الفساد الاداري والمالي في العراق لا في فترة النظام السابق او النظام اللاحق, لان مؤشرات و مدركات الفساد المالي في العراق في تزايد مضطرد ... وبذلك فانه لم يكن ذي اثر يذكر تجاه الغاية التي ينادي بها بعض المنتقدين لقرار المحكمة...( القاضي سالم روضان الموسوي . حماية الحريات في ضوء قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 57/اتحادية /2017 في 3/8/2017 مجلة التشريع والقضاء . السنة العاشرة . العدد الاول 2018 ص83)  فهل يفهم من هذا عدم ضرورة القانون اذا لم تتحقق اهدافه وبالتالي عدم ضرورة قانون العقوبات بسبب انتشار الجريمة والجريمة المنظمة على وجه الخصوص.

و العكسهو الصحيح حيث ينبغي الحرص على تنفيذ القانون بشدة اذا تهاون الجاني في عدم احترامه والحكم عليه بالحد من حريته في ارتكاب مزيد من الجرائم بحق المال العام. ذلكلان جرائم المادة 340 عقوبات هي جرائم تخريب باموال الدولة وبالاقتصاد الوطني وانها من الجرائم الاقتصادية التي تهدد الامن الوطني و تعتبر ظرفا مشددا في العقوبة.  وهذا ما نفهمه من قرار محكمة التمييز الاتحادية العدد 223/ الهيئة الموسعة الجنائية/2008 ت300 في 19/11/2008 .

فقد جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية223/الهيئة الموسعة الجزائية/2008 ت 300في 19/11/2008 بان الهيئة وجدت ان اللجنة القضائية المختصة بنظر الاحداث والنساء في رئاسة محكمة بغداد الكرخ الاتحادية قررت بتاريخ 27/3/2008 وبعدد الاضبارة336 وقف الاجراءات القانونية بحق المتهمة المكلفة (ز) وقفا نهائيا استنادا لاحكام قانون العفو العام المرقم19 لسنة 2008 . ولعدم قناعة المميزة /نائبة المدعي العام امام اللجنة المذكورة بالقرار اعلاه طلبت نقضه للاسباب الواردة في لائحتها  المؤرخة 20/4/2008 , قررت رئاسة محكمة استئناف بغداد /الكرخ الاتحادية /بصفتها التمييزية  بتاريخ 6/4/2008

وبعدد الاضبارة 100/عفو/2008 نقض القرار المشار اليه اعلاه لان التهمة المسندة الى المتهمة المذكورة وفق المادة 340 من قامون العقوبات تعد هدرا للمال العام  وهو شكل من اشكال تخريب اموال الدولة المستثناة من قانون العفو استنادا للمادة 2/ثانيا/زمنه طلب /طالب التدخل التمييزي المدعي العام  امام المحكمة الجنائية المركزية /الهيئة الثانية بلائحته المرقمة 228/ت/2008 التدخل تمييزا بالقرار اعلاه ونقضه لان الجرائم المرتكبة ضمن المادة 340 من قانون العقوبات ليست من جرائم الاختلاس او اتلاف اموال الدولة حتى يمكن شمولها بالاستثناء المنصوص عليه في المادة 2/ثانيا/ز من قانون العفو العام . ولدى امعان النظر باوراق الدعوى و القرارات الصادرة فيها من لدن هذه الهيئة فقد وجد ان محكمة التحقيق المركزية في بغداد/ الكرخ احالت المتهمة (ز) لاجراء محاكمتها وفق احكام المادة 340 من قانون العقوبات وتعاقب هذه المادة كل موظف او مكلف بخدمة عامة احدث ضررا باموال او مصالح الجهة التي يعمل فيها او يتصل فيها بحكم وظيفته او باموال الاشخاص المعهود بها اليه بالسجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس . وعند صدور قانون العفو العام المرقم 19 لسنة 2008 استثنى من احكامه مجموعة من الجرائم (اختلاس اموال الدولة او تخريبها عمدا) المنصوص عليها في الفقرة ثانيا /ز من المادة المذكورة . وحيث ان تخريب اموال الدولة عمدا يعد وسيلة من وسائل الاضرار بتلك الاموال وبذلك فان جريمة تخريب اموال الدولة عمدا تدخل ضمن جرائم الاضرار بتلك الاموال عمدا وبالتالي تكون الجريمة الاخيرة مستثناة من احكام قانون العفو العام المشار اليه اعلاه. وعليه فان القرار المطلوب التدخل به تمييزا جاء خاليا من اي خطا قانوني يستوجب التدخل به تمييزا حسب صلاحية محكمة التمييز المنصوص عليها في المادة 264/أ من قانون اصول المحاكمات الجزائية , لذا قرر رد طلب التدخل التمييزي واعادة اوراق الدعوى الى محكمتها للسير في الدعوى وحسمها وفق القانون وصدر القرار بالاكثرية في 19/11/2008 . وبهذا القرار تم استثناء جرائم الاضرار العمدي من العفو العام بالقانون رقم 19 لسنة 2008 .

ولذا نامل ان تكون المحكمة الاتحادية العليا نبراسا للعدل و رائدة في الدفاع عن المال العام بموجب المادة 27 من الدستور وعدم التنازل عنه بموجبها بل وفي مكافحة الفساد لا غض النظر عنه بالتواكل على السلطتين التشريعية والتنفيذية. وان المادة 340 عقوبات تعتبر نصا عاما لجرائم الاضرار العمدي بالمال العام ولانها تقوم على العلم والارادة بالسلوك والنتيجة فلا تحتاج الى قصد جنائي خاص (زينب احمد . جريمة الاضرار العمدي باموال الدولة .في مجلة كلية الحقوق. جامعة النهرين. المجلد 11 . العدد 21 كانون الاول 2008 ص 95 وما بعدها) اما اذا ارتكبت هذه الجريمة العمدية بقصد جنائي خاص كتمويل الارهاب او غسل الاموال او ارتكاب جريمة اضافية للاضرار بالمال العام , فانه ينبغي ان تكون العقوبة السجن المؤبد اذا لم تكن محكومة بقانون خاص بالقصد الجنائي الخاص.ونامل ان تكون المحكمة الاتحادية العليا الامين الوفيلحماية الدستور بموجب القانون وفيتنفيذ القانون بشكل صارم لا بالغائه اوعدم التهاون فيهبل وفي مكافحة الفساد, من اجل ان يحتل العراق مكانته بين الامم المتقدمة بدل ان يبقى بين البلدان الاكثر فسادا في العالم.

--------------------------------------------

 

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :