الدليل العقلي المستقل في طريق استنباط الحكم الشرعي الواقعي                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي رئيس مجلس الوزراء                                          رئيس مجلس القضاء الاعلى يلتقي قضاة المحكمة المتخصصة بقضايا النزاهة                                           دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي                                           انضمام العراق الى اتحاد المحاكم والمجاس العربية                                          نشاطات محكمة استئناف ذي قار الاتحادية                                           دورة في موضوع حقوق الانسان                                          معالي رئيس مجلس القضاء الاعلى يستقبل ممثلي جمعية المحققين القضائيين                                          أستنكار أغتيال الدكتور طالب الشرع                                           معهد التطوير القضائي يواصل اقامة دوراته                                          انجازات محكم التمييز الاتحادية                                          

  الرئيسية
  الافتتاحية
  بحوث ودراسات
  الاحكام والقرارات
  تعليق على الإحكام
  رسائل جامعية
  من بحوث الترقية للقضاة
  من التراث الفقهي والقضائي العراقي
  إخبار التشريع والقضاء
  مكتبة التشريع والقضاء
  قرأت لك
  اخبار متفرقة
  ارشيف الاعداد
  من سدنة العدالة
انت الزائر رقم
كلمات مضيئة
مواقع صديقة
احصائيات العالم

نشرة مجلس القضاء الاعلى الالكترونية

العدل نيوز

نيل وفرات

الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية

صحف ومجلات الكترونية

امارة وتجارة

مجموعة العدالة للجميع

رابطة تعليم حقوق الانسان

مكتبة نهضة العرب

مكتبة الاسكندرية - اون لاين

الحوار المتمدن

شبكة الاستراتيجية

مكتبة عبد الحق غازي الالكترونية - كتب مجانية

استراتيجيا للاستشارات الفنية والتطوير

صوت الناصرية

المكتبة الرقمية

نشرة آي فكس

وزارة العدل - دولة قطر

مجلة مساواة للتربية على حقوق الانسان والثقافة المدنية

وزارة العدل العراقية

الوقائع العراقية

وزارة العدل في حكومة اقليم كوردستان - العراق

قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية

المركز الاعلامي للسلطة القضائية

الميزان

أسـاس المسـؤولية المدنية عن الاصابات الجسـدية وتحديد التعويض الناشـىء بسـببها

دراسـة تأريخية مُقارنة بين الفقه الاسـلاميّ والفقه اللاتيني والقانون العراقيّ

وتحليل مُسـتفيض عن موقف القضاء العراقيّ من تعويض الضرر

الجسـدي ولمحة عن الفقه الأنكلوسـكسـونيّ

والشـريعة الموسـوية بِشـأنها

 

 

 

 

 

بحث تقدمَ بهِ

 

د.أكرم فاضل سـعيد قصير

مُدرس القانون الخاص

كُلية الحقوق/جماعة النهرين

 

 

 

 

الملخص

نظم المُشـرع العراقيّ أحكام الاصابة الجسـدية والتعويض الناشـئ عنها في ثلاث مواد. الاولى هي المادة (202) من التقنين المدني العراقيّ التي نظمت أسـاس المسـؤولية القانونية الناشـئة عن الاصابة الجسـدية وحددت التعويض الناشـئ بسـببها. والثانية هي المادة (203) مدني والتي حددت المسـتحقين لهذا التعويض سـواء أكانوا مضروريين أم مُعالين يتكفل المُصاب بإعالتهم، لو كان حيـاً،  وسـواء أكانوا ورثةً لهُ أم لم يكونوا. أمـا الثالثة فهي المادة (205) مدني والتي نظمت أحكام التعويض عن الاضرار المعنوية التي تلحق بالمصاب اذا كان حياً وللمسـتحقين الآخرين لهذا التعويض من المعالين اذا كان ميتاً.

ويتركز نطاق هذا البحث بدراسـة تأريخ المواد الثلاثة المشـار اليها آنفاً وموقف الفقه الاسـلامي والفقه الغربي عنها بالتفصيل، كما سـنفرد مسـاحةً واسعةً لمُناقشـة موقف القضاء العراقيّ بِشـأنها. أمـا الفقه الانكلوسـكسـوني والشـريعة الموسـوية فنرجع إليها كُلما اقتضت ضرورة البحث ذلك بإيجاز ودون الاخلال بمعانيها وأحكامها التي ارتكزت عليها.

 

Abstract

 

The Iraqi legislator compiled in the following three articles the stipulations of corporal injury and the compensation arising thereof:

1.     Article 202 in the Iraqi Civil Code which organized the basis of the legal liability arising out of corporal injury and determined the compensation arising thereof.

2.     Article 203 (Civil) that determined the beneficiaries for this compensation, whether they were aggrieved or materially supported persons whom the victim is pledged to support if he were alive, irrespective of such persons being his inheritors

3.     Article 205 (Civil) that organized the stipulations of compensation for incorporeal injuries of the victim if he were alive and for the other beneficiaries of this materially – supported beneficiaries of this compensation if he were decreased.

The scope of this study is centered on the fore cited three articles` history and the detailed attitudes of Islamic / western jurisdiction. We shall single wide discussions of the attitude of the Iraqi judiciary thereof; we shall take brief recourse, upon exigency of the study to the Anglo-Saxon and Jewish jurisdiction, without jeopardizing their meanings and stipulation on which they were based.

مقدمة

 

 

 

الخلفية التأريخية لتحول اتجاه المُشـرع العراقيّ من الشـريعة الاسـلامية الى الشـريعة الوضعية اللاتينية:

الأسـاس في اللغة هو أصل البنـاء([1])، ومنهُ قوله تعالى: (( أفمن أَسـَّسَ بُنيانَهُ على تقوى من الله ورضوان خير أم من أُسـُس بنيانهُ على شـفا جرف هار([2]))) الى أن قال: (( فانهار بهِ في نار جهنم والله لايهدي القوم الظالمين )) (التوبة/109)، أيّ أسـُس بنيانهِ واقامه على طرف هاويةٍ سـحيقة([3]).

والأسـاس اصطلاحاً هو مـاتبنى عليهِ نظرية التعويض عن الاعمال غير المشروعة المعروفة بالمسـؤولية التقصيرية في الفقه الغربي، أيّ المطالبة بالتعويض من جراء العمل غير المشـروع. فبوجودهِ توجد المسـؤولية وبِعدمهِ أو تخلفهِ تنعدم المسـؤولية او يتخلف وجودها ومن ثمَ ينعدم التعويض او تنتفيّ الغاية من وراء القضاء بهِ([4]).

وتبنيّ نظريات القانون الحديثة أسـاس المُطالبة بالتعويض على فكرتيّ (الخطأ) أو (الضرر). وفكرة (الخطأ) كأسـاس للمسـؤولية التقصيرية كانت بكر الأفكار وأولها ثمَ تطورت وتعرجت بتطور الحضارة الانسـانية وازدهار الصناعة الى خطأ واجب الاثبات ثمَ الى خطأ مفروض (Presumed Fault) قابل لأثبات العكس الى ان وصلت في بعض تطبيقاتها الى الخطأ المفروض غير القابل لإثبات العكس. ونتيجةً لتقدم الصناعات وكثرة الاختراعات ووفرة المُنتجات والخدمات تصدعت فكرة الخطأ لأن تكون أسـاسـاً لأيّ مسـؤولية ناشـئة بسـببها وان كان بريقها لايزال لامعاً وواضحاً لحد الآن رغم دعوات البعض الى تأسـيس المسـؤولية التقصيرية على عنصر الضرر وحده([5]) كما ظهر هناك تنوعاً في نظرية المخاطر. فظهرت نظرية المخاطر وتحمل التبعة في القانون الخاص ونظرية التضامن القومي في التعويض عن الاضرار في القانون العام.

وكان يُطبق في العراق ضمان الجنايات([6]) الواقعة على النفس أو مادونها أحكام الشـريعة الاسـلامية من دية وارش وحكومة عدل على نحو مـاسـنوضحهُ بالتفصيل في هذا البحث لغاية تحررهِ وانسـلاخهِ من الدولة العثمانية في بدايات القرن السـابق ثمَ عدل اتجاه المُشـرع العراقيّ من الشـريعة الاسـلامية في ضمان هذهِ الجنايات الى الشريعة اللاتينية بموجب قانون العقوبات البغداديّ  الذي حلَ محل قانون الجزاء العثمانيّ وقانون ذيل قانون أُصول المُحاكمات الحقوقية في الضمانات وكيفية الحُكُم بها رقم (54) لسـنة 1943 (المُلغى)([7]) والمعروف بقانون الضمانات .وعندما شـُكِلَّتْ لجنة إعداد القانون المدني القائم أرادت ان تؤكد وتوضح مسـار هذا الاتجاه إذ كانت المادة (143) من المشـروع (النافذ حاليـاً) في مسـودتهِ الاولى تنص على ان: (( القتل العمد وشـُبه العمد والقتل الخطأ وكذلك الجرح عن خطأ وبوجهِ عام كل فعل فيهِ قصاص أو دية أو ارشـاً يحل فيهِ التعويض المدني محل القصاص أو الدية او الارش )) كما كانت المادة (144) من المشـروع نفسـه (وفي مسـودتهِ الاولى أيضاً) تنص على ان: (( كُل فعل ضار بالنفس فيما لاتمكن فيهِ المماثلة وتجب فيهِ حكومة العدل يوجب التعويض المدني ))([8]).

وهذهِ النصوص تدلُ بصورة واضحة عن عدول المُشـرع العراقيّ من انتهاج أحكام الفقه الاسـلاميّ الى تبنيّ أحكام الفقه القانوني اللاتيني، إذ حَلَّ التعويض المدني محل الدية والارش وحكومة العدل، وبهذا الاتجاه سارت لجنة اعداد القانون المدني العراقي النافذ في صياغة مشروعه في اربعينات القرن الماضي إلا انهُ ونتيجةً لإعتراض السـيد منير القاضي عضو اللجنة على طريقة عرض هذهِ النصوص وعلى اسـلوب صياغتها بشـكل يصطدم مع صراحة الفقه الاسـلاميّ، اقترح تعديلها بما يخفف تعارضها مع أحكام الشـريعة الاسـلامية، لذا وبعدَ مُناقشـة طويلة مـابين رئيس اللجنة المرحوم الدكتور عبد الرزاق أحمد السـنهوري والأعضاء اقترح الرئيس بديلاً عن هذين النصين، فوافق عليه جميع أعضاء اللجنة بإسـتثناء السـيد حسـن سـامي تاتار([9]) الذي أصرَ على إبقاء النص المذكور من المشـروع على أصلهِ([10]) وأصبح نصها في المشـروع النهائي الذي أعدتهُ وزارة العدلية سـنة 1945 بالشـكل الآتي:

E المادة (208): (( كُل فعل ضار بالنفس من قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أيّ نوع آخر من أنواع الايذاء يلزم بالتعويضات من أحدث الضرر مُتعمداً أو مُتعدياً )).

E المادة (209): (( في حالة القتل وفي حالة الوفاة بسـبب الجرح أو أيّ فعل ضار  آخر يكون المُعتدي مسـؤولاً عن تعويض الاشـخاص الذين كان يعولهم {والصحيح لغةً: يُعيلهُم} المُصاب وحُرِموا من الاعالة بسـبب القتل أو الوفاة )).

وعندما أُقرَ هذا المشـروع في مجلس النواب سـنة 1951 أُعيدَ ترتيب هاتين المادتين فصدرت الاولى بتسـلسـُل المادة (202) بينما صدرت الثانية بتسـلسـُل المادة (203) ومايزال العمل جاريـاً بهما في العراق لحد الآن (سـنة 2012).

 

أهمية البحث:

تكمن أهمية هذا البحث في دراسـتهِ لجدوى المُقارنة بين تأسـيس المسـؤولية المدنية الناشـئة عن الاصابة المميتة وغير المميتة على أسـاس (الخطأ) في الفقه الغربي وعلى أسـاس (المُباشـرة) و (التسـبب) المؤديان الى ايقاع القصاص أو الدية أو الارش أو حكومة العدل في الفقه الاسـلامي، إذ ان المقارنة بينهما لاتكون مُجدية تماماً في حالة تجنب العقائد والطباع الجاهلية للمجتمع العربي قبلَ الدعوة الاسـلامية أو أثناء مرحلتها السـرية. وان الخوض في هذهِ التفاصيل مسـألة متروكة لفقهاء المُسـلمين المحدثين ودُعاتهم، لذا نتجنب التوسـع فيها حفاظاً على المنهج القانوني لهذا البحث. ومع ذلك فالمُقارنة  بين النظامين ممكنة في حالة انتقال المجتمع من نظام قانوني لآخر لمعرفة أهمية النظامين وانعكاسـات تطبيقاتهِ على المُجتمع العراقيّ. الا ان أهمية البحث تبرز لامن خلال المُقارنة فحسـب وإنما من خلال بحث جدواها وأهميتها([11])، فالمُقارنة بين النظامين شـيء ودراسـة جدوى المُقارنة بينهما شـيء آخر تماماً.

فالخطأ كأسـاس للمسـؤولية المدنية التقصيرية في الفقه الغربي وكلفظٌ فيهِ أيضاً يغني، كما تذهب اليهِ مجموعة الأعمال التحضيرية للتقنين المدني المصريّ، عن سـائر النعوت والكُنى التي تخطُرُ للبعض في معرفة التعبير كإصطلاح (العمل غير المشـروع) أو (العمل المُخالف للقانون) أو (الفعل الذي يحظرهُ القانون)([12]) كما تنصرف دلالته الى مجرد الاهمال أو الفعل أو العمد الترك على حدٍّ سـواء([13]). وغنيّ عن البيـان ان سـرد الاعمال التي يتحقق فيها معنى الخطأ في نصوص التشـريع يتعذر جمعهُ في بيـان جامع مانع، ولذا يجب ان يترك تحديده للقاضي المُختص بنظر دعوى التعويض، وهو يسـترشـد في قضائهِ، بما يسـتخلصهُ من طبيعتهِ نهي القانون عن الاضرار من عناصر التوجيه([14]). فثمة واجب مفروض على الكافة بالتعويض يترتب على الكافة بعدم إلحاق الضرر بالغير، ومخالفة هذا الواجب المنهيّ عنهُ يرتب التزاماً على مُخالفتهِ يتمثل بالتعويض لهذا النهيّ والذي يعني التحقق من وجود الخطأ المُسـبب للمسـؤولية التقصيرية([15]).

والخطأ الموجب للمسـؤولية المدنية يمكن تعريفه، في الوقت الحاضر، على انهُ إخلال بواجب قانوني سـابق بدون عذر مع إدراك المُخل اياهُ([16]). والواجب هو مـايفرضهُ القانون والمجتمع بأعرافهِ على كُل فرد بعدم الاضرار بالآخرين والاخلال بهذا الواجب يؤدي الى تقرير المسـؤولية التقصيرية التي نعني بها الالزام بالتعويض المُترتب عن القيام بعمل غير مشـروع ألحق الضرر بالغير([17]).

وقبلَ أن ننتقل الى أسـاس هذهِ المسـؤولية في الفقه الاسـلاميّ لابـُدَّ أن نتوقف عندَ أحكام المادة (203) من التقنين المدني العراقيّ التي تَنصُ على أَنَّ: (( كل فعل ضار بالنفس من ....... يلزم بالتعويضات من أحدث الضرر )) إذ لاحظَ بحق وعدل أحد الكتاب العراقيين عنها عدم وجود أي اهتمام بها من قبل شـراح القانون المدني ([18]). ولذلك نرى ان المادة (202) من التقنين المدني العراقي يجب أن تحظى بإهتمام بالغ ولاسـيما في أسـاسـها وفي تطور تأريخها في الفقهين الغربي والاسـلاميّ. وذلك لان عدول المُشـرع من الفقه الاسـلاميّ الى الفقه الغربي لم يتم فُجأةً وإنما صاحبه تغيير سـياسـيّ واجتماعي شـامل عقب انسـلاخ العراق من الدولة العثمانية وتحرره من هيمنتها وتطلعه الى الاسـتقلال السـياسـي ومواكبة الحضارات الانسـانية الاخرى.

وان كان الأسـاس الذي تبنى عليهِ ضمان الجناية على النفس أو مـادونها في الفقه الاسـلاميّ أسـاس جنائي فإنهُ يتكون من عنصريّ (المباشـرة) و (التسـبب). وتُعرّف المُباشـرة على إنها كل مـا أثرَ في التلف والهلاك وأدى إليهِ بذاتهِ دون واسـطة كالخنق باليد أو الحبل أو الذبح بالسـكين. بينما يُعرّف التسـبب على إنهُ كُل مـا أثرَ في التلف بصورة غير مُباشـرة كشـهادة الزور وحفر الحفرة في الطريق. وإذا تحقق أحد عنصريّ الجناية كانت الجناية عمدية تسـتوجب القصاص مالم يعدل عنها وليّ الدم الى الدية أو العفو عن الجاني.

وإذا تحقق أسـاس الجناية في القتل كانت الجريمة عمدية إذ لايشـترط الفقهاء أن يكون القتل حاصلاً عمداَ بيّد الجاني مُباشـرةً أو تسـبباً. فإذا ذبح الجاني المجنى عليهِ بالسـكين كان قاتلاً لهُ بالمُباشـرة، فهو قاتل لهُ عمداً، وإذا أعدَ لهُ وسـائل الموت أو اتهمهُ بتهمة محكمة بقتل غريم لهُ وهيـأ القرائن وشـهود الزور ضده كان قاتلاً لهُ تسـبباً، وهو كذلك قاتل لهُ عمداً([19]).

ونحنُ إذاً نكون امام نظامين مُختلفين عن بعضهما تماماً. أولهما يسـتمد مصدره من القرآن والسـُنة وثانيهما من القانون الوضعيّ والنظام الاجتماعي والقانوني الغربي الوضعي اللاتينيّ والأنكلوسـكسـونيّ فلابد ان يكون لكلٍ منهما اصولهُ والقواعد الخاصة بهِ، وان دراسـة جدوى المقارنة بينهما تبقى مُحاولة منا للمُفاضلة بينهما آخذين بنظر الاعتبار طبيعة المُجتمع العربي قبلَ الاسـلام وبعده وتأثر المُجتمع الغربي بهِ وبغيرهِ من المُجتمعات الانسـانية على مُختلف الحضارات والأنظمة القانونية وانعكاس هذين النظامين على القانون العراقي ومدى انسـجام المُشـرع العراقيّ مع نفسـهِ ولاسـيما انهُ ألزمَ نفسـه بالدسـتور بألايُشـرّع قانونـاً يتعارض مع ثوابت أحكام الاسـلام (المادة الثانية من الدسـتور العراقيّ الدائم لسـنة 2005).

 

مُشـكلة البحث وخطتهُ:

ثمة اسئلة تُطرح هنا: هل تصحُ المُقارنة بين أسـاسـين مُختلفين يضمن كل منهما، حسـب اصولهِ وقواعدهِ، تعويض المُسـتحقين للتعويض عن جراء الاصابة المميتة وغير المُميتة التي تلحق بأولياء الدم؟ ولاسـيما ان التعويض يُنظر إليهِ في الفقه الغربي، جزاء قائم بنفسـهِ يدعى بالجزاء المدني أو المسـؤولية المدنية ويقوم جنباً الى جنب مع الجزاء الجنائي المفروض عليهِ بموجب قانون العقوبات الذي يعاقب الجاني شـخصياً على ارتكاب مثل هذهِ الجريمة بينما يُنظر الى الضمان في الفقه الاسـلاميّ على أسـاس انهُ عدول عن القصاص (وهي عقوبة أصلية في جرائم القتل العمد الواقعة على النفس ومـادونها) الى الدية (وهي عقوبة في وجه وتعويض في وجهٍ آخر) بإعتبارها عقوبة بديلة عن القصاص في الجرائم العمدية على مـادون النفس.

وهل تصحُ المُقارنة بين أنواع الخطأ في الفقه الغربيّ من خطأ واجب الاثبات وخطأ مفروض قابل لإثبات العكس وخطأ مفروض غير قابل لاثبات العكس وبين العمد في الفقه الاسـلاميّ بِصورتيهِ المُباشـرة والتسـبب؟ ولاسـيما ان أحوال الخطأ في الفقه الغربي وأحوال العمد في الفقه الاسـلامي بِكلتـا صورتيهِ غير محصورة بِبيـان جامع ومانع لها. وكيفَ نتصور حصرها في بيـان خاص في كُل فقه إذا كانت المدرسـة الفقهية التي ينشـأ منها هذا الأسـاس (الخطأ) و (العمد) تطلق عنانها من الحصر أو مُجرد العد؟! إذ يترك، كما أسـلفنا القول، الى القضاء ليتفحص الخطأ كل حالة على حِدة، كما يُترك للقضاء الاسـلاميّ العنان ليتفحص كُل حالة على حِِدة في الجنايات أيضاً ليتمكن من معرفة وجود الجريمة إذ الجريمة والعقاب في الفقه الاسـلامي مُتحررة من النص المُنشـا لها([20]) ولاسـيما في التعازير([21])، وهذهِ ميّزة خاصة بالشـريعة، ومـادامَ الأمر كذلك، فإنَ تقدير الجريمة والعقاب في الفقه الاسلامي كمثل تقدير الخطأ في المسـؤولية المدنية في الفقه الغربي يترك، في غير المنصوص عليهِ، لتقدير ولي الامر (السـلطان) وللقاضي المنصوب الذي يحكم بإسـم الشـرع الشـريف. وهذا أمرٌ يحتاج الى بُعُد نظر وحدة الرأي. فهل تصحُ المُقارنة بين أسـاسـيّ هذين النظامين. ومـاجدوى المُقارنة بينهما؟ ولما كان المُقابل الذي يحصل عليهِ المُسـتحقين من جراء هذهِ الجريمة يتفاوت مُقداره ونوعه تبعاً للأسـاس المُتخذ فيها، فهل يصحُ مُقارنة الدية والارش وحكومة العدل في الفقه الاسـلاميّ مع التعويض المدني سـواء أكان مادياً أم معنوياً من جراء العمل غير المشـروع في الفقه الغربيّ؟ وهذهِ كانت مشـاكل البحث أوجزناها وذلك في بضعة السـطور لِنُحاول مُعالجتها بإسـتفاضة في الفقه اللاتيني وبعجالة في الفقه الأنكلوسـكسـونيّ في مبحثين نطرح كل واحد منهما على شـكل قضية القصد من طرحها السـير في أغوار الفقه الاسـلاميّ والتمعن في جوهر النظام الغربي اللاتيني في المسـؤولية التقصيرية والتعرف على خصوصية كل واحد منهما ومعرفة نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما، وعلى النحو الآتي:

 

E   المبحث الأول: تأسـيس المسـؤولية المدنية الناشـئة عن القتل أو الاصابة الجسـدية على عنصر (الخطأ) في الفقه الاسـلاميّ والقانون العراقيّ.

E   المبحث الثاني: مقارنة ضمان النفس أو مـادونها في الفقه الاسـلاميّ مع تعويض الاصابة الجسـدية وغير المُميتة في الفقه الغربي.

E   فإذا أكملنـا هذين المبحثين وصلناها بكلمة خاتمة لهذا الموضوع.

المبحث الأول

تأسـيس المسـؤولية المدنية الناشـئة عن القتل أو الاصابة

الجسـدية على عنصر (الخطأ) في الفقه الاسـلاميّ والقانون العراقيّ

 

يحظى تعويض الضرر عن القتل أو الاصابات الجسـدية بِأهمية بارزة لم يكُن يحظى بهِ في الماضي. ويعودُ سـبب ذلك الى زيادة أعداد المُتضررين في الحوادث الجسـدية وزيادة حجم الاضرار نتيجةً لزيادة وتعقد أسـبابها([22]) ومن أهمها ازدياد وتيرة الجرائم المُنظمة وغير المُنظمة الارهابية وغير الارهابية في المُجتمع.

وقد كان للشـرائع السـماوية عموماً وللشـريعة الاسـلامية خصوصاً دورٌ بارزٌ في مُعالجة هذا الموضوع وذلك بفرض الدية الالزامية في حالة القتل الخطأ على النفس والارش في حالة الجناية على ما دون النفس والتعويض القضائي المُسـمى (حكومة العدل) في حالة الاصابات الجسـدية المؤلمة([23]). وقد اسـتمدَ المُشـرع المدني العراقيّ معظم أحكامهِ من مبادىء الشـريعة الاسـلامية ولاسـيما في الأعمال غير المشـروعة الواقعة على المال والغصب والاكراه والاتلاف إلا إنهُ عندما عالج الأعمال غير المشـروعة التي تقع على النفس وما دونها نجدهُ قد اسـتعملَ مُصطلحات الفقه الغربي واستمد احكامه منه إذ نصت المادة (202) من التقنين المدني العراقي على ان: (( كل فعل ضار بالنفس من قتل أو جرح أو ضرب أو أيّ نوع آخر من أنواع الايذاء يُلزم بالتعويضات من أحدث الضرر )). بينما أَخَذَ المُشـرع المدني الاردني الى اسـتخدام مُصطلحات الشـريعة الاسـلامية في معالجة ضمان الجنايات الواقعة على النفس وتقيد بها أيضاً([24])، إذ نصت المادة (273) من التقنين المدني الأُردنيّ على ان: (( مـايجب من مال في الجناية على النفس ومـادونها ولو كان الجاني غير مميز هو على العاقلة أو للمجنى عليهِ أو ورثتهِ الشـرعيين وفقاً للقانون )).

وإذا إنتقلنـا الى تقنين آخر –مُتأثر بأحكام الفقه الاسـلاميّ- وهو التقنين المدني اليمنيّ نجدهُ يتوسـط بين النـزعة الغربية للمسـؤولية عن الأعمال الشـخصية([25]) وبين النـزعة الفقهية الاسـلامية للمؤاخذة عن الجنايات الواقعة على النفس أو مـادونها([26]). فقد نصت المادة (307) من التقنين المدني اليمنيّ على ان: (( كُل فعل أو ترك غير مشـروع سـواء كان ناشـئاً عن عمد أو شـُبه عمد أو خطأ إذا سـبَبَ للغير ضرراً يلزم مَنْ ارتكبهُ بتعويض الغير عن الضرر الذي أصابهُ ولايخل ذلك بالعقوبات المُقررة للجرائم طبقاً للقوانين النافذة )). لِذا ارتأَينـا بحث هذا الموضوع في مطلبين: نُخصص أولهما لتأسـيس المسـؤولية الناشـئة عن جنايات النفس ومـادونها في الفقه الاسـلاميّ، ونُكرس ثانيهما لتأسـيس المسـؤولية الناشـئة عن القتل أو الاصابة الجسـدية في القانون العراقيّ.

 

  

المطلب الأول

أسـاس المسـؤوليتين المدنية والجنائية في الفقهين

الغربيّ والاسـلاميّ وتطور تعاقبهما على القانون العراقيّ

 

الفرع الأول

أسـاس المسـؤولية الناشـئة عن جنايات النفس ومـادونها في الفقه الاسـلاميّ

 

للجناية على النفس صورٌ مُختلفة عندَ الفقهاء المُسـلمين بإختلاف قصد المسـؤول، والغاية منها إرسـاء مبدأ المسـؤولية الشـخصية عن العمل غير المشـروع، إذ كان الفرد، في مرحلة مـاقبلَ الاسـلام، مُعرضاً لأنْ يقتل دونَ أن يكون قاتلاً، وذلك لإنتشـار عادة الأخذ بالثأر والتي مـازالت مُتأصلة في مُعظم دول العالم الثالث لغاية هذا اليوم، إذ كانت المسـؤولية جماعية لاشـخصية([27]). فلما جاءَ الاسـلام ألغى هذا الخضوع للقبيلة وأبرزَ المسـؤولية الشـخصية وأصبحَ الانسـان مسـؤولاً عن عملهِ هو لا عن عمل غيرهِ([28]) (( مَنْ اهتدى فإنما يهتدي لنفسـهِ ومَنْ ضلَ فإنما يضلُ عليها، ولاتزر وازرةٌ وزر أُخرى، ومـا كُنا مُعذبين حتى نُبعث رسـولا ))([29]). وجاءَ في الكتاب الكريم أيضاً (( كُل امرىء بما كسـب رهين ))([30]).

ولو تتبعنـا هذهِ القواعد ، على القدر المُسـتطاع، لوجدناها في أغلبها تعالج جوانب جنائية في هذا العمل والتي اقتصرت على مباحث القانون الجنائي في عصرنا الراهن، ومردُ ذلك يعود الى تأكيد الشريعة الاسلامية على ارسـاء مبدأ المسـؤولية الشـخصية في الجنايات والعقوبات، والذي ترتبَ على إرسـائهِ واسـتقرارهِ انبثاق المسـؤولية المدنية من كنفها. فقد ذهب الحنفية وقسـم من الحنابلة الى تقسـيمها الى اربع صور، وهي: العمد وشـُبه العمد والخطأ ومـاجرى مجرى العمد([31])، بينما ذهبَ البعض من الفقهاء الى تقسـيم الجناية مُباشـرةً الى صورتين هما العمد والخطأ، فمتى اقترن الفعل بالقصد كان الفعل عمداً وان تخلف كان خَطأً ولا ثالث لهذا التقسـيم عندهم([32]).

ولايخفى في القتل العمد مبناه على ارادة القاتل في إزهاق روح المقتول، وهذا يتطلب منهُ الادراك، وقد تبنى الفقه اللاتيني هذا العنصر وجَعَلَهُ أسـاسـاً لكُل مسـؤولية مدنية([33]) وأوجَبَ على المضرور ان يثبت توافره ولاسـيما توافر ركن الادراك عندَ المسـؤول وقت ارتكابهِ للعمل غير المشـروع الُمسبب للاصابة أو الوفاة، كما ألزَمَ أيضاً بإثبات تعديهِ أي ارتكابهِ عملاً مادياً غير مشـروع كأن يكون قتلاً أو ضرباً مفضياً الى الموت أو جرحاً يُسـبب عاهة مُسـتدية ونحوه، وهذا مـايُسـمى بِشـقيهِ الماديّ والمعنوي بـِ(الخطأ واجب الاثبات). وتدور المسـؤولية وجوداً مع وجود (الخطأ) وتنعدم المسـؤولية في الفقه الغربي بإنعدامهِ([34]).

بينما لو انتقلنـا الى الفقه الاسـلاميّ لوجدنـا أنَ أسـاس جريمة القتل العمد هي العمدُ في إحداثها، وهذا الأسـاس، كما نعلم، أسـاس جنائيّ وليس مدنيّ في أصلهِ. فمَنْ أرادَ القتل عمداً (وهذا عمل غير مشـروع) فعليهِ أن يكون في احداثهِ لنتيجة مُباشـَرَةً (وهو عمل جنائي)، كأن يطعن المجنى عليهِ بسـكين أو خنجر أو يُطلق عليهِ الرصاص أو أن يكون محدثاً لهُ تسـبباً (وهو تصور جنائي أيضاً) كمَنْ يحفر حفرة في أرضهِ بقصد قتل زائرهِ ولاسـيما إذا كان ضريراً أو مُتقدماً في السـّن، أو كَمَنْ يشـهد شـهادة زور أو شـهادة مُحوَّرة تؤدي في نتيجتها الى إهدار حيـاة المشـهود عليهِ قصداً وإصدار الحُكُم ضده بالموت بأيّ وجهٍ من الوجوه([35])، أو كَمَنْ يُكره شـخصاً على ارتكاب جريمةٍ مـا من الجرائم وهذهِ هي صورة التسـبب الايجابية لجناية القتل وتقوم معها صورة أُخرى للقتل تسـبباً وبفعل سـلبيّ ومن أمثلتها عدم تحويل سـكة القطار في نقاط إلتقاء السـكك الحديد التي تسـير عليها القاطرات أو عدم إعطاء اشـارة الضوء الأحمر ممّن هو مسـؤول عن ذلك، الأمر الذي يؤدي الى خروج القطار وانفلاتهِ عن سـكة الحديد أو حدوث الاصطدام المؤدي الى وفاة أو اصابة بعض الرُكاب فيهِ. وفي هذهِ الحالة يُسـأل جنائيـاً ومدنيـاً كل مسـؤول عن هذهِ النتيجة تسـبباً، وهذهِ النتيجة حصلت إمـا عمداً منه أو تقصيراً بسـببهِ وكِلا الحالتين تحتاج الى إثبات ركنيّ الخطأ من تحقق الضرر وخطأ المسـؤول فيها. ويُلاحظ على المسـؤولية الشـخصية في الفقه الاسـلاميّ إنها مسـؤولية جنائية محضة ولاتفرد قواعد منفصلة للمسـؤولية المدنية، كما نُطلقُ عليها في عصرنـا الراهن، إلا بقدر (الدية) و (حكومة العدل) ويعودُ مرد ذلك، كما أشأرنا اليه من قبل، الى ارسـاء مبدأ المسـؤولية الشـخصية عن الأفعال الارادية الذاتية في الفقه الاسلامي([36]). والحقيقة لقد اسـتفادت الشـرائع الوضيعة الغربية من اسـتقرار فكرة المسـؤولية الشـخصية للجاني وطورتها في الوقت الذي أغلقت فيهِ بعض المذاهب الاسـلامية باب الاجتهاد فإسـتفاد فقهاء الغرب من ثمرات الفقه الاسـلامي وان لم نكُن ننكر وجودها في الشــرائع السـابقة على الاسـلام أيضاً([37]). لذلك إذا اتخذنـا شـطر الفقه الغربي الحديث لَنَجدهُ قد ميّزَ بوضوح بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية وأقام الأخيرة على أسـاس (الخطأ واجب الاثبات). وبموجب هذا الأسـاس يكون على المُدعين أثبات تعديّ المضرور ضدهم وإدراكهِ لفعلهِ وقت اقترافه.

ولو تتبعنـا المسـؤولية الناشـئة عن جريمة القتل في الفقهين الاسـلامي والغربي وعلى الرغم من شـدة تباعدهما نجد ان كُلاً منهما يؤسـس المسـؤولية الجنائية على وجوب توافر الفعل الجرمي المحظور المقترن بالنية في ازهاق الروح والذي بدورهِ كما يتصورهُ كِلا الفقهين يتكون من العنصرين المادي (أيّ التعدي) (ارتكاب الجريمة) والمعنوي (أيّ ادراك الجريمة بخطورتها ونتيجتها) أسـاسـاً للحُكُم. فالعنصرين لابدَ من توافرهما شـرطاً لإيقاع العقوبة الجنائية في الفقه الاسـلامي ولتقدير التعويض المدني أيضاً في الفقه الغربي([38]) الذي ميّزَ بوضوح بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية.

 

المقصد الثاني

أهمية التمييز بين الخطأ المدني والخطأ الجنائي

 

موقف الفقه اللاتيني من هذا التمييز:

للبحث عن أهمية التمييز بين الخطأ المدني والخطأ الجنائي في الأعمال الضارة الواقعة على جسـم الانسـان أهمية كُبرى في الزمن الماضي الى أن تلاشـت أهميتها بقرار محكمة النقض الفرنسـية الصادر في 15/كانون الأول (ديسـمبر)/1912. فالقائلون بإختلاف ماهية الخطأ في المسـؤوليتين الجنائية والمدنية يرتبون نتيجة عليها هي صنع فكر قديم مضمونها عدم تقيد المحكمة المدنية بحكم المحكمة الجنائية لإختلاف ماهية الخطأ الجنائي عن ماهية الخطأ المدني. وبمعنى آخر إذا قضت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم من القتل أو الجرح أو الضرب بسـبب عدم وقوع خطأ أو إهمال منهُ يسـتوجب محاسـبتهِ جنائيـاً فإنَ هذا الحكم لايمنع المحكمة المدنية من الحكم عليهِ بالتعويض إذا مـا رأت انه قد صدرَ من المُدعى عليهِ خطأً يكفي لقيام مسـؤوليتهِ المدنية عن تعويض القتل أو الاصابة الجسـدية وإن كان ذلك الخطأ غير كافٍ لقيام المسـؤولية الجنائية([39]). أمـا إذا قيّلَ بوحدة الخطأ الجنائي والمدني فإنَ الحكم الصادر من المحكمة الجنائية يُقيد المحكمة المدنية فلا تسـتطيع أن تقضيّ بالتعويض إذا حكمت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم من جريمة القتل أو الجرح أو الضرب لإنعدام وجود الخطأ الجنائي([40]).

إنَ أنصار التمييز بين الخطأ الجنائي والخطأ المدني يسـتندون الى الوجهة التأريخية التي يتبعها كل قانون في تأسـيس المسـؤولية. فالقانون الجنائي يُعنى بالتجريم والعقاب وردع الجاني وغيرهِ من الناس على اقتراف هذهِ الجريمة كيّ لايغفل كل فرد من إتخاذ الاحتياط الواجب عليهِ اتخاذه حتى لايُضار سـواه. بينما تقوم الوجهَ التأريخية للمسـؤولية في القانون المدني على تقسـيم الخطأ المدني الى ثلاثة أقسـام مختلفة، فهناك الخطأ الجسـيم والخطأ الهام والخطأ اليسـيّر، وهم يقولون ان الخطأ المدني تترتب عليهِ المسـؤولية المدنية أيّ التعويض ولو كانَ يسـيراً أمـا الخطأ الجنائي فلا ينهض إلا إذا بلغَ المسـؤول حداً من الجسـامة التي تسـتوجب مسـؤوليتهِ الجنائية والتي تتطلب تدخل المشـرع الجنائي في تجريمها والمُعاقبة عليها قبلَ وقت ارتكابها والوصول الى نتائجها الجرمية النهائية (أيّ تنفيذها).

وكان القضاء الفرنسـيّ وعلى رأسـهِ محكمة النقض الفرنسـية أمينةً على هذهِ التفرقة بين الخطأ المدني والخطأ الجنائي حيث كان يسـتوجب على أن يكون الخطأ قد بلغَ حداً من الجسـامة كيّ يُعتبر خطأً جنائيـاً وظلَ الحال على هذا المنوال حتى ميعاد صدور حكم محكمة النقض الفرنسـية في 15/كانون الأول (ديسـمبر)/1912 الذي قضى بوحدة الخطأ المسـتوجب للمسـؤوليتين المدنية والجنائية.

إذْ عُرِضت أمام القضاء الفرنسـيّ قضية تتلخص ظروفها في ان مُقاولاً قامَ بتركيب مصعد كهربائي في أحد المنازل. وفعلاً قامَ بتركيب المصعد ولم يبقَ إلا تثبيت بعض الأجزاء. ولذلك لم يكتمل تركيبه ممّا حدا بالمُقاول الى أن حظرَ اسـتعماله حتى يتم إنجاز العمل. ووضع لهذهِ الغاية كُتلاً من الخشـب في مقدمة باب هذا المصعد لمنع صعود أيّ شـخص فيهِ ضماناً للسـلامة، وفي ذات ليلة رفع شـخص مجهول هذهِ الكُتل. وفي الصباح رأى أحد عُمال المُقاول ان الكُتل الخشـبية قد أُزيلت فظن ان نصبه قد إكتمل وأصبح مُباحاً اسـتعماله وفعلاً صعدَ فيهِ بصحبة شـخصٍ آخر، ولكن مـا كادَ المصعد يرتفع طابقاً واحداً حتى هوى الأرض وأُصيبَ ذلك الشـخص بإصابات جسـيمة. قُدِمَ العامل للمُحاكمة الجنائية فحُكِمَ عليهِ إبتدائيـاً بإدانتهِ جنائيـاً لإحداثهِ إصابات جسـدية بجسـم شـخص آخر نتيجة إهمالهِ وعدم احتياطهِ. ولكن المحكمة الاسـتئنافية قضت ببراءتهِ من التهمة المنسـوبة إليهِ لأنهُ كان يعتقد ان اسـتعمال المصعد أصبحَ مُباحاً للجميع نظراً لإرتفاع الكُتل الخشـبية الموضوعة أمام بوابة المصعد، وفي هذهِ الظروف قضت المحكمة الاسـتئنافية ببراءتهِ من المسـؤولية الجنائية إلا إنها ألزمتهُ بمسـؤوليتهِ المدنية عن التعويض وفق أحكام المادة (1382) من التقنين المدني الفرنسـيّ.

طُعِنَ في الحكم تمييزاً أمام محكمة النقض الفرنسـية فقضت المحكمة المذكورة بإلغاء حكم البراءة الجنائية وقضت بوحدة الخطأ الموجب للمسـؤوليتين المدنية والجنائية وأوجبت مُسـائلة العامل جنائيـاً عن عدم احتياطهِ في اسـتعمال المصعد موضوع الدعوى.

وإن كُنـا نتفق مع وجهة نظر القضاء الفرنسـيّ ولاسـيما ان العمل غير المشـروع قد تترتب عليهِ المسـؤوليتين المدنية والجنائية معاً كالمسـؤولية عن القتل أو الجرح أو الضرب أو القذف إلا إنهُ قد تترتب عليهِ، في بعض الأحيان، مسـؤولية واحدة دون أُخرى مثل حمل سـلاح ناريّ مُخبأ وضرب الاشـارة المرورية وكِلتاهما من قبيل الأخطاء الجنائية. وقد تتحقق المسـؤولية المدنية دون المسـؤولية الجنائية كما في حالة لهو طفل صغير غير مميز جنائيـاً بمُسـدس والدهِ وخروج رصاصة منهُ ظنناً منهُ انها كانت لعبة فتُصيب والدته بجروح عميقة أو ان يفتح مجنوناً باباً لإسـطبل يُحبس فيهِ ثور هائج فيُصاب أحد المارة بجروحٍ ناتجة من نطح قرونهِ. وهنـا يختلف الخطأ المدني عن الخطأ الجنائي([41]).

وكذلك يختلف الخطأ المدني عن الخطأ الجنائي في ماهيتهِ أيضاً. فليس كل خطأ مدني بالضرورة خطأ جنائي وليس العكس صحيحاً أيضاً. إذْ إنَ هناكَ أخطاءً مُفترضةً بقرائن، كقرينة الاهمال في رقابة القاصرين (المادة 218 مدني عراقي) والتابعين (المادة 219 مدني عراقي) وفي حراسـة الحيوان (المواد من 221 الى 226 مدني عراقي) والبنـاء (المادتين 229-230 مدني عراقي) والآلات (المادة 231 مدني عراقي). أمـا المسـؤولية الجنائية فلا تكون إلا عن خطأ مُسـند الى المتهم شـخصياً، فلا يُصح ان تُقام دعوى التعويض المدنية أمام المحاكم الجنائية ضد المُتهم نفسـه إلا عن الخطأ الجنائي الشـخصي المسـتوجب مسـؤولية الفاعل الجنائية (اي مسؤوليته الشخصية) بمقتضى قانون العقوبات النافذ ومسـؤوليته المدنية بالتبعية لها. أمـا المحكمة الجنائية فلا يمكنها الحكم بثبوت الخطأ المدني المُفترض على الجاني والذي لايُرتب تحققه تحقق أثر الخطأ الجنائي موضوع الدعوى المنظورة ضده([42]).

فنخلص ممّا تقدم الى ان ماهية الخطأ المدني لاتتطابق مع ماهية الخطأ الجنائي إلا إذا كان الفعل غير المشـروع جنائيـاً ومدنيـاً يُعّد فعلاً شـخصياً وأسـاسـه خطأ شـخصي واجب الاثبات وليس خطأً مفترضاً تجاه المتهم. إلا إنهُ يترتب على وحدة الخطأ الشـخصي المدني والجنائيّ([43]) خمسُ نتائج:

§   النتيجة الاولى: جواز اجتماع المسـؤوليتين الجنائية والمدنية على نفس الجاني إذا ثبتَ انه ارتكبَ عملاً                  غير مشـروع مُعاقبـاً عليهِ بعقوبة جنائية أو أدى الى إلحاق الضرر بالمُجنى عليهِ، مالم                  يكُن هذا الفعل ناشـئاً عن دفاع شـرعيّ عن النفس (المادة 212 مدني عراقيّ).

§   النتيجة الثانية: جواز صدور الحكم بالعقوبة الجنائية وبالتعويض المدني من المحكمة الجنائية نفسـها وذلك                  عندما يكون الخطأ المنشـأ للمسـؤوليتين خطأً شـخصياً أُدينَ الجاني بموجبهِ.

§     النتيجة الثالثة: جواز عدم تقيد المحكمة المدنية بحكم المحكمة الجنائية التي فصل فيها دون ضرورة على          الرغم من وحدة الخطأ في كِلا المسـؤوليتين (المادة 206 مدني عراقيّ والمادة 227/ج قانون أُصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل).

§   النتيجة الرابعة: وجوب الحكم بتضامن المسـؤولين عن دفع التعويض الناشـىء عن الخطأ المدني بوجهِ                   عام وفي جنايات القتل أو الجرح أو الضرب أو في حوادث العمل والسـيارات والألعاب                   الرياضية غير الجنائية بوجه خاص (المادة 217 مدني عراقيّ).

§        النتيجة الخامسة: جواز إحالة المحكمة الجنائية لدعوى التعويض الى المحاكم المدنية المختصة عندما لايكون                    الفصل فيها ناشـئاً عن ارتكاب الجريمة موضوع الدعوى أو عندما يكون الفصل فيها                    يتجاوز نطاق الخطأ الشـخصيّ للجاني الى خطأ مُفترض يتطلب الفصل فيهِ الخروج                    عن موضوع الدعوى الجنائية ( المادة 19 من قانون اصول المحاكمات الجزائية المذكور).

 

المقصد الثالث

الظروف السـياسـية والاجتماعية التي

أدت بالمُشـرع العراقيّ الى تبنيّ منهج الفقه اللاتينيّ

 

بدأت النعرة القومية تظهر في أواخر الدولة العثمانية فجاهرَ التُرك والعرب على حدٍ سـواء بطلب الاصلاح([44])، وقد بقيت نفسـية الشـعب التركيّ منذُ ذلك الحين طموحةً الى التجديد، والى ترك التقاليد الموروثة([45])، وكانت الدولة العثمانية مُنتبهةً الى تلك الأوضاع تحسـب لها الحسـاب، ومن بين احدى حسـاباتها إعادة النظر في قوانينها وتجديد القديم منها بما يتلائم مع أوضاعها الداخلية.

فبدأت تلك الدولة بتبنيّ النظريات القانونية الاوربية ولاسـيما المُتعلقة منها بالأعمال غير المشـروعة على جسـد الانسـان، إذ سـنَّت قانونـاً للجزاء سـنة 1327هـ (1908م)([46]) والذي تمَ بموجبهِ التمييز الفعلي بين الجزاء الجنائيّ (أيّ العقوبة) وبين الجزاء المدنيّ (أيّ المُطالبة بالتعويض)، وهذا هو ديدن القانون الفرنسـيّ ولاسـيما ان تحميل الجاني عقوبة المسـؤوليتين الجنائية والمدنية، إنما هومن صنع مدرسـة الفقه الغربي فلو تبنتهُ مدرسـة أُخرى، فهذا يعني إنها قد اقتبسـت أصولاً أجنبية وأدخلتها في قانونها الوطني، وهذا مـا قامت بهِ الدولة العثمانية نفسـها. لذلك نجد المادة (171) من قانون الجزاء العثماني المذكور قد نصت على مايأتي: (( بما ان الحكم القانوني لايُسـقط الحقوق الشـخصية فإذا كان للقتيل ورثة حولت دعواهم في الحقوق الشـخصية الى المحاكم الشـرعية بنـاءً على دعواهم ))([47]) كما نصت المادة (177 المُصححة منهُ) على ان: (( مَنْ أقدمَ على ضرب أو جرح أو على فعلٍ آخر مؤثر يؤدي الى قطع عضو او كسـرهِ أو تعطيلهِ عن العمل أو الى مرضٍ بعلةٍ أُخرى دائمة تؤخذ منهُ المصاريف الجراحية ويُعاقب بالكورك المؤقت. وإذا أحدثت الافعال المذكورة عمداً لايكون عقاب الكورك أقل من سـت سـنين ))([48]) وكذلك مـا تضمنتهِ المادة (187 المُصححة منهُ) أيضاً على انهُ: (( إذا جرحَ شـخص آخر أو ضربهُ أو فعلَ معهُ فعلاً مؤثراً بصورة توجب تعطيله عن عملهِ أكثر من عشـرين يوماً أو مرضهِ يُحبس من ثلاثة أشـُهر الى سـنتين ويؤخذ {والصحيح لغةً: وتُؤخذ} منهُ مصاريف الجراحة أو مـايُعادل الربح الذي يربحهُ المجروح والمضروب حال صحتهِ أو الاجرة التي يتناولها ويعطيّ ذلك الى المجروح والمضروب وإذا تبيّن إنهُ فَعَلَ ذلك عن قصد وتصميم سـابقين لاتكون مُدة الحبس أقل من سـنة ))([49]).

والواضح من هذهِ النصوص انها تميز بين المسـؤوليتين المدنية والجنائية وتحميل الجاني بتائجها والتي أدت الى تهيئة انقلاب –خفي- في النظام القانوني للدولة العثمانية والذي سـبقَ انحلالها وزوالها بعقد أو أكثر من الزمان.

فلما انتهت الحرب العالمية الاولى بإنتصار الحُلفاء على ألمانيـا وحليفتها الدولة العثمانية انتصرت الحركة الوطنية برئاسـة مصطفى أتاتورك، فظهرَ اصلاحه السـياسـيّ بشـكل قومي علمانيّ جديد يرميّ الى هدم الخلافة ومُحاربة كُل مـاهو غير تركيّ([50]). ولقد ترتبَ على حل الدولة العثمانية وإنسـلاخ الدول العربية من ولايتها نتائج قانونية وسـياسـية واجتماعية عظيمة كان من بينها اقتراب الدول العربية من النظم القانونية والاجتماعية الاوربية، وكان العراق من بين احدى تلك الدول. ولم يقتصر هذا الأمر على الدول العربية فحسـب بل سـبقتها تركيـا طبعاً، إذ ألغت الخلافة وخلعت الخليفة، وحرمت الخليفة المخلوع وأفراد أُسـرتهِ وأصهارهم من الاقامة في الدولة التركية الحديثة، وحولت الخلافة الى جمهورية([51])، وسـنَّتْ قانونـاً مدنيـاً عممتهُ بدل مجلة الأحكام العدلية وبدل الأحوال الشـخصية اقتبسـتهُ من القوانين الاوربية([52]). كما سـنَّتْ قانونـاً للوجائب في 3/نيسـان/1926 والذي تبنى فيهِ المشـرَّع التركيّ فكرة (الخطأ الواجب الاثبات) كأسـاس للمسـؤولية المدنية وهي فكرة لاتينية المصدر لايسـتقيم وضعها إلا على أسـاس التمييز بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية وجواز اجتماع عاقبة المسـؤوليتين على الجاني سـويةً جزاء مـا إقترفهُ من جناية فعلهِ غير المشـروع وهذا كله من مظاهر الفقه اللاتيني كما نعلم. فنجد ان المادة (41) من قانون الوجائب قد نصت على ان: (( مَنْ سـَبَبَ ضرراً لشـخصٍ آخر يضمنهُ سـواء أكان عن قصد أو عن إهمالهِ أو تسـببَ ولعدم تدبير بصورة غير محقة (43 ومـابعدها 98) ))([53]). وفي الاصابات الجسـدية نجد ان قانون الوجائب يقضي في المادة (46) منهُ على ان: (( مَنْ صارَ مُصاباً بِضررٍ جسـمانيّ أن يطلب ضررهُ وخسـارهُ وجميع مصاريفهِ المتولدة من عدم اقتداره على السـعيّ كُليـاً أو قسـماً وعمّا سـيكون عرضةً لهُ من الحرمان الاقتصادي. وإذا لم يكُن تعيين نتائج الضرر الجسـماني بقناعة وبدرجة كافة أثناء صدور الحُكُم فللحاكم الاحتفاظ بصلاحيتهِ التدقيقية في بحر سـنتين إعتباراً من تأريخ تفهيم الحُكُم ))([54]).

ولم يكُن العراق بعيداً عن هذهِ الظروف السـياسـية والاجتماعية والقانونية المُحيطة بهِ. ولكن مـايُميز التحول فيهِ عن تحول بقية الدول المُنسـلخة من الدولة العثمانية هو إجبارهِ والأدق ارهابهِ على تبنيّ نظريات الفقه الغربي السـياسـية والاجتماعية والقانونية.

ولايُعتبر إبرام العراق لاتفاقية عام 1922 مع بريطانيـا المعروفة بالاتفاقية العراقية البريطانية الاولى تبنيهِ الاختياريّ لنظريات الفقه الغربيّ في القانون وإنما هي مظهر خفيّ من مظاهر التأثير على تبنيّ تلك النظريات إذ ان فرضها هو حُكُم مفروض عليهِ أكثر ممّا هو تراضٍ بين دولتين مُتكافئتين، إذ فرضَ الانتداب البريطانيّ نوعاً من السـيادة عليهِ وكان من ضمن نتائجها فرض المُعاهدة العراقية البريطانية الاولى عليهِ أو التضحية بِلواء الموصل وكانت احدى الاتفاقيات المُنضوية تحتها الاتفاقية العدلية المعقودة طبقاً للمادة التاسـعة من المُعاهدة المذكورة آنفاً([55]) والتي قضت على المُحافظة على الامتيازات القضائية لرعايا الدول الاوربية والأمريكية في الدولة العثمانية (المادة الاولى منها)([56]) كما قضت على أنْ يكون للأجانب الحق في طلب تعيين حاكماً بريطانيـاً أو أكثر في النظر في الدعاوى المدنية المُقامة ضدهم عندما تتجاوز قيمتها حداً مُعيناً من المال نصت عليهِ (المادة الثانية/د منها)([57]).

ومن الواضح أنه أصبحَ في العراق نظامين قانونيين مُختلفين لمُعالجة كافة القضايا ومن ضمنها الاصابات الجسـدية والتعويض عنها أحدهما خاص بالأجانب وثانيهما خاص بالعراقيين. الأول يخضع لأحكام الامتيازات القانونية والقضائية المُقررة للأجانب والتي تقضيّ بتطبيق الشـريعتين اللاتينية والأنكلوسـكسـونية على الوقائع المطروحة للنـزاع ومن ضمنها تعويض الاصابات الجسـدية طبعاً([58]) والثاني يخضع لسـُلطان الشـرع الشـريف ولاسـيما في جنايات القتل والجرح والضرب وفي الحدود التي حددها القانون العثماني والتي يقتصر نفاذها وإعمالها على المواطنين العراقيين (المادة 114 من القانون الأسـاسـيّ العراقيّ لسـنة 1925 المُلغى).

وفي سـنة 1930 تمَ إلغاء الامتيازات القانونية والقضائية الاجنبية في العراق بمقتضى المعاهدة البريطانية الثانية (الاتفاقية العدلية منها) والتي ألزمت العراق بتطبيق نظام قانوني وقضائي موحد على جميع رعاياهُ والأجانب على حدٍ سـواء (المادة الاولى منها)([59]). وكانت من احدى النتائج الضمنية لتطبيق أحكام هاتين المُعاهدتين هي الفصل بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية والتمييز قانونـاً بينهما وتحميل الجانيّ عاقبة جنايتهِ وإحلال الأفكار الاوربية بشـأن التعويض المدني محل القواعد الفقهية المعروفة في هذا الصدد.

وعلى ضوء هذهِ الظروف السـياسـية والاجتماعية والدولية أصدرَ المُشـرع العراقيّ قانون ذيل قانون أُصول المُحاكمات الحقوقية في الضمانات وكيفية الحُكُم بها رقم (54) لسـنة 1943 والمعروف وقتذاك بقانون الضمانات وهو مُلغى حاليـاً بالمادة (1381/3) من التقنين المدنيّ العراقيّ النافذ. والذي أكدَ على حلول التعويض المدنيّ محل الدية والارش وحكومة العدل بصورة نهائية([60]).

وهكذا يتبين لنـا، ان قانون الضمانات رقم (54) لسـنة 1943 المُلغى لم يكُن هو القانون المُسـتحدث للتعويض المدنيّ كما لم يكُن هو القانون المنشـىء للتمييز بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية وإنما كان لاحقاً على التشـريعات التي سـبقتهُ الدولة العثمانية القديمة والدولة التركية الحديثة في تبنيها وتطبيقها وإعمالها على الوقائع الجديدة التي تفرزها ظروف مُجتمعاتها.

المطلب الثاني

تأسـيس المسـؤولية المدنية الناشـئة عن القتل والاصابة الجسـدية

 

الفرع الأول

المُقارنة بين أسـاس الخطأ القانوني وأسـاسـه الشـرعيّ

 

عندمـا نُحدد أسـاس المسـؤولية الناشـئة عن الموت أو عن الاصابات الجسـدية فيُمكننـا أن نُحدد المركز القانوني للمُتقاضين، كما يُمكننـا تحديد أتجاه الإجراءآت القضائية المُترتبة عليها وعبء الاثبات فيها.

والحقيقة لقد استقر اتجاه المُشـرع العراقيّ نحو تبنيّ قواعد الفقه الغربي عندمـا شـرعَ قانون ذيل قانون أًصول المُحاكمات الحقوقية في الضمانات وكيفية الحُكُم بها رقم (54) لسـنة 1943 (المُلغى)، فقد نصت المادة (الاولى) منهُ على انهُ: (( مَنْ أحدثَ ضرراً أو مرضاً أو أيّ ضرر في جسـم شـخصٍ آخر أو في بعض أعضائهِ فأقعدهُ عن العمل بصورة دائمة أو مؤقتة يكون مُلزماً بضمانٍ مـا فإنَ ذلك الشـخص ومـا عسـى أن يفوته من الارباح المُحتمل أن تأتيهِ عن عملهِ الاعتيادي وذلك علاوةً على النفقات الضرورية للتداوي. وإذا كان الفعل الضار قد سـببَ تشـويهاً في أعضاء الجسـم الظاهرة فيُحكم بِتعويض مُناسـب بصورة مُسـتقلة أو اضافةً الى مـا سـبق ذكرهُ من ضمانات )). كما نصت المادة (الثانية) من القانون نفسـه على انهُ: (( إذا توفى الشـخص بسـبب الفعل الضار فيلزم الفاعل أو المُتسـبب بضمان الاضرار المادية التي لحقت بالأشـخاص الذين حُرموا من إعالتهِ لهم بسـبب الوفاة، أمـا إذا كان المتوفى ممّن يعيل أحداً فيلزم الفاعل أو المُتسـبب بتعويض ورثتهِ فقط )). والأسـاس الذي تُبنى عليهِ في هذا القانون هو الخطأ المفترض في ذمة المسـؤول المدعى عليهِ.

وقد أكدَ المُشـرع العراقي تبنيهِ لأحكام الفقه الغربيّ في المادتين (202) و (203) من التقنين المدني العراقيّ أيضاً، فقد نصت المادة الاولى على ان: (( كُل فعل ضار بالنفس من قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أيّ نوع آخر من أنواع الايذاء يلزم بالتعويضات من أحدث الضرر ))، بينما نصت المادة الثانية التي أشـرنا إليها آنفاً على انهُ: (( في حالة القتل وفي حالة الوفاة بسـبب الجرح أو أيّ فعل ضار آخر يكون من أحدث الضرر مسـؤولاً عن تعويض الأشـخاص الذين كان يُعليهم المُصاب وحُرموا من الاعالة بسـبب القتل والوفاة )).

ويتبيّن لنـا من المُقارنة والموازنة بين (الخطأ) في الفقه الاسـلاميّ والفقه الغربي انهُ يتكون من ركنين مادي (أيّ التعديّ) ومعنوي (أيّ الادراك)، إلا إنهما يختلفان بعضهما عن بعض، في مايأتي:

 

1.     لقد اسـتعملَ الفقه الغربي اللاتيني مُصطلح (الخطأ) اسـتعمالاً اصطلاحياً مُحدداً في المسـؤولية المدنية، بينما اسـتعملَ الفقهاء المُسـلمون مفهوم هذا المُصطلح بما يُقابلهُ من مُصطلحات أُخرى كالعمد والمُباشـرة والتسـبب في المسـؤولية الجنائية الواقعة على النفس ومـادونها.

2.     لقد اسـتعملَ الفقه الغربيّ مُصطلح (الخطأ) في تحديد شـخص المسـؤول عن تعويض المجنى عليهِ تعويضاً مدنياً وإثبات ارتكابهِ للفعل غير المشـروع موضوع الدعوى المدنية للمُطالبة بالتعويض، بينما اسـتعملَ الفقه الاسـلاميّ هذا المُصطلح بما يُقابلهُ من مُصطلحات أُخرى لغرض تحديد المسـؤول عن الجناية الواقعة على النفس أو مـادونها وإثبات إرتكابهِ لها ومُعاقبتهِ بسـببها.

3.     لقد بَرَرَ فقهاء الغرب رد او رفض دعوى التعويض المدنية المؤسـسـة على أسـاس (الخطأ) إذا كان المسـؤول عنها عديم الأهلية أو ناقصها وقت ارتكابهِ جريمة القتل أو الضرب أو الجرح، بسـبب عدم ادراكه لنتيجتها، وهذا يعني تحمل المضرور عبء الضرر المادي الذي أحدثهُ بهِ الفاعل عديم الأهلية أو ناقصها. بينما برَرَ الفقهاء المُسـلمون وللسـبب نفسـهِ رفض كل دعوى جنائية تُقام على أيّ شـخصَ كان عديم الأهلية أو ناقصها وقت ارتكابهِ للجريمة سـواء وقعت على النفس أو مـادونها لإفتقادهِ لعنصر الادراك وقت ارتكابهِ لجنايتهِ ايضاً([61]). ودون الانتقاص من حق المجنى عليه أو ذويه في مطالبة عاقلته([62]) بالدية. اذ لاتسـقط الدية في الفقه الاسـلامي عن الجاني وعاقلته بسـبب الظروف الداخلية الخاصة به كالصغر والجنون وفقدان الارادة والادراك. وكيف تسـقط وهناك القاعدة الفقهية الشـرعية القائلة بأن: (( الأعذار الشـرعية لاتبطل عصمة المّحِل )) ؟!

4.     لايعني مُصطلح (الخطأ) في الفقه الغربي براءة المسـؤول عن ارتكابهِ جريمة عمدية أم غير عمدية ضد المجنى عليهِ، كما لايعني اسـتخدام هذا الاصطلاح تخفيف عقوبتهِ الجنائية التي تتولى المحاكم الجنائية تقديرها، بينما يؤدي اسـتعمال مُصطلح (الخطأ) في الفقه الاسـلاميّ الى نفيّ العمد عن جريمة القتل أو جناية الجرح ممّا يرتب عليهِ إحلال (الدية) كعقوبة بدلية محل القصاص([63])، وذلك نظراً لعدم التمييز بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية والواردة على النفس أو مـادونها في هذا الفقه.

5.     في الجناية العمدية على النفس أو مـادونها لاتعفي العقوبة الجنائية في الفقه الغربي عن العقوبة المدنية (أي التعويض) مـادامت أركان المسـؤولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سـببية متوافرة، بينما تعفيّ العقوبة الجناية الاصلية (مثل عقوبة القصاص) في الفقه الاسلامي عن العقوبة المدنية (أيّ الدية أو الارش أو حكومة العدل) في حالة طلب وليّ الدم القصاص من الجاني المُتعمد في إحداث نتيجتهِ الجرمية.

وإذا كان العنصر المعنوي للخطأ في الفقه الغربي هو الادراك الذي نقصد بهِ إدراك المسـؤول عندَ إرتكابهِ لجريمتهِ المسـتوجبة للتعويض وقت ارتكابها فإنَ لهذا العنصر في الفقه الاسـلامي معنى اوسـع من الادراك، فهو يعني قصد الجاني في إحداث القصد الجرميّ المُميت أو مـادونهُ، وهذا يسـتلزم البحث عن توفر نية الاضرار. وهكذا يتبيّن لنـا بالاسـتنتاج عدم وجود أهمية عملية للمقارنة بين الخطأ في الفقه الغربي والفقه الاسـلاميّ (في الجنايات الواقعة على النفس أو مـادونها) لتعلق الخطأ بمدلول المسـؤولية المدنية في الفقه الغربي، بينما يتعلق الخطأ بمدلول المسـؤولية الجنائية في الفقه الاسـلاميّ([64]). ولم يبقَ لنـا إلا سـؤالاً واحداً؛ ماهو الأسـاس الذي تُبنى عليهِ مسـؤولية الجاني على النفس أو مـادونها في التقنين المدني العراقيّ؟

ونترك الاجابة عنهُ في المبحث الآتي.

المقصد الثاني

أسـباب عدم تأثر المُشـرع

العراقيّ بأحكام الفقه الأنكلوسـكسـونيّ

 

تطورت الشـريعة الانجليزية، في بادىء الأمر، في انكلترا التي حولت عادات القبائل في ظل الحكم النورماندي الى قانون والتي نقلها النورمانديون الى الجزر البريطانية([65]) ثمَ اسـتمرَ نموه خلال القرون العديدة الى حين بروز سـُلطة البرلمان الانكليزي بوصفهِ المصدر المصدر الاسـاسـيّ للتشـريع([66]). وتأثرت بهِ بدرجة أسـاس الولايات المُتحدة الامريكية واسـتراليا ونيوزلنده ممّا جعل تطبيقه فيها أمراً مفروغاً منهُ. وتُعرف الدول التي تطبقه بدول القانون الأنكلوسـكسـونيّ.

أمـا العراق فلم يقطع صلته بقوانين الدولة العثمانية دفعةً واحدةً عندَ انسـلاخهِ منها، إذ بقيت تلك القوانين نافذةً ومرعيةً فيهِ الى حين إلغائها بموجب الدسـتور (المادة 113 من القانون الاسـاسـيّ العراقيّ لسـنة 1925) ممّا أدى الى ايجاد صلة بين النظام القانوني العراقي والنظام القانوني التركيّ ولاسـيما في عشـرينات وثلاثينات القرن الماضي.

وهنـا نجد ان تأثر المُشـرع العراقيّ بالفقه اللاتيني (الفرنسـيّ-الايطاليّ) كانَ أكثر بكثير من تأثرهِ بالفقه الانكلوسـكسـونيّ على الرغم من الاحتلال البريطاني للعراق (1914-1930) حيث قامت بريطانيـا بفرض انتدابها عليهِ إلا ان تأثر العراق بالقانون الانكليزي كان ضعيفاً أو على وشـك الانعدام ولاسـيما في مجال القانون الخاص.

وعلى الرغم من ذلك، فقد اسـتطاع النفوذ الانكليزيّ في العراق من وضع قانون مُسـتقل للمسـؤولية التقصيرية يدعى بقانون الضمانات رقم (54) لسـنة 1943 الذي تزامن نفاذهُ مع نفاذ مجلة الأحكام العدلية بإعتبارها التقنين المدني للدولة العراقية ودسـتور المُعاملات المدنية فيها. وهذا يعني وجود قانونين أحدهما للعقد (مجلة الأحكام العدلية) (على الرغم من اشـتمالها لبعض صور ضمانات الأفعال غير المشـروعة أيضاً)، وثانيهما للأعمال غير المشـروعة (أيّ قانون الضمانات). وهذا مظهر كبير من مظاهر تأثر القانون العراقيّ بشكل القانون الانكليزيّ لا بمضمونه، حيث يكون لكُل من العقد والفعل الضار قانونـاً خاصاً بهِ في النظام القانوني الانكلوسـكسـونيّ.

ونُسـجل أهم خصائص تعويض الاصابات الجسـدية في القانون الانكلوسـكسـونيّ لمعرفة نقاط اتفاق الشـريعة الاسـلامية والقانون العراقيّ واختلافهما.

وأهم نقطة نبدأ فيها هي اسـتعمال الفقهاء الانكليز لمُصطلح (الخطأ) وهو المُصطلح اللاتيني (tort) نفسـه الذي يسـتعملهُ الفقهاء الفرنسـيون والذي تبناهُ القانون الانكليزي لغةً واصطلاحاً (tort) وأدخلوهُ في نظامهم القانونيّ([67]). ان مُصطلح (الخطأ) (tort) يغنيّ عن ذكر لفظ أيّ عمل غير مشـروع يمكن لنـا تصورهُ والذي يكون مُسـتوجباً للمسـؤولية. ولهذا فإنَ مفهوم الخطأ الحديث في القانون الانكلوسـكسـونيّ لايقل عن مفهومهِ في القانون اللاتيني بفضل السـوابق القضائية ليدخل في مفهومهِ جميع صور الخطأ المدنية والتي تؤدي الى إلحاق الضرر بالأشـخاص أو بالأموال أو بالسـُمعة([68]).

أمـا الأهلية في القانون الانكليزيّ التي يتطلب توافرها في شـخص المسـؤول كأسـاس لمسـؤوليتهِ القانونية فيدقُ البت فيها إذ لايشـترط توافرها إلا في حالتيّ الانتهاك او التجاوز (Tress Pass) وتشـويه السـُمعة (Defamation)([69])، إذ إنَ كُل مَنْ ينويّ إلحاق الضرر بآخر يكون مسـؤولاً ومسـتوجاً للمسـؤولية المدنية ولو لم يكُن راشـداً وقتَ إرتكابهِ للعمل غير المشـروع([70]) ولاسـيما ان نية الاعتداء (Hostile Intent) في حالة تشـويه السـُمعة (Defamation) هي شـرط لايمكن الاسـتغناء عنهُ. ومع ذلك نجد حالة أُخرى يعبر عنها الدكتور مجيد حميد العنبكيّ، في احدى بحوثهِ بِقولهِ: (( إذا كتبتَ على جدار (ان السـيد جونز هو زانيّ) فقد يُقاضيكَ عن ذلك فقط ولكن إذا تفوهتَ بذلك أمام المارة فإنَ إجراؤهُ عن الافتراء والقذف لن ينجح مالم يبين ضرراً خاصاً نتجَ عن تشـويه السـُمعة مثل طردهِ من وظيفتهِ ))([71]). إذ نُلاحظ ان المُعتديّ بالكتابة أو باللفظ يجب أن يكون مُتعمداً بكتابتهِ أو بتلفظهِ ولايمكن صدور هذا التعمد إلا من العاقل أو الراشـد.

وفي المسـؤولية المدنية الناشـئة عن الاصابات الجسـدية، نجد ان القانون الأنكلوسـكسـونيّ يشـترط لإلزام الفاعل بالتعويض أن يكون قد صدرَ منهُ فعل ايجابي محض (Direct and Positive act) كالتعديّ، وهذهِ صورة من صور الضرر. بينما يمكن تصور وجود فعل سـلبيّ (غير ايجابيّ) في بعض حالات التجاوز (Tress Pass) على الأشـياء أو البضائع كالإهمال في المُحافظة عليها، إذ لايلزم الفعل أن يكون ايجابيـاً إلا إذا تعلق بإصابة جسـدية تقعُ على جسـم الانسـان. وهذهِ حالة فريدة يُمَيّز القانون الأنكلوسـكسـونيّ فيها الضرر المادي على جسـم الانسـان ويُبيّن الضرر المادي الواقع على الاشـياء الملموسـة. ولايلزم دائماً في الفعل الايجابيّ الضار بجسـد الانسـان أن يكون مفضياً الى حدوث ضرر مادي منهُ، فبمجرد لمس الغير في حالة غضب، أو ثورة انفعال يُعّد تعديـاً لابل ان مجرد نقل أو تحريك رجل نائم على سـريرهِ كافٍ لتحقيق الفعل المكون للتعديّ والموجب للتعويض المدنيّ([72]). وهنـا نجد ان المسـؤولية المدنية في القانون الأنكلوسـكسـونيّ، تقوم على أسـاس الخطأ غير المصحوب بالضرر، أيّ من الممكن ان تنهض المسـؤولية التقصيرية في القانون الأنكلوسـكسـونيّ بمجرد حصول الخطأ، وهذا مـايُسـمى (الخطأ بدون ضرر)([73]).

كما يجب أن يكون فعل التعديّ على جسـم الانسـان الموجب لمسـؤولية الفاعل، فعلاً ايجابيـاً، وذلك لأنَ الفعل السـلبيّ لايصح ان يكون سـنداً كافياً للمُطالبة بالتعويض. وعليهِ يكون فعل التعديّ السـلبيّ كالترك، إذا ترتبَ عليهِ مسـاسـاً بجسـم انسـان، غير مؤدي الى مسـألة ذلك الفاعل بالتعويض مدنيـاً جزاء مـا إقترفهُ من هذا الفعل.

أمـا لو انتقلنـا الى حُكُم الشـريعة الاسـلامية لوجدنـا أحكامها أدق من القانون الأنكلوسـكسـونيّ في مُحاسـبة الفاعل عن التعويض مهما كان نوع التعديّ الذي قامَ بهِ على جسـم الانسـان (فعلاً ايجابيـاً أو تركاً سـلبياً)، ولاسـيما ان الشـريعة تقضيّ بالضمان، إذْ يضمن كُل معتدٍ سـواء أكان (مُباشـراً) في تعديهِ أم كانَ (مُقصراً) في إحداثهِ للضرر الجسـمانيّ، ولاسـيما ان هذا التعديّ هو السـبب المؤدي الى القصاص أو الدية أو التعزير إذا اسـتصوبت الهيئة الاجتماعية ذلك([74]). ولافرق أن يكون نوعهُ فعلاً ايجابياً أو تركاً سـلبياً. وفي هذا المعنى نجد ان الفقيهان الانكليزيان (كليرك) و (ليندسـيل) يُصرحان في كتابيهما المُشـترك (عن الأخطاء) (On Torts) بأنَ: (( الفعل غير المُباشـر مثلَ تسـميم مشـروب يُناولهُ المدعى عليهِ للمضرور أو حفر حفرة ليسـقط فيها لايكفيّ لأنَ يكون سـبباً لرفع دعوى ضده للتعديّ على جسـم الغير ))([75]). وهذهِ صورة من صور التعديّ السـلبيّ (الترك) التي لايُحاسـب القانون الأنكلوسـكسـونيّ عنها مدنيـاً.

إذاً التعديّ المُباشـر في القانون الأنكلوسـكسـونيّ يُشـبه (المُباشـرة) في اصطلاح الفقه الاسـلاميّ، امـا التعديّ غير المباشـر (الترك) الذي لايُخول المضرور رفع الدعوى بموجبهِ في القانون الأنكلوسـكسـونيّ فيُعَبَر عنهُ في فقه الشـريعة الاسـلامية بالتسـبب([76]).

ولكي تكتمل عناصر دعوى التعويض المدنية المؤسـسـة على فكرة (التعديّ) الايجابيّ على جسـم الانسـان في القانون الأنكلوسـكسـونيّ، فإنهُ ينبغيّ لتحقيق هذا العنصر وجود نية للإعتداء وهذا يسـتلزم إدراك المُعتديّ لنتيجة مـا يقوم بهِ شـرطاً لابُدَ منهُ في الحُكُم عليهِ بالتعويض.

ونية التعديّ أو قصد الاعتداء على جسـم الانسـان، هي مسـألة قانونية، يسـتخلصها القاضيّ من الظروف الموضوعية التي لابسـت وقائع الدعوى ويتوافر هذا القصد إذا مـا انصرفت نية المسـؤول الى إلحاق الضرر بالمُدعي ويفترض في هذهِ الحالة ان المسـؤول قبلَ النتيجة الطبيعية للفعل الذي أحدثهُ.

بينما يسـأل الجاني في الشـريعة الاسـلامية عن دفع الدية (وهي بمثابة تعويض وقتذاك) إذا ارتكبَ جناية على نفس الانسـان أو مـادونها ولو كان الفاعل غير مُتعمدٍ في إحداثها أو ارتكابها، لابل حتى لو كان غير ممييز أيضاً وقت إحداثهِ لفعل الاصابة الجسـدية موضوع المواخذة (اي المسؤولية) سـواء أكانت الاصابة مُميتة أم لم تكُن على ان تتحمل عاقلته دفعها والوفاء بها الى المجنى عليهِ أو الى أولياء دمهِ([77]) أذ إنَ لاضرر في الاسـلام.

والواضح من أحكام الشـريعة الاسـلامية هو ان مسـألة وجود النية أو عدمها (أيّ نية الاعتداء الجسـديّ) هي مسـألة جنائية تقتصر على حُكُم القصاص أسـاسـاً إذا كانت الجريمة عمدية، كما إنها مسـألة جنائية أيضاً تقتصر على دفع الدية التي تتحملها العاقلة إذا عدل أولياء الدم عن القصاص في الجنايات العمدية أو إذا كانت الجناية غير عمدية وقت ارتكابها.

إذاً الحُكُم بالدية، في فقه الشـريعة الاسـلامية، حُكمٌ وضعيٌ لاتكليفيٌ، إذ لايسـقط فرضهُ على الجاني بسـبب قصر وقت ارتكاب الجناية كما لاتفرض على ذمتهِ المالية لكي لاتجتمع عليهِ، كما يقول أُسـتاذنا الدكتور مُصطفى الزلميّ، مصيبتين: الجناية غير العمدية التي اقترفها ودفع الدية أيضاً([78]). وهذا يعني ان دفع الدية لايحول عنه العُمُر أو العمد أو الاهمال. وكيف تؤثر نية الفاعل وظروفهِ وسـنه عليها والدماء معصومة بالقصاص عن الجنايات العمدية ومضمونة بالدية على العاقلة في الجنايات غير العمدية في الاسـلام([79]).

ومن الجدير بالذكر قوله ان القانون العام (Common Law) السـائد في دول القانون الأنكلوسـكسـونيّ لايُسـمح بالمُطالبة بالتعويض عن الاصابة الجسـدية من تركة الفاعل المسـؤول إذا كانَ مُتوفياً ‘’Whether the plainitff or the defendant died, the right of action died with him’’، إلا ان قانون الاصلاح الانكليزيّ المُعدل لسـنة 1934 والمُعدل سـنة 1954 Reform (Miscellaneous Provision) Act, 1938 أجازَ سـماع الدعوى على تركة المدعي أو المُدعى عليهِ المتوفى. ‘’Right of action in tort survive both in favor of the estate of a deceased plaintiff and the against the estate of defendant’’

والحقيقة لم يكُن القانون الأنكلوسـكسـونيّ، على العموم، قانوناً معمولاً بهِ في العراق وإنَ الأمانة العلمية تقتضيّ القول إنهُ لمن الصعوبة أن نجد تبريراً مقبولاً لهذا الموقف على الرغم من ترأس الكثير من القضاة الانكليز لمحاكم البداءة والاسـتئناف والتمييز في العراق منذُ عشـرينات القرن الماضي ولغاية مُنتصف عقد الثلاثينات منهُ. ويمكن تبرير هذهِ الحالة، بسـبب قصر مُدة ولاية القضاء الانكليزيّ في القضاء العراقيّ، أو ربما بتأثر رجال القانون والقضاء في العراق بالنظام اللاتيني الذي درسـوه وآلفوهُ، هذا فضلاً عن إعتبارهِ المصدر الأسـاسـيّ للتشـريع في دول المنطقة المُحيطة بالعراق مثل تُركيـا وسـُوريا ولُبنـان والأُردن ومصر التي سـَنَّت قوانينـاً عديدة للمُعاملات المدنية مُقتبسـة جميعها من القانون اللاتيني نذكُر منها القوانين المدنية الحديثة القائمة لغاية هذا اليوم كالقانون المدني السـوريّ لسـنة 1948 والقانون المدني المصريّ لسـنة 1949 والقانون المدني الليبـيّ لسـنة 1953 والقانون المدني الجزائريّ لسـنة 1975 والقانون المدني الأُردنيّ لسـنة 1976 والقانون المدني الكويتيّ لسـنة 1980 وقانون المُعاملات المدنية لدولة الامارات العربية المُتحدة لسـنة 1985 وقانون الوجائب التركيّ لسـنة 1927 وقانون الموجبات والعقود اللبنانيّ لسـنة 1932.

في حين نجد ان القانون الأنكلوسـكسـونيّ قد نجحَ تطبيقه في السـودان واخفقت مُحاولات تطبيق القانون اللاتينيّ عليهِ وان بدأ يجنح نحوه اليوم ولاسـيما لأنهُ {أيّ القانون الأنكلوسـكسـونيّ} هو القانون الوحيد الذي كانَ في مُتناول القضاة والمُحامين في السـودان في ذلك الحين.

 

كلمة أخيرة بِشـأن القانون الأنكلوسـكسـونيّ:

يغلب على القانون الأنكلوسـكسـونيّ، كما يغلب على قواعد الفقه الاسـلاميّ أيضاً (وإنْ كانت المقارنة بينهما غير جائزة في بعض الأحوال)، الطابع العمليّ والواقعيّ للحلول المُقدمة على الوقائع المعروضة عليهِ أكثر من الجانب العلميّ والنظريّ الذي تتسـم بهِ حلول القانون اللاتيني على الوقائع المعروضة عليهِ، ولاسـيما في تعويض المجنى عليهم أو أولياء دمهم عن الجنايات الواقعة على النفس أو مـادونها، ولن نتفاجأ بوجود تقسـيمات مُتشـابهة بين النظامين (الأنكلوسـكسـونيّ وفقه الشـريعة الاسـلامية) وذلك مثل (التعديّ المُباشـر) و (التعديّ غير المُباشـر) و (التجاوز) و (الخطأ)، وهذهِ المُصطلحات دارجة في كِلا الفقهين، بينما يقوم مُصطلح واحد في القانون اللاتينيّ مقام تلك المُصطلحات المُشـار إليها وهو مُصطلح (الخطأ) (Tort).

ولكن حتى لو افترضنا بوجود مُبرر قويّ لتطبيق القانون اللاتينيّ في العراق وذلك مثل تأثر القضاء العراقيّ بهِ بسـبب تبنيّ الدولة العثمانية لهُ قبلَ زوالها واسـتبعاد كل نظام قانونيّ أجنبيّ عنهُ فإنَ من الصعوبة قبول هذا التبرير بمفردهِ لأنَ الاحتلال البريطانيّ على العراق (سـنة 1914-1930) جاءَ ليجتث كُل فكر وقانون وسـياسـة عثمانية في العراق([80]) !

وإذا افترضنـا وجود عوامل سـياسـية وإعتبارات تأريخية تقفُ دونَ تطبيق القانون الأنكلوسـكسـونيّ في العراق، فليسَ من مصلحة الدولة المُحتلة (بريطانيـا) اسـتبعاد تطبيقهِ في الدولة المُحتلة يمثل تلك الحجة إلا إذا كانَ لديها مُبرراً قويـاً جداً يقف وراء اسـتبعاد تطبيقهِ في العراق! وأعتقد ان واحدةً من أهم تلك المُبررات التي اهتدينـا إليها هي لإسـتبعاد قواعد العدالة والانصاف المعروفتين في فقه الشـريعة الأنكلوسـكسـونية والشـريعة الاسـلامية من الأعمال المُباشـر لها، هذا فضلاً عن ان تطبيق القانون الأنكلوسـكسـونيّ يسـتلزم من القضاء ليس مُجرد التسـبيب في الأحكام فحسـب وإنما التعمق في شـرح الوقائع والقانون الواجب التطبيق عليها مع الأخذ بنظر الاعتبار لآراء القضاة والمُحامين فيها والتي يسـتوجب على القاضيّ دراسـتها وإدراجها في متن الحُكُم واسـتنباط القاعدة العادلة منها وهذا يتطلب جهداً ووقتاً كبيراً قد يحول في بعض المرات من عدم تطبيق سياسة الدولة على الوقائع المعروضة على قضائها الوطني، إذ غالبـاً مـاتكون هذهِ الفلسـفة رؤى مُسـتقبلة غير مُقننة أو غير مُسـتندة على قانون، وإنَ التعمق في البحث فيها أو بذكر أسـبابها قد يُثير نقمة السـُلطة التنفيذية على السـُلطة القضائية([81])، هذا فضلاً عن الأخذ بنظام القانون الأنكلوسـكسـونيّ قد يؤدي الى إضعاف سـُلطة الضبط القضائي على بعض الوقائع المعروضة عليهِ بسـبب المسـاحة الواسـعة من النقد وتبادل الآراء الذي يتكون منهُ القانون الأنكلوسـكسـونيّ. كما تؤدي الى تشديد هذه السلطة في التعويض عن بعض الاضرار المادية([82]).

وقبلَ أن نختم هذا الموضوع، نرى من الضروريّ أنْ نُشـير الى كلمة الدكتور محمد شـتا أبو سـعد، إذ قال: (( ففي مصر، كانت انجلترا تحتل البلاد عسـكرياً وسـياسـياً، وكانت فرنسـا تحتل أفئدة دارسـيّ القانون فكرياً، وبالتالي ظلَ منطق الأحكام القضائية في مصر حتى الآن منطقاً شـكلياً فرنسـيّ المظهر والجوهر، ولازالَ الولاء للقانون الفرنسـيّ ولاءً لايقبل الجدلْ ))([83]).

  

 

المبحث الثاني

مُقارنة ضمان النفس أو مادونها في الفقه الاسـلاميّ

مع تعويض الاصابة الجسـدية المُميتة وغير المُميتة في الفقه الغربيّ

 

ظهرَ اهتمام الفقه الاسـلاميّ بضمان الضرر الناشـىء عن الجناية الواقعة على النفس ومادونها في إلقاء عبء الدية على العاقلة حتى يوزع هذا العبء على أكثر من شـخص دون أن يتحمله محدث الضرر لوحدهِ([84]) وحتى يؤمن للمضرور حصولهِ على الضمان في كل حال دون ان يعوق اعسـار محدث هذا الضرر من تحمل عبء هذا الضمان([85]).

إلا ان ضمان النفس في الفقه الاسـلاميّ أو مادونها هو خيارٌ من احدى الخيارات الثلاثة الممنوحة لوليّ الدم وهي طلب القصاص أو العدول الى الدية أو التنازل عن كليهما في قولهِ تعالى: (( ومَنْ قتلَ مظلوماً فقد جعلنـا لوليهِ سـُلطاناً ))([86]) والسـُلطان هو أحد الخيارات الثلاثة([87]). ولكن في الوقت الحاضر أكثر قوانين العالم المُعاصر لاتقرُ السـُلطان الوارد في القرآن الكريم لان العقاب هو مظهر من مظاهر سـيادة الدولة لايتدخل فيهِ الفرد اذ في هذا التدخُّل إعتداءٌ على سـيادة الدولة([88]).

وهكذا أرسـت القوانين الوضعية المسـؤولية الجنائية على الجاني على النفس ومادونها وانفردت الدولة، بواسـطة أجهزتها القضائية، بفرض العقوبة وإنزالها بحق هذا الجاني بإعتبارها مظهراً من مظاهر السـيادة الوطنية وتركت المسـؤولية المدنية (أيّ المُطالبة بالتعويض) عن هذهِ الجريمة لإرادة المدعيّ وأعطت لمحاكمها المُختصة سـُلطاناً بتقدير هذا التعويض والحُكُم بهِ بنـاءً على نصوص القانون الذي اشـترط تأسـيس المُطالبة بها على عنصر (الخطأ) الواجب الاثبات الذي بتحققهِ يحكم للمجنى عليهِ أو لمعيليهِ أو لورثتهِ بالتعويض وبِتخلفهِ لايُحكم لهم شـيءٌ من التعويض.

لذا نرى من الضروري دراسـة هذا الموضوع في مطلبين بحيث نُخصص أولهما لضمان الجناية على النفس أو مادونها في الفقه الاسـلاميّ والفقه الغربي والقضاء العراقيّ ونُكرس ثانيهما لجدوى المُقارنة بين الضمان الشـرعيّ والتعويض القانوني للجناية الواقعة على النفس أو مادونها.

المطلب الأول

ضمان الجناية على النفس أو مادونها في الفقه الاسـلاميّ والفقه الغربيّ والقضاء العراقيّ

 

الفرع الأول

الديّة في الفقه الاسـلاميّ

 

ليس في نيّتنـا شـرح الضمان في الأموال إلا بقصد مُقارنتها بالمسـؤولية الجنائية في التعويضات المالية الواردة على النفس أو مادونها. فالضمان في الفقه الاسـلاميّ يكون في المال، بِصرف النظر عن البلوغ أو الأهلية، أيّ تتحقق المسـؤولية في مال الصبيّ والسـفيّه والمجنون في أموالهم، وهذا من قبيل خطاب الوضع لا من قبيل خطاب التكليف([89]) لذا لايتأثر الضمان بشـخص المُكلف ومدى تكليفهِ بالواجب المفروض عليهِ، كما لايتأثر بظروفهِ الداخلية والخارجية. فالضمان على الفاعل مُتحقق مادام كانَ مُتعدياً ولو أثبتَ إنهُ لم يكُن مُتعمداً في إحداثهِ لهذا الضرر([90]).

أمـا ضمان النفس (أيّ التعويض بلغة الفقه الغربيّ) أو جزءٍ منها، فيُثبت في العاقل البالغ قطعاً، أمـا الصغير أو المجنون فهما غير مسـؤولين في الحدود جنائيـاً([91])، ولكنهما مسـؤولين جنائيـاً عن الدية وضعاً لاتكليفاً لان لها وظيفة عقابية الى جانب وضيفتها التعويضية ايضاً.

والأصل، في الفقه الاسـلاميّ، ان القصاص والدية، كما رأينـا من قبل، لايجتمعان ولاسـيما إذا كانت الجريمة عمدية وذلك لأنَ جزاء القتل العمد هو القصاص، والقصاص في الشـرع الشـريف، إنما هو مُعاقبة الجاني على جريمة القتل أو القطع أو الجرح بمثلها فحسـب([92]). ولكن قد يصالح أولياء الدم الجاني عن مالٍ يُدفع إليهم، ويُسـمى بدل الصلح (الدية). والدية إنما هي مالٌ يجب أداؤهُ عند الجناية على النفس أو مادونها لتكون بمثابة (عقوبة بدلية) عن القصاص. ويترتب على الحُكُم بها نتيجة في غاية الأهمية إذ لايجوز للقاضيّ أن يجمع بين العقوبتين جزاءً عن فعل واحد، وإنما يجوز لهُ أن يجمع بينهما إذا تعددت الأفعال بإعتبار القصاص عقوبة عن بعض الأفعال والدية عقوبة عن بعضها الآخر([93]). وكذلك لاتجتمع العقوبة عن الجناية على مـادون النفس ولو كانت عمدية مع الضمان بإعتبار ان القصاص يُجبُ عنها، وإنما يوجب الضمان متى كانت الجريمة غير عمدية وسـواء وقعت على النفس أو مادونها.

ولضمان النفس أو مادونها في الفقه الاسـلامي مفهومان مُختلفان، فهي في وجه (عقوبة) وفي وجهٍ آخر (ضمان). فهي عقوبة لأنها تحرم المسـؤول عن الجناية من ميراث مورثهِ ولو ارتكبَ جنايتهِ خطأً كما تسـقط الوصية الموصى بها إليهِ من الموصي. وهذهِ الآثار من قبيل العقوبة للقتل شـرعاً([94]). فهي عقوبة لأنَ الحُكُم بها لايتوقف على طلب المجنى عليهِ أو ورثتهِ –وإنْ كانت تسـقط بإسـقاطهم الصريح لها- بل يحقُ للقاضيّ أن يحكُم بها من تلقاء نفسـهِ ولأنهُ عندما يتنازل وليّ الدم عن الدية بمقتضى السـُلطان الذي منحهُ الشـارع لهُ([95]) تحلُ محلها عقوبة الاعتداء على المحل العام وهي عقوبة تعزيرية([96]) يقوم السـُلطان أو القاضي بفرضها على الجاني. وهذهِ هي صفة العقوبة أيضاً لأنَ الجاني يعتدي على حقين عام وخاص، بينما في ضمان الاتلاف لايحل محل شـيء آخر إذا تنازل عنهُ المضرور (على فرض عدم التعزير إذا رأت الهيئة الاجتماعية ذلك صائباً)، كما ان الدية مُقدرة من قبل الشـارع إبتداءً بـِ(100) مئة من الابل أو مـايُعادلها. أمـا التعويض فلا يكون إلا بالاتفاق الرضائي أو بحُكمٍ قضائيّ. وأخيراً لايختلف مقدار الدية بإختلاف الزمان والمكان والأشـخاص من حيث الصغر والكبر والغنى والفقر أو القوة والضعف أو المركز السـياسـيّ والاجتماعي ونحو ذلك. وهذهِ النتائج تعطي الانطباع عن الدية بكونها عقوبة وليس ضمان عن فعلٍ ضار وقع على النفس أو مـادونها. ولكن الدية أيضاً ليسـت بتعويض مُسـاوٍ للضرر وإنما تشـتبهُ مع التعويض في بعض صفاتهِ المهمة، فهي مال خاص للمجنى عليهِ إذا كان باقيـاً على قيّد الحياة وإلا فهي لورثتهِ إذا ماتَ بسـببها أو لأيّ سـبب آخر، إذ لو كانت الدية عقوبة محضة لآلت الى الخزانة العامة للدولة كالغرامة المالية، كما إنهُ يجوز للمجنى عليهِ أو ورثتهِ التنازل عنها ولو كانت عقوبة محضة لما جازَ هذا التنازل أصلاً([97]). ولايجوز أن نسـتنتج ممّا سـبقَ لنـا بيانه، ان الفقه الاسـلاميّ لايضمن الاصابة الجسـدية بتاتاً، فهذا الاسـتنتاج لاينسـب إليهِ وذلك لأنَ الفقهاء المُسـلمين ضمنوا كل اصابة بالقصاص أو الدية، وكلتاهما عقوبتان، لا بل جعلوا لكل عضو من أعضاء جسـم الانسـان ديةٌ ايضاً، اهتمَ بتنظيم أحكامها الفقهاء المُسـلمون غاية الاهتمام وإذا تعذرَ تقدير الضرر المُترتب على الاصابة أسـموهُ (ارشـاً) أو (حكومة عدل)([98]) على تفصيل مـا فيهما من أحكام نوجزها بما يلي:

 

1.    الأرش: ويكون جُزءاً من الدية، ويكون مُعادلاً للأضرار في بعض العضو الذي يمكن المماثلة فيهِ، فإذا أُصيب بعض هذا العضو كاليد مثلاً فالدية تكون في هذهِ الحالة نسـبية، أيّ بنسـبة مـا أُصيب، وتسـمى هذهِ النسـبة (ارشـاً)، وعلى هذا النحو نجد انهُ في تلف اليد الواحدة تكون نصف الدية وفي اصابة أحد أشـفار العين الاربعة تكون الربع وفي أحد الاصابع عشـر الدية ونصف العشـر في السـّن وفي شـعر الرأس الدية كاملةً وفي اللحية ثلثها وفي العينين أو الاذنين أو الشـفتين أو الثديين الدية كاملةً وفي واحد منها نصفها وفي لسـان الانسـان الفصيح الدية كلها وفي لسـان الأخرس ثلثها([99]).

2.    حكومة العدل: وحكومة العدل اصبحت مبدأً عاماً في الفقه الاسـلاميّ، بسـبب كثرة تطبيقاتها عندما لايمكن المماثلة في العقوبة ومقدارها. وهذا المبدأ يقتضي بأن الفعل الضار والذي يُصيب جسـم الانسـان ولايمكن المماثلة فيهِ مثل أفعال الاذن العمدية وغير العمدية كالجراح والشـجاج والأذى يوجب التعويض عن الأضرار التي لحقت بجسـم الانسـان بدرجة اولى وبِأموالهِ بِدرجة ثانية. وهكذا فهو يشـمل الضمانات الواردة على الاتلاف أو الغصب، وبمعنى آخر ان الضمان في الفقه الاسـلاميّ يغطيّ المسـؤولية التقصيرية في العصر الحديث كلها وعن الأضرار التي تُصيب الانسـان بجسـمهِ ومالهِ كافة([100]). وإذا أمعنـا النظر في (حكومة العدل) في الفقه الاسـلاميّ لوجدنـا أحكامها احتياطية لايمكن إعمالها أو تطبيقها إلا عندما يتعذر اعمال القصاص على الجاني أو فرض الدية أو الارش عليهِ لسـببٍ من الأسـباب الممقررة شـرعاً([101]). ومع ذلك فهي (أيّ حكومة العدل) تعويض يُضاهيّ ماوصلت إليهِ النظريات الغربية الحديثة في جعل حدودهِ لاتتجاوز جسسـامة الضرر الذي لحقَ بالمُصاب وذلك لأنهُ مُقابل إعتداء المُعتديّ على المُعتدى عليهِ. ويمكن تكييف أسـاس المسـؤولية المُنشـئة لحكومة العدل في إصطلاح الفقه الغربي بالخطأ الواجب الاثبات.

 

الفرع الثاني

التعويض في الفقه الغربيّ  

وقفة سـريعة في تعريف المجنى عليهِ وورثتهِ ومُعيليهِ في الفقه الغربيّ (منظوراً إليها من نتاج الفقه العربي):

إذا دققنـا النظر في التعويض عن الضرر الجسـديّ في الفقه الغربيّ وجدناهً على نوعين: تعويضٌ عن ضرر أدبي وآخر عن ضرر مادي، كما نجد ان مُسـتحقيهِ أيّ الأشـخاص الذين يحقُ لهم طلب التعويض على ثلاثة أنواع، أولهما: المجنى عليهِ إذا كان حيـاً وتُسـمى الدعوى التي يرفعها ضد الجاني المسـؤول بالدعوى الشـخصية وثانيهما: إنْ تُوفيَّ ولهُ ورثة فيكون لهم حق المُطالبة بالتعويض المادي أو الادبي الذي كان يسـتحقه مورثهم لو كان حيـاً وتُسـمى هذهِ الدعوى بالدعوى الميراثية([102]) لأنهم يرثون حق مورثهم في المُطالبة بالتعويض (المادة 273 مدني أُردنيّ: وإن كانت هذهِ المادة تُعالج توزيع الدية على ذويّ المقتول إلا إنها تُكيف قانوناً بالدعوى الميراثية أيضاً) كما يحقُ لهم المُطالبة بالتعويض من جراء حرمانهم من الاعالة التي كان يُقدمها لهم المجنى عليهِ وتُسـمى هذهِ المُطالبة بالدعوى الارتدادية وذلك لأنَ ضرر وفاة المجنى عليهِ ارتدَ إليهم([103])، وثالثهما: إنْ كان المُدعي بالتعويض غير وارثٍ للمجنى عليهِ فلا يحقُ لهُ المُطالبة إلا بِدعوى حرمانهِ عن الاعالة –إنْ توافرت شـروطها- وهذهِ هي الدعوى الارتدادية. وأيـاً كان رافعها الوارث([104]) أو المحروم من الاعالة فإنَ التعويض المحكوم بهِ يُعتبر من جراء ضرر شـخصيّ وقعَ على المضرور سـواء أكانَ وارثـاً أم لم يكُن متى احتفظَ الأخير بِصفتهِ الشـخصية أثناء مُطالبتهِ الجاني بالتعويض أيّ بصفته معالاً ومضروراً من جراء هذه الجريمة([105]). فالتعويض،كما تبين لنا، لايوزع بين المضرورين، إذا كانوا ورثة حسـب أنصبتهم من التركة، كما لايدخل هذا التعويض في ذمة المورث لذلك ليس لدائنيّ التركة حقٌ فيهِ مثلَ حقهم في انتقال الحق في التعويض عن ضرر الوفاة إليهم([106]). وفي إنتقال التعويض تبرزُ أهمية التمييز بين التعويض من جراء الضرر المادي والتعويض من جراء الضرر المعنويّ. فالتعويض عن الضرر المادي المُتعلق بِشـخص المجنى عليهِ يمكن تصور انتقالهِ الى الورثة الذين يخلفون المجنى عليهِ في دعوى وراثية للمُطالبة بهِ، وهذا موضوع، عرف بأنهُ انتقال للحق في التعويض الى الورثة([107]). أمـا التعويض عن الضرر الادبي الذي أَلمَّ بشـخص المجنى عليهِ وتعلق بهِ إبتداءً والذي كان من المفروض أن يسـتحقهُ لو طالبَ بهِ أثناء حياتهِ فلا يمكن إنتقالهِ الى ورثتهِ الا اذا تحددت قيمته بمقتضى حكم قضائي او اتفاق رضائي([108]) وهذا مـانصت عليهِ المادة (205/3) من التقنين المدني العراقيّ، بِقولها: (( ولاينتقل التعويض عن الضرر الأدبي إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حُكُم نهائيّ )). ويترتب على ذلك إنهُ إذا مات من لهُ الحق في التعويض عن الضرر الادبي قبلَ الاتفاق على مقدار التعويض أو صدور حُكُم فيهِ يُحدد مقدارهُ، فالحق في المُطالبة بهِ لاينتقل الى الورثة([109]).

والنقطة الجديرة بالبحث المُقارن هنـا هي التعويض عن الضرر الأدبيّ المادي والشـخصيّ الناتج عن الاصابة الجسـدية سـواء أكانت مُميتة أم غير مُميتة. ويمكن تقسـيم الضرر الأدبي الى نوعين: أحدهما شخصي وثانيهما مادي (ضرر أدبيّ ذيّ طابع موضوعيّ) ويدخل تحته الضرر الناشـىء من الآلام الجسـدية وفقدَ الانسـان المُصاب لجمالهِ (الضرر الجماليّ) والضرر الناشـىء من الحرمان عن مباهج الحياة. وثانيهما ضرر أدبيّ محض والتي تُعرف أيضاً بمُصطلح (الأضرار الأدبية ذات الطابع الشـخصيّ). وهنـا نجد ان الشـرائع تجمع على تعويض الأضرار الأدبية ذات الطابع الموضوعي. بينما يدقُ الفصل في تعويض الأضرار الأدبية المحضة أو الأضرار الأدبية ذات الطابع الشـخصيّ. ففي تعويض الضرر الأدبي المحض أو الضرر الأدبي الشـخصيّ تفصيل، وقبلَ أن نشـرع في البحث فيها لابُدَ من بيـان المقصود منها ، إذْ إنَ الضرر الأدبيّ ذي الطابع الشـخصيّ هو الآلام النفسـية والمُعاناة التي يشـعر بها المُصاب بالنقص والخوف من المُسـتقبل([110]). والقضاء الفرنسـيّ مُتأرجح في موقفهِ بين التعويض بِشـأنها وبين رفضهِ لتعويض تلك الأضرار([111]). بينما تقضي الشـريعة الاسـلامية بعدم التعويض عن هذهِ الأضرار إذ ان الفقه الاسـلامي لم يُقرر الضمان عن حالتيّ الأضرار الأدبية ذات الطابع الشخصيّ (الآلام والمُعاناة) وذلك لأنَ الدية والارش أو حكومة العدل المُقرر للمُصاب تغطي أضراره المادية والأدبية ذات الطابع الموضوعي كما تُسـمى في وقتنا الراهن، أما تغطية أضرار المُصاب  الأدبية ذات الطابع الشخصيّ فلم تكُن مدار بحث الفقهاء المُسلمين البتة.

والحقيقة نجد ان الفقه الغربيّ اللاتيني غير مُسـتقر لحد الآن على الأخذ بضرورة تعويض الأضرار الأدبية ذات الطابع الشـخصيّ فهو مُتأرجح في الأخذ بتعويضها وإن كُنـا نرى ان أخذهِ بها ماهي إلا مسـألة وقت ينتهي بهِ المقام الى الأخذ بها والحُكُم بتعويض المُصاب عن الآلام والمُعاناة التي تتركها الاصابة في جسـدهِ ويشـهد على ذلك التطبيق العملي لقانون التأمين الالزاميّ عن حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل في العراق([112]) (قبلَ صدور قرار مجلس قيادة الثورة المُنحل رقم 815 لسـنة 1982 وتعديلهِ بالقرار رقم 106 لسـنة 1985). بينما نجد ان الفقه الاسـلاميّ قد وقفَ موقفاً مُعارضاً لها وبوجهٍ خاص (لضمان مثل هذهِ الآلام النفسـية) لأنها من الامور الشـخصية البحتة التي يسـتحيل التأكُد من وجودها، كما تصعبُ مُراقبتها وقياسـها ومعرفة أبعادها وسـبر أغوارها([113]). لذلك يمكننـا القول دونَ تردد، ان مـايُعوض عنهُ في الفقه الاسـلاميّ هي الاضرار الأدبية ذات الطابع الموضوعيّ أمـا الأضرار الأدبية ذات الطابع الشـخصيّ فلا تعويض عنها([114]). أمـا القانون الأنكلوسـكسـونيّ، وإنْ كانَ يقضيّ بتعويض الأضرار الأدبية ذات الطابع الشـخصيّ إلا إنهُ لايُغاليّ في تطبيقاتهِ في بعض الدول كالسـودان بينما نجدهُ مُغاليـاً بالتعويض عنها في دولٍ أُخرى مثل الولايات المُتحدة الأمريكية([115]).

وعلى الرغم من مُحاولاتنـا الجدية لسـبر أغوار القانون الأنكلوسـكسـونيّ (فقهاً وقضاءً) وبقدر مـاتيسـرَ لنـا الحصول عليهِ من مصادر قليلة مُتوفرة بين أيدينـا، فقد اتضح لنا ان من الصعوبة الوصول الى تمييز الأضرار الأدبية ذات الطابع الموضوعيّ من الأضرار الأدبية ذات الطابع المعنويّ فيهِ. ولما كانَ اتجاهنـا لايخص القانون الأنكلوسـكسـونيّ بمفردهِ إلا بقدر الاشـارة الموجزة إليهِ، فإننـا نجد من الضروري أن نفاضل في اختيار القضايا المعروضة على النـزاع فيهِ الى اختيار دعوى القضاء العربي في السـودان الذي قضى فيها بمنطق القانون الأنكلوسـكسـونيّ وبِروحهِ لابل قضى فيها باللغة الانكليزية أيضاً والذي قامَ بترجمتهِ الاسـتاذين الفاضلان هنريّ رياض وكرم شـفيق دون القضايا الأُخرى البعيدة جداً عن مُجتمعنـا العراقيّ الذي نحيـا فيهِ.

حيث أقامت السـفارة العراقية في السـودان في اليوم الثاني من شـهر آيـار (مايـو) سـنة 1957 إحتفالاً في السـاعة السـابعة مسـاءً وكانَ من بين المدعوين المُدعي (ميشـيل قطران) الذي يعمل قاضيـاً في احدى المحاكم السـودانية، كما دعت زوجته وابنتهُ أيضاً. وكان بجانب السـفارة مجرى عميق في حافة مبنى السـفارة بحواليّ أربعة ونصف أو خمسـة أمتار كما يبلغ عمُقهُ مترين تقريبـاً، ولم يكُن ثمة غطاء للمجرى المذكور على أيّ وجه. ولدى وصول المُدعيّ وزوجتهُ وابنتهُ الى مبنى السـفارة العراقية السـاعة الثامنة إلا ربعاً، ترجلَ المُدعيّ ميشـيل قطران وزوجتهِ وابنتهِ مشـياً على الأقدام بعدَ أن تركوا العربة التي أقلتهم على مسـافة (150 متراً). وفي طريق المشـيّ سـقط المُدعيّ في ذلك المجرى العميق.

ولما خرجَ المُدعيّ من ذلك المجرى، كانَ يُعانيّ آلاماً شـديدة إذْ لازمَ سـرير المرض بمنـزلهِ في الخرطوم وعانى أشـد الآلام وكانت تقوم على راحتهِ ورعايتهِ والعناية بهِ زوجته، كما أشـرفَ على علاجهِ أحد الأطباء في مسـكنهِ أيضاً. وقد أقامَ المُدعيّ (ميشـيل قطران) دعواهُ ضد المجلس البلدي بالخرطوم فكَسـَبَ دعواهُ ضد المجلس وحُكِمَ لهُ بالتعويض. ولعدم قناعة المجلس البلدي بالحُكُم فقد قامَ بإسـتئنافهِ. ونظرت محكمة الاسـتئناف فيهِ والتي قضت بتخفيض التعويض عن الأضرار المادية، كما قضت أيضاً بتخفيض التعويض عن الأضرار المعنوية ذات الطابع المادي والشـخصيّ كما ايضاً تسمى في لغة القانون اللاتيني وفقهِهِ.

ولإثبات ذلك نسـوق عبارات منطوق الحُكُم الاسـتئنافيّ التي جاءَ فيها، مايأتي: (( على الرغم من اننـا لانُلمُ بظروف أو مدى الأذى أو الألم الذي عاناهُ ............، فإننـا نعلمُ جيداً مدى الألم الشـديد المُسـتمر والقلق المُزعج الذي تكبدهُ السـيد قطران. فقد ظلَ مـابين المُسـتشـفيات وعيادات التمريض، مـايقربُ من مائة وسـبعين يومـاً، وقد ذكر كل ذلك في بلاغهِ وأسـى في حيثيات حكم قاضي الدرجة الاولى، وفضلاً عن ذلكَ فإنَ المُدعيّ سـيتحمل عناء عملية أُخرى خطيرة ولايعلم إلا الله مدى مـايُقاسـيهِ منها.

مهما يكُن من أمرٍ، فإننـا لدى مُحاولة تقدير التعويض يجب  ألا يغيب عن أذهاننـا إنهُ تعويضٌ جزافيّ، إذ إنَ من الصعوبة بمكان التقدير بالنقد للعواطف البشـرية ومشـاعر القلق والألم والخوف، كما يجب ألا ننسـى القاعدة الأُصولية، وهي ان المُدعيّ يجب ألا يتوقع ربحاً من مأسـاتهِ، فلا مُكافأة لهُ، بل ان مايتحصل عليهِ ان هو الا تعويضٌ لإصلاح الضرر ))([116]).

وهكذا يتبين لنـا ان القضاء العربي في السـودان وهو جزء من منظومة القضاء الأنكلوسـكسـونيّ في مفهومهِ الواسـع قبلَ عقد الثمانينات في القرن الماضي([117]) كان يحكم بتعويض الأضرار الأدبية ولو كانت ذات طابع شـخصيّ على الرغم من تردد القضاء الفرنسـيّ بشأنها لغاية سـبعينات القرن الماضي أيضاً.

 

الفرع الثالث

موقف القضاء العراقيّ من تعويض الاصابات الجسـدية

 

على الرغم من كثرة الاصابات الجسـدية في العراق وبوجهٍ خاص منذُ الاحتلال الأنكلوأمريكيّ عليهِ في 9/نيسـان/2003، إلا ان الاحكام القضائية بشـأنها قليلة لأسـباب كثيرة منها طول إجراءآت التقاضي وتدنيّ مبلغ التعويض المحكوم بهِ للمصابين جسـدياً وارتفاع كلفة التقاضيّ والإجراءآت والخدمات المُرتبطة بهِ وقلة الوعي بقيمة الانسـان وأهميتهِ وضعف النصوص القانونية المؤسـسـة للمسـؤولية المدنية الناشـئة عن الاصابات الجسـدية المُميتة وغير المُميتة. ولذلك لانسـتغرب من القول ان عدد الدعاوى المنشورة في المجلات القانونية بشـأنها أقل بكثير من الدعاوى المنشورة عن الايجار ومُنازعات الشـيوع والعلامات التجارية المرفوعة أمام المحاكم العراقية. الا انه لم تيسـر لنـا الاطلاع إلا على بضعة قرارات تمييزية صادرة بهذا الشـان، هذا فضلاً عن مقالات الاسـتاذ ابراهيم المشـاهدي النائب السـابق لرئيس محكمة التمييز والذي يعود الفضل إليهِ في إخراج أحكام القضاء الى ميدان الفقه في العراق.

ومن خلال دراسـتنا للأحكام وبعض المقالات التي أشـرنا إليها آنفاً، يمكننـا أن نُحدد ثلاث مناطق في القضاء العراقي تبيّن بوضوح موقفه من الاصابات الجسـدية، وهذهِ المناطق هي كما يأتي:

1.    المنطقة المانعة من التعويض.

2.    المنطقة المُترددة في التعويض.

3.    المنطقة المُجيزة للتعويض.

وقبلَ أن نسـترسـل في هذا الموضوع نودُ أنْ نُبيّن ان الاصل في تطبيقات القضاء العراقيّ، تكمنُ في المنطقة الاولى وهي منطقة واسـعة. وتليها المنطقة الثانية هي منطقة متوسـطة، أمـا المنطقة الثالثة فهي منطقة ضيقة ومُحددة في الحالات التي يسـمح القضاء فيها بتعويض الاصابات الجسـدية عنها.

 

£    المنطقة الاولى: المنطقة المانعة من التعويض:

تتكون هذهِ المنطقة من حالات ثلاث، لا يحكم القضاء بالتعويض فيها عن الاصابات الجسـدية، وهي:

1.    حالة التعويض عن ضرر الموت.

2.    حالة تعويض المُعالين المُتضررين من الاصابات الجسـدية غير المُميتة.

3.    حالة تعويض الاضرار المُتوقعة عن الاصابات الجسـدية المُميتة.

وسـنشـرح كُل حالة من الحالات المذكورة أدناه، وبالتفصيل:

§       الحالة الاولى: التعويض عن ضرر الموت:

(حُكُم التعويض عن ضرر الموت: لامحل للدعوى الميراثية في القضاء العراقيّ):

قد تؤدي الاصابات الجسـدية في بعض الأحوال الى موت المُصاب من جراء الآلام والجروح التي تلحق بجسـدهِ بسـبب الاصابة ويموت بسـببها، فهل يسـتطيع ورثته أن يُطالبوا بالتعويض بسـبب وفاة مورثهم في هذهِ الحالة بإعتبارهم ورثة وليسـوا مُعالين مضروبين؟ والحقيقة لم نجد جواباً واضحاً بشـأن هذهِ الحالة، ولكن قُضي بأنَ التعويض عن الاصابة الجسـدية المقضيّ فيهِ لمصلحة المُصاب (المُتوفى) قبلَ وفاتهِ يُعتبر تركةً بعدَ الوفاة وتوزع على ورثتهِ الشـرعيين كلٌ حسـب اسـتحقاقهِ، كما يجوز للوارث المُعال والمُتضرر من جراء هذهِ الاصابة المُطالبة بالتعويض أيضاً عن الاضرار التي لحقت بهِ بِصفتهِ مُعالاً ومضروراً من وفاة المُصاب([118]).

وليس الحُكُم المُشـار إليهِ جواباً عن تسـاؤلنا عن مدى امكانية الورثة في المُطالبة بحق مورثهم المُصاب بمقتضى الدعوى الميراثية. ولكن لما كان مدار بحثنـا يتعلق في حُكُم القضاء العراقيّ بشـأن دعاوى التعويض الميراثية التي عجزنـا عن بيان موقفهِ بشـأنها، لذا نضطر للتسـليم برأيّ الاسـتاذ ابراهيم المشـاهدي. وللأُسـتاذ المشـاهدي رأيٌ قيّم يذهب فيهِ الى عدم جواز المُطالبة بالتعويض من جراء وفاة المُصاب سـواء أكان هذا التعويض مادياً أو أدبياً وسـواء أكان الأخير ذي طابع موضوعيّ أو ذي طابع شـخصيّ([119]) وذلك بمقتضى الدعوى الميراثية في الوقت الحاضر أمام المحاكم العراقية ([120]).

 

أمـا التعويض عن الاضرار الناشـئة بسـبب الوفاة في القانون الاردني والتي يُطالب بها ورثة المُصاب بمقتضى الدعوى الميراثية فتغطيها (الدية الشـرعية) المُقررة بمقتضى التقنين المدني الاردني، هذا فضلاً عن حق هؤلاء الورثة في المُطالبة بالتعويض عن الضرر المرتد بالنسـبة إليهم بإعتبارهم مضرورين بمقتضى الدعوى الارتدادية أيضاً (المادة 274 مدني أُردنيّ)([121]).

وفي هذا الصدد، نودُ أن نُبيّن بأنَ الدكتور عباس الحسـنيّ([122]) يُميز بين خلافة دعوى التعويض الميراثية في ثلاث حالات، وهي:

 

E   الحالة الاولى: وقوع الجريمة قبلَ وفاة المورث: فلو طالبَ المضرور بتعويض عن إصابتهِ الجسـدية أمام القضاء ثمَ توفى قبلَ صدور الحُكُم الفاصل أو خلال مرحلة الطعن فيهِ، فنتسـأل عن موقف القضاء بِشـأنهِ: هل تنتقل حقوق هذهِ الدعوى الى ورثة المُجنى عليهِ، بحكم الميراث وذلك بإعتبارها مالاً يرثونهُ كسـائر أموال التركة([123])؟ والجواب على هذا السـؤال ببسـاطة هو الفصل بين النص القانوني والحكم القضائي في تحديد وعاء التركة الذي يشـمل العقارات والمنقولات وسـائر الحقوق الموجودة فيها (المادة 1106 مدني عراقيّ) وبين حق الورثة أنفسـهم في خلافة مورثهم بمقتضى هذهِ الدعوى (بإعتبار ان نطاق القضاء أضيَّقُ من نطاق القانون كما رأينـا). فقد وجدنـا القضاء العراقيّ يعتبر مبلغ التعويض المحكوم بهِ قبلَ وفاة المورث تركةً تنتقل الى الورثة بحكم الوفاة، ولكن لم يتسـنَّ لنـا الحصول على حكم قضائي صريح يقضي بخلافة الورثة لحق مورثهم في دعوى التعويض. كما لم يتسـنَّ لنـا الاطلاع على أيّ حُكم قضائيّ يُجيزُ للورثة خلافة حق مورثهم في هذهِ الدعوى.

 

E   الحالة الثانية: وفاة المجنى عليهِ بسـبب الجريمة: ليس للورثة، في حدود هذهِ الحالة، الحق في رفع دعوى التعويض بسـبب وفاة مورثهم. وإذا ثبتَ ان لهم حقاً في رفعها من جراءِ ضررٍ شـخصيّ ارتدَ إليهم وجبَ عليهم المُطالبة بالتعويض عن الضرر الذي ارتدَ إليهم، إذا أقاموا دعوى بِشـأنها، ومن ثمَ يُعتبر التعويض المحكوم بهِ لهم حقاً شـخصياً وليس جزءاً من تركة مورثهم.

E   الحالة الثالثة: وقوع الضرر بعدَ الوفاة: ومن أشـهر تطبيقاتها إعتداء المُعتديّ على مُصنفات المتوفى وتشـويه آرائهِ والطعن في ذكراه بالقذف أو السـَّبْ. وهذهِ الاضرار كُلها أضرار معنوية تقع على تركة المتوفى الادبية ويخرجُ نطاق بحثها عن موضوع دراسـتنا([124]).

 

§       الحالة الثانية: تعويض المُعالين من الاصابات الجسـدية غير المُميتة:

(حُكُم تعويض المُعالين عن الاصابة الجسـدية غير المُميتة: لامحل لها في القضاء العراقيّ):

الاصل في القضاء العراقيّ ان دعوى المُطالبة بالتعويض عن الضرر المادي أو المعنوي في الاصابة الجسـدية غير المميتة لاتقبل إلا من المصاب أو نائبهِ([125]) وبخلافهِ تحكم المحكمة برَّد الدعوى لعدم توجه الخصومة فيها بإعتبار ان المُعال ليس خصماً للمسـؤول عن هذا الضرر بمقتضى الدعوى الارتدادية مادام المُصاب مايزال على قيد الحياة وقت رفعها. وبمقتضى ذلك يكون للمُصاب أو نائبهِ الحق في رفع الدعوى بإسـمهِ على المسـؤول لمُطالبتهِ بالتعويض من جراء هذهِ الاصابة ولايكون لخلفهِ العام مثل هذا الحق إلا إذا توفى، فإن توفى من جراء هذهِ الاصابة أو بسـببها كان للوارث (الخلف العام الحق في مُقاضاة المسـؤول عن إحداثها). كما قرر القضاء العراقي الحكم بالتعويض للمُدعيّ إذا كان هو شـخصياً مُصاباً بإصابة جسـدية غير مميتة([126]) كما لايمانع من الحكم بالتعويض للمُدعين من المتضرريين بمقتضى الدعوى الارتدادية في حالة وفاة معيلهم (حالة الاصابة الجسـدية المميتة) إذ يسـتحق أقرباء المتوفى التعويض عن وفاة قريبهم بصفتهم مضروريين شـخصيين وليسـوا ورثة شـرعيين لهُ. ومـادام المُشـرع العراقيّ لم يُحدد القرابة بدرجة مُعينة فالمسـألة متروكة برمتها الى تقدير القضاء. إذ يفصل القضاء فيها بحسـب ظروف كل دعوى ومُلابسـاتها([127]).

وإذا تعدد طالبو التعويض عن الضرر ولاسـيما الضرر الادبيّ المُرتد وتوافرت في جميعهم الشـروط اللازمة للحصول على التعويض ثبتَ لكُل منهم تعويض أدبيّ مُسـتقل عن غيرهِ في الحصول عمّا أصابهُ شـخصياً من ضرر شـخصيّ أدبيّ بسـبب موت المُصاب.

 

§       الحالة الثالثة: التعويض عن الضرر المُتوقع للمُعال من جراء وفاة مُعيلهِ:

(حُكُم تعويض المُعال عن الضرر المُتوقع من جراء وفاة مُعيلهِ: لامحل لهُ في القضاء العراقيّ أيضاً):

تتجه محكمة التمييز العراقية الى تخفيف المسـؤولية عن الجاني أو المسـؤول عن الاصابة الجسـدية كلما أمكن لها ذلك، فلا تلزمه بالتعويض عن الاضرار المُتوقعة التي لحقت بذويّ المجنى عليهِ في تفويت فرصة النمو أو الدراسـة أو الحصول على عمل أو كسـب المال لأسـباب لم تذكرها صراحةً أو ضمناً في أحكامها التي تيسـر لنـا فرصة الحصول عليها. فقد قضت في احدى أحكامها بأنهُ: (( ولما كان المجنى عليها لاتعيل الممييز عليهما وإنهما اللذان يُعيلانها، الأمر الذي يجعل الممييز عليهما لايسـتحقان التعويض المادي ومصاريف الدراسـة بإعتبارها جزء منهُ وفق المادة (203) مدني لعدم تحقق موجبهِ ))([128])، كما قضت في دعوى أُخرى بأنهُ: (( إذا كان المُصاب المُتوفى صبياً لم يتجاوز الثانية عشـرة فلا يُحكم لهُ بتعويض مادي عن وفاتهِ لعدم إعالتهِ لأحد. وإنما يُحكم بمصاريف التجهيز والدفن كما يُحكم بتعويض ادبي، ويقتصر التعويض على الضرر المُحقق دون الضرر المُحتمل فلا يجوز التعويض على أسـاس انهُ لو كُتِبَ للمتوفى البقاء لكسـبَ القوة الكسـبية التي تعود بمردود مالي معين لمدة معينة على والديّ الفتى المُتوفى ))([129]). والحقيقة ان اتجاه القضاء العراقيّ غير سـليم في هذهِ الناحية([130])، فهو يعوّض عن الاشـياء وثمارها بمقتضى قاعدة (مافات المضرور من ربح ومالحقه من خسـارة) التي يخسـرها مالكها بسـبب اتلافها أو هلاكها او فقدانها بينما لايحكم بالتعويض عن الاضرار الجسـدية المميتة المتوقعة (كنمو الطفل الصغير وإكمال دراسـتهِ وقيامهِ بعمل منتج في المُسـتقبل). ولايعقل ان يبرر القضاء العراقيّ عدم التعويض عن الضرر المادي والادبيّ المتوقع في حالة الاصابة الجسـدية المميتة بمقتضى الدعوى الارتدادية بحجة ان الاعالة التي يحكم فيها يجب ان تكون مُتحققةً وقت الوفاة سـبباً للحكم بالتعويض عنها ! وإذا كان الأمر على هذا النحو فإنَ مسـؤولية حارس الاشـياء أشـد من مسـؤولية حارس الأطفال. كمسـؤولية مُدراء رياض الاطفال ومدارس التعليم الابتدائي والثانويّ، على الرغم من كونها مسؤولية جنائية بمقتضى احكام المادتين (383/2و477/3) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، فهل يُعقل ذلك ! ألم يخلق الله سـُبحانهُ وتعالى الانسـان في أحسـن تقويم (سـورة التين)([131]).

 

£    المنطقة الثانية: المنطقة المُترددة في التعويض:

لقد تردد القضاء العراقيّ في الحكم بالتعويض عن الاضرار الادبية بمقتضى دعوى التعويض الارتدادية في حالتين: أولهما: حالة التعويض عن  الضرر الادبي الذي لحقَ بالطفل الصغير غير الممييز من جراء وفاة والدهِ أو والدتهِ.

ثانيهما: حالة التعويض عن الضرر الادبي الذي لحق بالمُعالين المضرورين من جراء وفاة مُعيلهم بحادث سـيّر مروري (حالة التأمين الالزامي عن حوادث السـيارات).

وسـنتولى بيـان موقف القضاء العراقيّ منها بالتفصيل وبقدر مـا إسـتطعنا الاطلاع عليهِ من الأحكام القضائية.

 

§   الحالة الاولى: تعويض الطفل الصغير غير الممييز عن الضرر الادبي الناشـىء من جراء اصابة احد والديه بإصابة مُميتة (حالة وفاة):

لم تتجه محكمة التمييز العراقية الى الحكم للطفل الصغير بتعويض عن الضرر الادبي المرتد اليهِ عند وفاة والدهِ أو والدتهِ بحجة انهُ لايشـعر بالألم أو الحزن نتيجة موت قريب لهُ. ولكنها عدلت عن رأيها فيما بعد. ففي دعوى معروضة أمامها اقتنعت محكمة التمييز بالتقرير الذي قدمه الدكتور علي كمال مدير الصحة النفسـية الى محكمة بداءة الرصافة بالدعوى المُقامة أمامها بالعدد 253/ب/1980 والذي جاءَ فيهِ مايأتي: (( وان ظواهر الحرمان من فقدان الألم تبدأ في الأشـهر الاولى من الحياة وتتزايد بشـكل مُتسـارع مع نمو الطفل. وبالنسـبة للأب فإنَ هذا الحرمان يأتي مُتأخراً عن الام ويتعزز الى حدٍ كبير بمدى علاقة الطفل بأبيهِ وان من المؤكد بأنَ الطفل يتأثر نفسـياً بشـكل آني وبشـكل مُتواصل بعدَ ذلك بسـبب فقدان أحد والديهِ في الطفولة بين (1-7) سـنوات وعدم وضوح هذا التأثير في حينهِ لايعني عدم وجودهِ كما انه لايعني انهُ يظهر بشـكل أو بآخر بعدَ ذلك، وقد يكون أهم عامل مؤثر في الحياة النفسـية للحدث النامي في المُسـتقبل ))([132]). فقضت الهيئة العامة لمحكمة التمييز وهي أعلى وأكبر هيئة فيها وتعتبر كلمتها بمثابة كلمة صادرة من المُشـرع نفسـه بقرارها الصادر بالعدد 13/هيئة عامة/1980 في 10/5/1980 بأنَ: (( الصغير غير الممييز يسـتحق التعويض الادبيّ ))([133]). في حين نجد ان محكمة التمييز كانت تقضيّ سـابقاً بأنهُ: (( لايحكم بالتعويض الادبي لأولاد المتوفى بحادث دهس إذا كانوا صغاراً حين وفاة والدهم لأنهم لايفهمون معنى الألم لفقد الأب كما لايحكم بهذا التعويض للولد المولود بعدَ وفاة أبيهِ ))([134]). وعلى الرغم من التحول الكبير الذي طرأ على اتجاه الحكم بالتعويض الادبي للطفل الصغير غير الممييز والذي تبنتهُ الهيئة العامة لمحكمة التمييز العراقية نتفاجأ من الرجوع الى الوراء. ففي قضية أُخرى طُعِنَ فيها تمييزاً نجد ان محكمة التمييز قضت فيها بما يأتي: (( وقد اسـتعانت المحكمة في تقدير التعويض بثلاثة خبراء والذين قدموا تقريرهم المؤرخ في 2/2/1984 والذي جاءَ واضحاً ومعللاً وغير مُغالى فيهِ {والصحيح لغةً: مُغالٍ} ولا إجحاف عدا مايتعلق بالتعويض المادي للمُدعية ....... والتعويض الادبي للقاصرين ........ فإنهم لايسـتحقون لأنَ أعمارهم كانت وقت وفـاة والدهم تقلُ عن خمس سـنين وإنَ التعويض الادبي يُعطى لِمَنْ يشـعر بأسـى ولوعة جراء الوفـاة ومَنْ لايبـلغ هذا العمر لايشـعر بذلك ))([135]). وان الاتجاهات المتناقضة في قضاء محكمة التمييز العراقية نعزوها لتدخل المحكمة الموقرة بالوقائع المعروضة عليها أكثر من مرة لابل ان تدخل بالوقائع، في بعض الاحيان، أكثر بكثير من تدخلها بالمسـائل القانونية. وحين نقرر هذا الرأيّ ونتبناهُ فنحنُ لانسـتنتجهُ اسـتنتاجاً وإنما توصلنـا إليهِ حقيقةً ويقيناً([136])، فقد كتبَ أكثر من مرة الاسـتاذ ابراهيم المشـاهدي بصفتهِ نائب رئيس محكمة التمييز العراقية (سـابقاً)، بشـأنها، إذ قال: (( ان رقابة محكمة التمييز تخضع لأحكام القانون في فرنسـا ومصر ولارقابة لمحكمة النقض على الوقائع .......... ولكن الأمر في العراق يختلف فرقابة محكمة التمييز تشـمل (الوقائع والقانون) حسـبما هو منصوص عليهِ في المادة (203/5) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسـنة 1969 المُعدل ))([137]).

 

§       الحالة الثانية: تعويض المُعالين عن الضرر الادبي من جراء وفاة مُعيلهم في حادث سـيّر مروريّ: 

لقد تركَ المُشـرع العراقيّ، بمقتضى المادة (205/2) مدنيّ، لمحكمة الموضوع السـلطة التقديرية في تحديد المُسـتحقين للتعويض من جراء الضرر الادبـيّ الناشـىء من الاصابة الجسـدية المميتة، بقولها: (( ويجوز ان يقضى بالتعويض للأزواج وللأقربين من الأُسـرة عمّا يصيبهم من ضرر أدبي بسـبب موت المُصاب )). ويبدو ان المعيار الراجح في تحديد المُسـتحقين للتعويض هو المعيار العائليّ. وهذا يسـتتبع ضرورةً وجود علاقة عائلية مع قريبهِ، لم يحدد درجتها القانون وتركَ تحديدها للقضاء بين مدعي الضرر والمتوفى، ممّا يعني اسـتبعاد البعيدين من الأُسـرة والغرباء من حق المُطالبة بالتعويض([138]).

ولما كانت أغلب قضايا التعويض عن الاضرار الادبية الناشـئة بسـبب الاصابة الجسـدية المميتة (الوفاة) ناتجة عن حوادث السـيارات التي يغطيها التأمين الالزاميّ فقد حدث في قضاء محكمة التمييز تضارب كبير جداً في تحديد المُسـتحقين للتعويض عن الضرر الادبيّ.

وان نقطة الخلاف والتردد في الحكم في دعاوى التعويض الناشـئة عن حوادث السـيارات تعمقت مع صدور قرار مجلس قيادة الثورة المُنحل رقم (815) لسـنة 1982 ومـا صاحبهُ من عرف قضائي ضيق المدى هو (( الحد من تعويض المُتضررين أدبيـاً نتيجة الحوادث المرورية وغير المرورية المميتة )). وممّا زادَ الطين بلةً هو القرار المرقم (106) لسـنة 1985 المُعدل للقرار (815) لسـنة 1982 والذي تضمن بأنهُ لايسـتحق التعويض عن الضرر الادبي إلا زوج المتوفى وأقاربه من الدرجة الاولى الذين أُصيبوا بآلام حقيقية وعميقة. وقد توسـعت محكمة التمييز في تفسـيرها لمضمون هذا القرار على نحو أوسـع ممّا جاءَ فيهِ الى حد ان تبنت الهيئة العامة العرف المذكور آنفاً إذ كان من المفروض ان يقتصر تطبيق القرارين (815) لسـنة 1982 و (106) لسـنة 1985 على حالات التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات إلا ان الهيئة العامة لمحكمة التمييز، كما وصفَ جلسـتها –الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ- بالجلسـة الحامية بسـطت تطبيق أحكام هذين القرارين على جميع حالات التعويض عن الضرر الادبي الناشـئة عن الاصابات الجسـدية المميتة المرورية وغير المرورية منها (اي غير المغطاة بالتأمين الالزامي عن حوادث السيارات). إذ قضت الهيئة العامة لمحكمة التمييز بقرارها المرقم 205/هيئة عامة/1986 في 16/7/1986 وبالأكثرية حصر التعويض عن الضرر الادبي بالزوج وأقارب المتوفى من الدرجة الاولى اسـتناداً الى القرار المرقم (106) لسـنة 1985 وكان ذلك في دعوى لاعلاقة لها بدعاوى التأمين الالزاميّ عن حوادث السـيارات تأسـيسـاً على ان قرار مجلس قيادة الثورة (المُنحل) آنف الذكر ينص على انهُ لايعمل بأيّ نص يتعارض مع أحكامهِ وبغية توحيد أحكام التعويض الادبيّ بالنسـبة للدعاوى كافة.

واسـتمرَ الجدل نقاشاً وحواراً حول هذهِ النقطة بالذات كلما عرضت في محكمة التمييز قضية يكون موضوعها (اسـتحقاق التعويض الادبيّ بسـبب ضرر جسـديّ مميت مصدرهُ غير مروريّ). ويبدو ان الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ كان من المُعارضين لما جاءَ في مضمون قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز ولاسـيما إنهُ علَّقَ عليهِ، بِقولهِ: (( أمـا الاحتجاج بتوحيد أحكام التعويض في كافة الدعاوى فلا سـندَ لهُ من القانون، فأحكام الايجار مثلاً، تختلف في قانون ايجار العقار عن الاحكام الواردة في القانون المدني بالخصوص المذكور فلماذا لايقوم القضاء بتوحيدها أيضاً ))([139]).

ولكن الهيئة العامة في محكمة التمييز عدلت من هذا الرأيّ في جلسـة حامية النقاش أيضاً فإتخذت بقرارها الصادر بالعدد 138/هيئة عامة/1992 في 29/4/1992، قراراً يقضيّ بالعدول عن اتجاهها القضائي السـابق، وقضت بحكم آخر، أكثر عقلانية من الحكم الأول، بالتعويض الادبي على وفق حكم المادة (205) من التقنين المدني العراقيّ، إذ جاءَ في القرار المذكور، مايأتي: (( بأنَ قرار مجلس قيادة الثورة المُرقم (106) لسـنة 1985 والذي نصَ بأنهُ لايسـتحق التعويض عن الضرر الادبي إلا زوج المتوفى وأقاربه من الدرجة الاولى الذين أُصيبوا بآلام حقيقية وعميقة هو لأغراض التعويض وفقاً لأحكام قانون التأمين {الالزاميّ} من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 وإنهُ جاءَ بحكم خاص بالنسـبة للتعويض الادبيّ عن الوفاة التي تنشـأ من حوادث السـيارات ولم ينص الحكم المذكور على إلغاء أو تعديل المادة (205) من القانون المدني والتي تقضيّ الفقرة (الثانية) منها على إنهُ: (( ويجوز ان يقضيّ التعويض للأزواج وللأقربين من الاسـرة عمّا يُصيبهم من ضرر أدبي بسـبب موت المُصاب )) وحيث ان تعديل قرار مجلس قيادة الثورة قد جاءَ اسـتثناءً من القاعدة العامة المنصوص عليها في أحكام القانون المدنيّ، وحيث إنهُ لايجوز التوسـع بالاسـتثناء بحيث يمكن ان يشـمل الحوادث الاخرى الناشـئة عن الوفاة من غير حوادث السـيارات، لذا فإنَ حكم المادة (205) من القانون المدني يبقى نافذاً، ويسـريّ على حوادث الوفاة الاخرى وان النص الخاص يقيد العام بحدود مـا نصَ عليهِ الخاص ولايتعدى الى الأحكام الاخرى إلا بنص صريح وحيث قد يتبين ان الواقعة التي نشـأت عنها الوفاة لم تكُن ناجمة عن حوادث السـيارات، لذا فإنها غير مشـمولة بأحكام قرار مجلس قيادة الثورة المُرقم (815) لسـنة 1982 وإنما تخضع لأحكام القواعد المنصوص عليها في القانون المدنيّ ))([140]). ولقد اسـتقرت الأحكام القضائية بهذا الشـأن وبنفس الاتجاه القضائي واسـتناداً الى الاسـباب نفسـها التي اعتمدتها قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز آنف الذكر. وبهذا الصدد اتخذت الهيئة الموسـعة في محكمة التمييز قراراً بالاتفاق صادر بالعدد 33/موسـعة اولى/1992 في 21/10/1992 وفي قضية وفاة بسـبب الصعق الكهربائيّ يقضيّ بإسـتحقاق أقرباء المتوفى من الدرجة الثانية للتعويض الادبيّ الناشـىء بسـبب هذهِ الاصابة المميتة وفق أحكام القواعد العامة المنصوص عليها في المادة (205) من التقنين المدني العراقيّ. وما يُثير ارتياحنا هو مـاجاءَ بقرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الصادر بالعـدد 243/هيئة عامة/2008 (ت 215) في 12/8/2009 والمُتضمن ان من حق أشـقاء المتوفى جراء الصعق بالتيار الكهربائيّ المطالبة بالتعويض الادبيّ عمّا أصابهم من أسـى وحزن لوفاة شـقيقهم([141]). وبذلك يكون تردد محكمة التمييز في الحكم بالتعويض عن الاضرار الادبية الناشـئة بسـبب الاصابات المميتة قد انتفى بالتمييز بين الاصابات المرورية المغطاة بالتأمين الالزامي بموجب قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 المعدل وغير المرورية ( اي غير المغطاة بالتأمين الالزامي).

 

£    المنطقة الثالثة: المنطقة التي يُجوَّز القضاء العراقيّ الحكم بالتعويض بسـببها (منطقة ضيقة):

علمنـا ممّا سـبقَ لنـا بيانه ان التعويض عن الضرر الماديّ الناشـىء عن الاصابة الجسـدية غير المميتة لايجوز المُطالبة بهِ إلا من قِبَلْ المُصاب نفسـهُ([142]). وتسـمى هذهِ بـِ(المُطالبة الشـخصية). فأنْ توفى هذا المُصاب انقضى حق ورثتهِ بالمُطالبة عن الاضرار المادية التي لحقت بمورثهم. وتسـمى هذهِ الدعوى التي للورثة الحق في رفعها بـِ(الدعوى الميراثية) والتي لامحل لها في القضاء العراقيّ كما أشـرنا إليها من قبل([143]). ولكن وفاة المُصاب جسـدياً تنشـىء لورثتهِ من المُعالين حقاً جديداً لايسـتند الى الميراث وإنما يسـتند الى الاعالة ولايقتصر هذا الحق عليهم وإنما يتعدى الى كل مَنْ يُعيله المتوفى ولو لم يكُن وارثاً لهُ. وتسـمى المُطالبة بمقتضى هذا الحق بـِ(الدعوى الارتدادية)([144]). كما اتجهت محكمة التمييز اتجاهاً صائباً نحو تعويض القاصر المولود بعدَ وفاة والدهِ نتيجة حادث مروري مميت بتعويضٍ مادي وأدبي (ذي طابع مادي) لكونهِ يشـعر بِذلة اليتم ومرارة فقدان الأب، وذلك بموجب قرارها الصادر بالعـدد 986/987/هيئة مدنية/منقول/2008 في 11/1/2009([145])، وتكييفنـا القانوني لهذهِ الدعوى، هي دعوى التعويض الشـخصية. ولكن التعويض عن الضرر الادبي الناشـىء من جراء وفاة المُصاب فمن الضروري ان نميز فيهِ بين سـبب الوفاة فإذا كان ناشـئاً عن حادث مروري مُغطى بالتأمين الالزاميّ بموجب قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل فلا يحق المُطالبة بهِ إلا من قِبَلْ زوج المتوفى وأقاربه من الدرجة الاولى ومن الاشـخاص الذين أُصيبوا بآلام حقيقية وعميقة وإن كان الحادث ناشـئاً من حادث وفاة غير مروري وغير مغطى بالتأمين الالزاميّ فيسـتحق التعويض كل أقرباء  المتوفى الى الدرجة التي تقررها محكمة الموضوع في ضوء سـُلطتها التقديرية بمقتضى أحكام المادة (205/2) من التقنين المدني العراقيّ.

إلا ان النقطة الجديرة بالذكر هي ان محكمة التمييز تتجه نحو تضييق نطاق المُسـتحقين للتعويض عن الضرر المعنوي حتى في الحالات غير المشـمولة بأحكام قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل. وبهذا لايسـتحق التعويض إلا أقرباء المتوفى الذين لاتبعد درجة قرابتهم عنهُ عن الدرجة الثانية على الرغم من إطلاق التقنين المدني العراقيّ في المادة (205/2) منهُ للمُسـتحقين لهذا التعويض دونَ تحديد درجة القرابة بحدٍ مُعين([146]).

 

المطلب الثاني

جدوى المُقارنة بين الضمان الشـرعيّ

والتعويض القانوني للجناية الواقعة على النفس أو مادونها

 

الفرع الأول

التعويض القانوني للاصابة الجسـدية

 

 

مَنْ يتوقف عندَ مُصطلحات القانوني المدني العراقيّ في اتلاف الاموال يجدها مُصطلحات شـرعية مُسـتمدة من الشـريعة الاسـلامية مثل (المباشـرة والتسـبب والتعمد والتعديّ والتقصير والضمان) إلا ان الباحث عندما يتمعن في أحكام القانون العراقيّ يجدهُ يشـترط (التعمد) أو (التعديّ) شـرطاً لقيام المسـؤولية الشـخصية في حالة الاتلاف (المادة 186/1 من التقنين المدني العراقيّ) سـواء حدثَ ذلك مباشـرةً أم تسـبباً، وهذهِ صورة خفية من صورة (الخطأ) الغربيّ المصدر، بإعتبارهِ اسـاسـاً للمسـؤولية الشـخصية في قوانين الدول التي تنتهج النظام القانوني اللاتيني. ولم يبقَ أمام مُشـرعنا إلا القول بـِ(الخطأ) كشـرط من شـروط المسـؤولية التقصيرية في الاتلاف. ومـا منعه من انتهاج هذا الحُكُم إلا رغبتهِ بالتواصل مع أحكام الفقه الاسـلاميّ.

وإذا إنتقلنـا الى الجنايات الواقعة على النفس أو مـادونها فنجد ان مُشـرعنا اقتضبَ أحكامها في مادتين فقط لاثالث لهما. إذ نصت المادة (202) من التقنين المدني على ان: (( كل فعل ضار بالنفس من قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أيّ نوع آخر من أنواع الايذاء يلزم بالتعويضات من أحدث الضرر ))، بينما عالجت المادة الاخرى (أيّ المادة 203 مدني عراقيّ) تعويض المُعالين وورثة المجنى عليهِ من جراء قتل المُعيل أو وفاتهِ بسـبب هذهِ الاصابة.

فالمُشـرع العراقيّ لم يقرر لهذهِ الجنايات القصاص أو الدية ومـايتبعهما من ارشٍ وحكومة عدل، كما انهُ يتعذر عليهِ الأخذ بأحكامها مُباشـرةً لأنَ ذلك يسـتوجب تغيير النظام الجنائي الاجتماعي والقانوني للدولة العراقية الذي يتطلب الغاء لقانون العقوبات الوضعي واحلال قانون جنائي شرعي يحل محله. وهذا الموضوع من مباحث القانون الجنائي، فنتجنب الخوض فيهِ خشية الخروج عن موضوع البحث([147]).

والواضح ان المُشـرع العراقيّ قد أسـسَ المسـؤولية الناجمة عن الوفاة أو الاصابة الجسـدية على أسـاس (الخطأ) بمفهومهِ العام وهو أسـاس فلسـفيّ غربيّ المصدر يمكن الجمع بينه بصفتهِ حق خاص للمجنى عليهِ وورثتهِ ومُعاليهِ ويُعالج موضوعاتهِ القانون المدني العراقيّ وبين مُعاقبة الجاني جزائيـاً بمقتضى أحكام قانون العقوبات العراقيّ النافذ بإعتبار ان إنزال العقوبة بالجاني هو حقٌ عام تمارسـهُ الدولة بمقتضى مـا لها من سـيادة على رعاياها والمُقيمين على اقليمها، حيث يجوز ان تجتمع المسـؤوليتان الجزائية والمدنية على الفاعل المسـؤول عن ارتكاب هذه الجناية بموجب قوانين النظم الغربية التي اقتبسَ مُشـرعنا العراقيّ نظامه القانوني منها. ولكن لو تمعنـا قليلاً في نص المادة (202) مدني عراقيّ فنجد ان كل فعل ضار بالنفس من قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أيّ جناية أُخرى واقعة على مـادون النفس تلزم الفاعل بالتعويضات. وأسـاس هذهِ المُطالبة إنما يقوم على خطأ مُفترض قابل لإثبات العكس. وهذا مـاصرحَ بهِ الاسـتاذ الدكتور سـليمان مرقس بِقولهِ: ((ويمكن القول بأنَ سـكوت المادة (202) من ذكر شـرط الخطأ أو التعديّ قد قصدَ بهِ أن تقوم تلك المسـؤولية إبتداءً أيّ دونَ حاجة بالمضرور الى إثبات خطأ الفاعل ولكن على أسـاس ان هذا الخطأ مُفترض بنـاءً على قرينة قانونية أخذ بها المُشـرع نفسـه بدلاً من القرائن القضائية التي كان تقديرها متروكاً للمحاكم، وهي قرينة بسـيطة قابلة لإثبات العكس أيّ انها تقتصر على قلب عبء الاثبات ونقلهِ من المضرور الى المُتسـبب في الضرر))([148]). ومتى سـلمنا بأن المسـؤولية تقوم على أسـاس الخطأ فهو إنما خطأ مُفترض قابل لأثبات العكس في جانب المدعى عليهِ. وهذا مـايتوافق مع أحكام المادة (202) مدني عراقيّ.

 

الفرع الثاني

المُقارنة والمُوازنة بين الدية الشـرعية والتعويض القانونيّ

 

الجزاء المدني لانتهاك حرمة جسم الانسان في الفقه الغربي والفقه الاسلامي:

القصاص في طبيعتهِ البدائية كان يتمثل في حقٍ خاص يُمارسـهُ الفرد بنفسـهِ في ظل القبيلة التي ينتمي اليها ويتعاون مع غيرهِ من أبناء هذا التكتُل بدافع من غريزة الثأر والانتقام. فكان هذا الرد ضد الاعتداء على النفس ومـادونها وهو الصورة الوحيدة التي تتفق مع الحياة الفكرية غير انهُ بسـبب غياب مبدأ شـخصية المسـؤولية الجنائية ومبدأ شـخصية العقوبة التي نصَ عليها القرآن الكريم اذ قال: (( كُلُ نفسٍ بما كسـبت رهينة )) (سـورة المُدثر/38) وأيضاً قال: (( ولاتزر وازرةٌ وزرَ أُخرى )) (سـورة الانعام/164)،  لذا كان المُنتقم كثيراً مـايصبُ جامَ غضبهِ على كل مَنْ يجدهُ وهو ينتمي الى أُسـرة أو عشـيرة أو قبيلة الجاني. وبذلك كانت ممارسـة حق الثأر والانتقام الغريزي تؤدي الى تكوين حلقة شـُبه دائمة عن الحروب المُسـتمرة الطاحنة بين قبيلتيّ الجاني والمجنى عليهِ. وبعدَ أن قطعَ  الاسـلام شـوطاً من التقدم الحضاريّ ظهرت نظمه التي حاولت تهذيب المجتمع الى حدٍ بعيد كنظاميّ القصاص والدية.

وعقوبة القتل العدوان في الشرائع السماوية هي القصاص([149]) إذا توافرت أركانه وشـروطه وانتفت موانعه، وفلسـفة هذهِ العقوبة هي حماية أرواح الأبرياء إذ لم يكُن مُتصوراً ان تجتمع هذهِ العقوبة مع التعويض، بينما تعني (الدية) التراضيّ بين قبيلتيّ الجاني والمجنى عليهِ على مبلغٍ من المال يتقاضاهُ المُعتدى عليهِ إذا كان لايزال على قيّد الحياة أو ذووهُ عنها مُقابل التنازل عن القصاص وكان من غير الممكن ان تجتمع العقوبة (أيّ القصاص) مع الدية (أيّ التعويض المُقدر من قِبَلْ الشـارع).

وأن الجناية الواقعة على مـادون النفس فجزاؤُها القصاص أيّ المثل بالمثل والعضو بالعضو وإنْ تعذر التماثل بين الأعضاء فيُصار الى (الارش) و (حكومة العدل) على نحوِ مـاسـبقَ لنـا بيانه.

أما الشـرائع الغربية الحديثة فقد سـبقَ لها، ومن وقتٍ طويل، يرجع الى عهد الحكم الجمهوري الرومانيّ، فصل المسـؤولية الجنائية عن المسـؤولية المدنية الواقعة على النفس أو مادونها بتعويض المجنى عليهِ ومنذُ قانون كورنفيليـا([150]) الذي بمقتضاهُ أُعتبرَ بعض أنواع الاعتداء كالضرب والجرح لابل حتى انتهاك حرمة المنازل من الجرائم العامة التي يُعاقب عليها القانون بعقوبات بدنية تتولاها الدولة. ولكن إذا اختار المجنى عليهِ رفع الدعوى الجنائية العامة (والتي لايحقُ لغيرهِ رفعها أو التمسـك فيها)([151]) فإنَ حقه في المُطالبة بالغرامة (والتي تسـمى في عصرنـا الراهن بالتعويض شـريطة أن تكون مُسـاويةً للضرر الذي ألمَ بالمجنى عليهِ) يسـقط([152]).

ولايختلف القانون الأنكلوسـكسـونيّ عن القانون اللاتينيّ في شـيء من ذلك كله، فجناية القتل أو الجرح مُعاقبٌ عليها جنائيـاً أمـا التعويض المُترتب بسـببها فهي تبقى مسـألة قانونية مدنية. لذلك تكون وظيفة المسـؤولية الجنائية مُختلفة عن وظيفة المسـؤولية المدنية في هذا القانون.

ومُقارنة التعويض المدني بالدية([153]) أو الارش أو حكومة العدل لايسـتقيم وضعهُ لأنَ أسـاس التعويض المدني عن الجنايات الواقعة على النفس هو (الخطأ) بصورة عامة في القانون اللاتيني والقانون الانكليزيّ، بينما أسـاس القصاص في الشـريعة الاسـلامية هو العمد الذي قصدهُ الجاني على نفس المجنى عليهِ أو على مادونها من أعضاء جسـمهِ. كما ان مقارنة التعويض المدني بالدية أو الارش أو حكومة العدل لايسـتقيم آمره طالما كانت الدية عقوبة بديلة عن القصاص تتحملها عاقلة الجاني (أيّ أبناء عشـيرتهِ القادرين على حمل السـلاح) ويترك سـُلطان العدول إليها بيّد المجنى عليهِ اذا كان حياً أو بيد ورثتهِ إذا كان مقتولاً أو ميتاً بسـببها، بينما يتحمل الجاني شخصياً دفع مبلغ التعويض (اي الدية وقتذاك) المقرر الى المجنى عليهِ شخصياً عن الجريمة العمدية التي ارتكبها بأرادته قصداً إذا كان المجنى عليه حياً أو لورثتهِ ومُعاليهِ إذا كان مقتولاً أو مُتوفياً بسـببها أو لأيّ سـببٍ آخر.

 

وقفة اخيرة: وظيفة التعويض و الدية في الفقه الغربيّ والفقه الاسـلاميّ

لقد سـبق لنـا تحديد طبيعة (الدية) في الفقه الاسـلاميّ، تلك الطبيعة المُزدوجة كما رأيناها، فهي مرة تعويضاً عن جناية نفس أو مـادونها، وتارةً أُخرى نجدها عقوبةً يفرضها وليّ الأمر إذا تنازلَ عنها الجاني أو أولياء دمه في بعض حالات الجنايات العمدية([154]). بينما نجد طبيعة (التعويض) واحدةً في الفقه الغربيّ سـواء أكان لاتينيـاً أو أنكلوسـكسـونياً، فهي وسـيلة لجبر الضرر عن المضرور لا لإثرائِهِ.

وهُنـا نجد ان لكُل فقه وظيفة خاصة بهِ، وهذا مـا اسـتقرَ عليهِ الفقه الغربيّ والفقه الاسـلاميّ. ولكن لو تتبعنـا الفقه الغربيّ في كافة مراحلهِ نجد ان التعويض عن الضرر الادبي ذي الطابع الشـخصيّ يختلط ويلتبس مع طبيعة الدية في الفقه الاسـلاميّ. إذ ان دفع هذا التعويض يُشـكل عبئاً على الفاعل. فهل يمكن تصورهُ على إنهُ عقوبة من نوعٍ خاص؟

والحقيقة ان التعويض عن الأضرار المعنوية (أو الأدبية) ذات الطابع الشـخصيّ إنما هو تعويض عن الآلام والمُعاناة التي تكبدها المضرور وهذا مـا يجعلنـا نقول بكل قوة ووضوح إنهُ تعويضٌ مدنيّ وليس عقوبة من نوعٍ خاص. ولكنَ حالات الالتباس في التعويض في الفقه اللاتيني لاتنتهي عندَ هذا الحد، وإنما أضافً إليها البعض نوعاً من الالتباس . حيث وضعَ الفقيه الفرنسـيّ سـتارك ("Starck") في عام 1947 نظريته الحديثة في المسـؤولية، إذ إعتبرَ ان وظيفة المسـؤولية مُزدوجة فهي ضمان للمضرور من ناحية وجزاء يفرضهُ القانون، بمقتضى تبَنيّه لنظرية الضمان، من ناحيةٍ أُخرى.

ويخلص سـتارك الى القول بأنهُ متى سـلمنا بحق الانسـان في سـلامة جسـمهِ ومالهِ، فإنَ كُل ضرر يُحدثهُ بالأشـخاص او بالأموال دونَ ان يكون مرخصاً لهُ في ايقاعهِ يُعتبر عملاً غير مشـروع يسـتوجب المسـؤولية بقطع النظر عمّا إذا كان النشـاط الذي أدى الى حدوث الضرر مشـروعاً كان أم غير مشـروع([155]).

ولانهتم ببسـط مضمون هذهِ النظرية والرد عليها وتقويم فكرتها وذلك لأنَ البحث فيها يدخل في مباحث المسـؤولية المدنية القائمة على أسـاس (الضرر) أو (الفعل الضار وحده). ولكن مانهتم بالاشـارة إليهِ هو أمران:

§   أولهما: ان نظرية الضمان التي نادى بها (سـتارك) تنبسـط على جميع الأضرار الواقعة على الأشـياء أو الأشـخاص دونَ تفضيل لأحدهما على الآخر.

§   ثانيهما: ان تعويض الضرر وفق منطوقها لايقتصر على مجرد تعويض الحق المُعتدى عليهِ فحسـب وإنما يكون لها فوقَ ذلك كله وظيفةٌ أُخرى هي معاقبة المسـؤول بعقوبة خاصة لها طابعٌ مدني وذلك بتشـديد مسـؤوليتهِ بحيث يلتزم المسـؤول عن تعويض الضرر الذي أحدثهُ وعن مُعاقبتهِ ماليـاً من جراء الضرر الذي أحدثه ليرتدع هو وغيره عن إلحاق الضرر بالأشـخاص او بالأموال([156]). وهذهِ فكرة جنائية أكثر ممّا هي فكرة تعويض مدنية.

وعلى كُلِ حال فإننـا لم نلمس لهذهِ النظرية وجوداً تشـريعياً في قانون أية دولة على الرغم من إعمالنـا جهداً واسـعاً في البحث عن تجاربها، وبذلك نخلص الى إعتبار وظيفة الدية في الفقه الاسـلاميّ مُزدوجة من تعويض وعقوبة، بينما تكون وظيفة التعويض عن الاعمال غير المشـروعة الواقعة على جسـم الانسـان في الفقه الغربي (اللاتيني) هي لجبر الضرر عن كاهل المضرور دونَ أن يكون الضرر الذي ألمَ بهِ سـبباً لإثرائِهِ([157]).

أمـا وظيفة التعويض عن الاضرار الجسـدية في الفقه الأنكلوسـكسـونيّ فلا تختلف شـيئاً عن وظيفة التعويض في الفقه اللاتينيّ. فما التعويض عندهم إلا لجبر الضرر الذي أَلمَّ على المضرور المُدعيّ. ولاتزعزع وجهة نظرنـا عنهُ بحجة ان القانون الأنكلوسـكسـونيّ يلزم على مَنْ صدرَ عنهُ التهديد بالإعتداء (Assault) تعويض الشـخص المُتضرر من جراء هذا التهديد (أيّ الشـخص المُهدد). وعلى كُلِ حال فليسَ التهديد بالإعتداء مُسـاوياً لفعل التهديد نفسـه، فالتهديد شـيء والاعتداء شـيءٌ آخر.

والحقيقة ان الذي نقصدهُ بالتهديد بالاعتداء، هو أيّ فعل يدلُ، مُباشـرةً، على إنصراف نية المدعى عليهِ، الى الاعتداء على المُدعي، إذا كان بإسـتطاعتهِ تنفيذ تهديدهِ([158]). وهو يتكون من ركنين أحدهما مادي بالتلفظ بألفاظ التهديد المصحوب مع الحركات الجسـمية المؤدية لهُ، وثانيهما معنويّ يتضمن قصد الفاعل المُتضمن التلفظ بألفاظ التهديد مع قدرتهِ على تنفيذ مـايقولهُ.

ولما كانَ التهديد بالإعتداء، هو في جوهرهِ، واقعة لم تنتج آثارها بعد إلا إنها تسـتوجب التعويض عن الآلام النفسـية والمُعاناة التي عاناها المُهدَدْ (المضرور). وهذا يعني ان تكييفهِ لايخرج عن ماهية الضرر المعنوي ذيّ الطابع الشـخصيّ المعروف في الفقه اللاتينيّ.

ومن الجدير بالذكر قولهُ، ان القانون الانكليزيّ يعرف التعويض الاقتدائيّ (Exemplary Damages) والذي يُسـمى في بعض الاحيان بالتعويض الانتقاميّ والذي يتمثل في اضافة خاصة الى ماتمَ منحه من تعويض عينيّ. ومن ثمَ يمكن وصفه بأنهُ نوع من العقوبة، إلا ان مجلس اللوردات البريطانيّ وفي قضية (Rookes V. Baruard) التي قضى فيها سـنة 1964 قد حصرَ هذا التعويض على بضعة حالات ليس من ضمنها حالات الاصابات الجسـدية. طبعاً مالم يتدخل المُشـرع البريطانيّ ليسـتحدث حكماً آخر بموجب قانون حولَ هذا الموضوع([159]).

إذاً وعلى كُلِ حال لم نجد بين النظامين (اللاتيني والأنكلوسـكسـوني) نظاماً مُزدوجاً للمسـؤولية له طبيعة مدنية وأُخرى جنائية كمثل طبيعة الدية في الفقه الاسـلاميّ.

 

  

خاتمة البحث

 

من المعروف ان لكل نظام فقهي منهاجه واسـلوبه في معالجة الآثار الناشـئة عن الجنايات الواقعة على النفس ومادونها. ومنهاج الفقه الاسـلاميّ عموماً وفي جنايات النفس خصوصاً مؤسـس على ثلاثة مبادىء، أولهما: شـخصية العقوبة (( كُل نفسٍ بما كسـبت رهينة )) (سورة المُدثر/38)، وثانيهما: القصاص وأسـاسـه تسـاوي المحلين: محل الجريمة ومحل العقوبة (( وكتبنـا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالآذن والسـن بالسـن والجروح قصاص فمَنْ تصدقَ بهِ فهو كفارة لهُ ومَنْ لم يحكُم بما أنزلَ الله فاولئكَ هم الظالمون )) (سـورة المائدة/45)، وثالثهما: السـُلطان الممنوح لوليّ الدم في إنزال القصاص أو العدول الى الدية أو النـزول عن كليهما (( يـاأيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد )) الى أنْ قال تعالى: (( فمَنْ عفيّ لهُ من أخيهِ شـيء فاتباع بالمعروف واداء إليهِ بإحسـان )) (سـورة البقرة/178)، وقولهِ جل وعلا: (( وكتبنـا عليهم فيها ان النفس بالنفس )) الى أنْ قال: (( فمَنْ تصدقَ بهِ فهو كفارة لهُ )) (المائدة/45).

بينما يقوم منهاج الفقه اللاتيني في هذا الموضوع على مبدأ فصل المسـؤولية الجنائية عن المسـؤولية المدنية وجعل الاولى مظهراً من مظاهر سـيادة الدولة التي تمارسـها من خلال أجهزتها القضائية والتنفيذية وجعل الثانية حقاً شـخصياً للمجنى عليهِ إذا كان على قيّد الحياة ولمعيليهِ أو ورثتهِ إنَ كان مقتولاً أو مُتوفياً بسـبب الجناية الواقعة على نفسـهِ أو لأيّ سـبب آخر.

ويعود الفضل في إرسـاء الفصل بين المسـؤوليتين الجنائية والمدنية للشـرائع السـماوية كافة ومن ضمنها الشـريعة الاسـلامية، فالفصل بينهما يعدُ تطوراً لمبدأ شـخصية العقوبة وتركيز محلها المُسـاويّ للجريمة بحيث لايزيد التعويض عن الضرر أو ما  آلم بالمدعي من قِبَلْ المُتضرر بالاصابة الجسـدية. وهذا تطور كبير بلغتهُ فكرة القصاص كنظام قانوني لحل مشـاكل الثأر والعصبية القبلية.

والمُقارنة بين أسـاس المسـؤولية والتعويض عنها في الفقه الغربي والفقه الاسـلاميّ لايصحُ بحثها بمعزل عن الظروف الاجتماعية والسـياسـية التي كان يعيشـها المجتمعان الاسـلاميّ والغربيّ، وذلك لأنَ الانتقال من نظام لآخر لايعني إلغاء مبدأ شـخصية العقوبة أو الانتقاص من نظام القصاص وإنما يجب علينـا فهمه بأنهُ تطور لاحق على هذهِ المبادىء والمفاهيم التي وصل إليها المجتمع الغربيّ بسـبب انفتاحهِ على الحضارات الانسـانية كافة ومن ضمنها الحضارة الاسـلامية، بينما احتفظت معالجات ضمان الجنايات الواقعة على النفس ومادونها في الفقه الاسـلاميّ بالمرحلة نفسـها من التطور الذي انطلقت منهُ في خط الشـروع الأول بسـبب إغلاق بعض المذاهب الاسـلامية لباب الاجتهاد فيها. فأضحى ضمان الجناية على النفس ومادونها مُلحقاً بالقصاص لاينفك عنهُ.

ولو ان الضمان كان مُلحقاً بالقصاص أو خياراً من خيارات المجنى عليهِ بحُكُم نص القرآن الكريم، إلا إنَ لحكومة العدل مسـاحة في تقدير هذا الضمان ومنها ضمان ايذاء العضو أو الاحسـاس بالألم الناتج من جراء الجناية الواقعة على مادون النفس. وكان بإسـتطاعة الفقهاء والدُعاة المُسـلمين التوسـع فيها وجعلها مبدأً قائماً بنفسـهِ تقوم مقام المسـؤولية المدنية في الفقه اللاتيني الحديث، إلا ان لغلق باب الاجتهاد في بعض المذاهب الاسلامية، كما أسـلفنا من قبل، كان السـبب المباشـر لتوقف تطوره ممّا أعطى الفرصة لهذا السـبب ولغيرهِ من الأسـباب ومن أهمها حرية البحث العلمي وحرية مُقارنة الشـرائع الدينية مع الشـرائع المدنية الحديثة  بأنْ يسـتكمل مراحل تطورهِ حتى وصلت إلينـا بِنظريتهِ المعروفة في التعويض المدني المُنفصلة عن الجزاء الجنائي كل الانفصال.

أمـا الأسـاس الحديث للمسـؤولية المدنية عن الاصابات الجسـدية يقوم على أسـاس من (الخطأ الواجب الاثبات) في بادىء الأمر والذي يقع عبء الاثبات على المدعي. والغاية منهُ تحديد الفاعل وإلزامهِ بدفع التعويض بعدَ تمييزهِ عن غيرهِ من الاشـخاص المُشـتبه بهم معه من الذين لاتربطهم بهِ أيةَ رابطة في ارتكاب الجريمة أو في إعدادها أو في تنفيذها. وهذا الأسـاس المُقرر للمسـؤولية ثقيل الوطأة على المضرورين فكم من مضرور خَسـَرَ دعواهُ وتحملَ عاقبة الضرر الذي لحقَ بهِ نتيجة عدم تمكنهِ من تحديد الخطأ الواجب الاثبات أمام القاضي المُختص، لذلكَ عَدَلَ المُشـرع العراقيّ منهُ وخففَ غلوائهِ، ولو كان ذلك بنصٍ مُقتضب وُمختصر جداً، فأقامَ المسـؤولية الناشـئة عن الاصابة الجسـدية المميتة وغير المميتة على أسـاس من الخطأ المُفترض بالجاني ومكَنَ المدعى عليهِ من نفيهِ إذا أثبتَ عدم ارتكابهِ لها (المادة 203 مدني عراقيّ).

إنَ أسـاس المسـؤولية من خطأ واجب الاثبات أو من خطأ مُفترض هو عملٌ من صناعة الفقه الغربي (اللاتيني) الذي تمسـكَ بهِ وتدرجَ فيهِ الى أن بلغَ نظرية المخاطر وتحمُل التبعة والتي يُلاحظ فيها انها صناعة أهدرت حقوق الكثير من المضرورين لعدم تمكنهم من التحقق من وجود وإثبات أركان الخطأ ولاسـيما إذا كان أسـاس المسـؤولية هو الخطأ من النوع الأول أيّ الخطأ الواجب الاثبات بِرُكنيهِ المادي (التعديّ) والمعنوي (الادراك)، بينما عالجت الشـريعة الاسـلامية أسـاس المسـؤولية من خلال تفرقتها بين المباشـرة والتسـبب. فالمباشـرة هي كُل مـا أثرَ في تلف الجسـد أو العضو وجلب الموت إليهِ دونَ واسـطة كالذبح بالسـكين والخنق باليد، والسـبب هو كُل مـا أثرَ في الجسـد أو العضو وجلبَ الموت إليهِ بواسـطة كشـهادة الزور بأرتكابه جريمة قتل وكحفر بئر وتغطيتها في طريق المجنى عليهِ فيقع فيها ويموت. ولو تتبعنـا هذهِ المُعالجة لوجدنـا أسـاسـها جنائي إبتداءً وإنتهاءً ويتطلب الادراك لنتيجتها من قِبَلْ الجاني حتى تكون عمدية كما يحدث ذلك في حالة القتل مباشـرةً بالسـكين من جراء نزاع أو بالشـهادة على بريء من أجل التخلص من روحهِ بيد الجلاد بقصد اعدامه. والفرق بينهما هو أسـاس المسـؤولية المدنية عن الاصابة المميتة وغير المميتة في الفقه الغربي إنها لاتؤدي الى هدر ضمان دم المقتول أو المجروح هدراً لإنتفاء وجود الأسـاس القانوني لمُطالبتهِ بالضمان، وإنما تقضي بهِ على العاقلة إنْ كانت الجناية مُرتكبة عن خطأ لاقصد للجاني في إحداثها، وهذهِ هي الدية بإعتبارها عقوبة أصلية عن جريمة القتل الخطأ. أمـا بالنسـبة للجنايات الواقعة على النفس عمداً والتي قصد مرتكبها إحداث نتيجتها (أيّ إزهاق الروح)، فإنَ لوليّ الدم (اي ذوي المقتول) السـُلطان لفرض القصاص على الجاني أو النـزول الى الدية بإعتبارها حقاً مُقرراً لأولياء الدم تُرك تقديره الى الشـارع الذي قدرهُ بمئة من الابل، لان: ((من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً...)) (سورة الاسراء/33) وهذهِ الدية إنما هي عقوبة بديلة عن القصاص ولاتسـقط عن الجاني بدعوى سـقوط أسـاس مطالبتهِ (أيّ سـقوط ركن الخطأ في دعوى تضمينهِ المدنية) وتكون مفروضة على عاقلة الجاني أيّ على أبناء قبيلتهِ من الرجال القادرين على حمّل السـلاح.

ويمكننـا تتبع المسـؤولية وأسـاسـها وآثارها في الفقه الغربيّ (اللاتيني) والفقه الاسـلاميّ من خلال جدول المقارنة بينهما –إنْ صحَ التعبير- لمعرفة أوجه التقارب والتباعد بينهما تاركين للباحثين السـاعين لمعرفة الحقيقة حرية الاسـتنتاج في جدوى المقارنة بين الفقهين الغربي والاسلامي كلٌ حسـب ثقافتهِ وملكتهِ القانونية التي وصلَ إليها والبيئة التي نشـأ وترعرع فيها، فالاساليب هي ادوات الباحثين والعلم هو سلاحهم والخبرة هي زادهم أمـا أداؤهم فهو من صنع ملكاتهم ومهاراتهم.

يتبين لنـا من خلال جدول المقارنة بين الفقه الغربي والفقه الاسـلاميّ المذكور ادناه وجود فوارق كثيرة وكبيرة بينهما كما يتبين لنـا تبنيّ المُشـرع العراقيّ لأحكام الفقه الغربي (اللاتيني) في تأسـيس المسـؤولية الناشـئة بسـبب الاصابة الجسـدية والتعويض عنها. كما يُلاحظ أيضاً ان النظام القانوني لتعويض الاصابات الجسـدية في العراق يقوم على خمسـة أركان. أربعة منها موضوعية تمت معالجتها بالتقنين المدني العراقيّ وواحدة منها شـكلية تمت معالجتهُ بقانون المرافعات المدنية رقم (83) لسـنة 1969 المُعدل (المادة 203 منهُ).

 

أحكام النظام القانوني

مُعالجات النظام (أيّ أحكام الفقه الاسـلاميّ والفقه الغربيّ اللاتيني)

نوع المسـؤولية

أسـاسـها

حق المجنى عليهِ

ومُعاليهِ وورثتهِ

اسـتحقاق المجنى عليهِ

ومُعاليهِ وورثتهِ

حُكُم الاصابة الجسـدية المميتة وغير المميتة في القانون الغربي (القانون اللاتيني)

مسـؤولية مدنية (مسؤولية تقصيرية) ويجوز ايقاع العقوبة على الجاني وفرض التعويض عليه ايضاً اذ يكون الجاني مسؤولاً مسؤولية شخصية عنهما في الفقه الغربي  

نظرية الخطأ المُفترض في القانون العراقيّ (المادة 202) مدني عراقي

التعويض

(ولايحكم بهِ القاضيّ إلا بالمُطالبة الصريحة بهِ) والتعويض شيء والعقوبة الجنائية شيء اخر. ويمكن اجتماعهما في الفقه الغربي على الجاني كلٌ حسب شروطه والقواعد الخاصة بهِ

 

 

 

ويسـتحق المجنى عليهِ هذا التعويض إذا كانَ حياً وإلا فهو لورثتهِ بمقتضى دعوى التعويض الارثية (والتي لا يمكن المطالبة بها بموجب القانون العراقي) أو لمُعاليهِ بمقتضى دعوى التعويض الارتدادية (المادة 203 مدني عراقيّ).

حُكُم الاصابة الجسـدية المميتة وغير المميتة في الفقه الاسـلاميّ

مسـؤولية جنائية تقع على نفس القاتل بِقتلهِ أو بإتلاف عين العضو الذي اتلفه من جسـم المجنى عليهِ (القصاص) ويمكن لولي الدم العدول عنها والنزول بها الى الدية او العفو اذا اختارها.

العمد، وصورهِ:

§        المباشـرة

§        والتسـبب

وجزاء العمد القصاص إلا إذا عدل عنهُ وليّ الدم الى الدية أو العفو. ويسـقط خيار العدول إذا سبقَ للجاني وان ارتكب جريمة الاعتداء على النفس أو مادونها لأنهُ في هذهِ الحالة لايسـتحق العطف أو المساعدة لخطورتهِ على المجتمع.

لوليّ الدم السُلطان في نفس ومال المجنى عليهِ على النحو الاتي:

1.    إنزال القصاص بالجاني، او

2.    المطالبة بالدية، وتشمل الدية الارش وحكومة العدل، أو

3.    العفو عن الجاني.

§        إما القصاص  وفيه يتساوى محل العقوبة ومحل الجناية (الاصابة الجسدية)

§        أو الدية (والدية كعقوبة لما دون النفس تكون عقوبة بدلية لأنها حلت محل القصاص في عقوبة الجناية على مادون النفس عمداً وتعتبر الدية عقوبةً أصلية وليست بدلية إذا كان سبب الجناية غير عمديّ وبشرط أن لاتكون عمدية محضاً)([160]).

§        أو الارش (والارش على نوعين: ارشٌ مُقدر وارشٌ غير مُقدر، فالأول هو ماحدد الشارع مقداره كأرش اليد والرجل، والثاني هو مالم يرد فيهِ نص وترك للقاضي تقديره، ويسمى هذا النوع من الارش حكومة)([161]).

§        أو حكومة العدل (سبقَ بيانها).

ولايجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين.

 

وهذهِ الأركان هي كما يأتي:

§        الركن الأول: لايحل الورثة جزءاً أو كُلاً محل مورثهم في مطالبة المسـؤول عن الاضرار التي لحقت بمورثهم، وهذا يعني انهُ لايجوز الحكم لمصلحة التركة عن تعويض هذهِ الاضرار، إذ لاتعويض عن الموت ولا محل للدعوى الميراثية في القانون العراقيّ ايضاً (المواد 202، 203، 205 مدني عراقيّ).

§        الركن الثاني: أسـاس المسـؤولية الناشـئة عن الاصابة الجسـدية سـواء أكانت مُميتة أو غير مُميتة في القانون المدني العراقيّ هي الخطأ المُفترض القابل لإثبات العكس (المادة 202 مدني عراقيّ).

§        الركن الثالث: يقتصر طلب التعويض عن الضرر المعنوي في حالة الاصابة الجسـدية غير المميتة على المضرور شـخصياً دون أن يكون للمُعيل منهُ ممارسـة مثل هذا الحق حتى ولو كانت اصابة مُعيلهِ سـبباً لعجزهِ الكامل وإلا قضت المحكمة المختصة بِرَّد دعواه لعدم توجه الخصومة فيها ابتداءً (المادتين 3 و 4 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسـنة 1969 المُعدل).

§        الركن الرابع: يتحدد نطاق التعويض عن الضرر المعنوي في الاصابات الجسـدية المميتة وغير المميتة بنطاقين أحدهما مادي والآخر شـخصي.

E   النطاق المادي: يقتصر على الاضرار المعنوية ذات الطابع الموضوعي مثل الآلام الجسـدية وفقدان الجمال والحرمان من مباهج الحياة دون الاضرار المعنوية ذات الطابع الشـخصي مثل الآلام والمُعاناة.

E   النطاق الشـخصي: ويقتصر طلب التعويض عن الضرر المعنوي للمُعالين من جراء وفاة مُعيلهم على الزوج والأقارب من الدرجة الاولى في حوادث السـيارات المُغطاة بالتأمين الالزاميّ بموجب أحكام قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل والمشـمول بقرار مجلس قيادة الثورة المُنحل رقم (815) لسـنة 1982 وتعديلهِ بالقرار رقم (106) لسـنة 1985. أمـا حوادث الاصابات الجسـدية المميتة الناشـئة عن أسـبابٍ أُخرى لاعلاقة لها بحوادث السـيارات المُغطاة بالتأمين الالزاميّ وغير الناشـئة عن أحكام قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المعدل فيسـتحق أقارب المُصاب المتوفى والأقربين منهُ التعويض عنها دون تحديد لدرجة قرابة معينة بموجب أحكام المادة (205/2) مدني.

إلا ان اتجاه محكمة التمييز حول هذا الموضوع يميل الى تضييق نطاق الاشـخاص المُسـتحقين لهذا التعويض على الرغم من عدم شـمولهم بأحكام قانون التأمين الالزامي من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل الى أدنى حد ممكن. وهي بأيّ حال من الأحوال لاتقضيّ بالتعويض عن الضرر المعنوي المرتد إلا لأقرباء المتوفى الذين لاتبعد درجة قرابتهم عنهُ عن الدرجة الثانية في أحسـن الأحوال (يُراجع قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز العراقية الصادر بالعدد 243/هيئة عامة/2008 في 13/8/2009 المنشـور في مجلة التشـريع والقضاء في العدد الثالث منها لسـنة 2010 وفي الصفحة 163 منها ومـابعدها).

§        الركن الخامس: تتدخل محكمة التمييز العراقية في المسـائل القانونية (مثل أسـاس المسـؤولية) حالها كحال بقية المحاكم التمييزية في مختلف دول العالم ذات النظام اللاتيني، إلا انها تتدخل في الوقائع (مثل تحديد مقدار التعويض) أيضاً خلافاً لقواعد القضاء التمييزيّ التي تتبعها المحاكم التمييزية في مختلف دول العالم. وتستند محكمة التمييز العراقية الى أحكام المادة (203/5) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسـنة 1969 المعدل لتبرير تدخلها في الوقائع والمسـائل القانونية على حد تفسـيرها للنص المذكور والذي نص على مايأتي: (( للخصوم ان يطعنوا تمييزاً، لدى محكمة التمييز في الاحكام الصادرة من ... وذلك في الاحوال الاتية: ..... 5. اذا وقع في الحكم خطأ جوهري: ويعتبر الخطأ جوهرياً اذا اخطأ الحكم في فهم الوقائع او..... )). ومـا زاد في الطين بلةٍ هو مـاجاءَ بإختصاصات محكمة التمييز العراقية من تخفيض مبلغ التعويض المحكوم به او زيادته بمقتضى احكام قانون أُصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل ايضاً. فقد نصت المادة (259/أ/9) منه على مايأتي: (( أ. لمحكمة التمييز بعد تدقيق اوراق الدعوى ان تصدر قراراها فيها على احد الوجوه الاتية: .........

9. تصديق الحكم الصادر في الدعوى المدنية او نقضه كلاً او جزءاً او تخفيض المبلغ المحكوم به واعادة الحكم الى المحكمة لاستكمال التحقيق فيه او لاعادة النظر فيه بغية زيادة المبلغ المحكوم به)).

فهل يوجد في النظام القضائي الأجنبي، قانونـاً يجيز التدخل في وقائع الدعوى مثل القانون العراقي، صراحةً في المادة (259/أ/9) من قانون أُصول المحاكمات الجزائية رقم

(23) لسـنة 1971 المعدل وضمناً بمقتضى احكام المادة (203/5) من

قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسـنة 1969 المعدل؟!

 

 

 

 

 

 


 

       

وهذهِ الأركان بإسـتثناء الركن الثاني منها والمُتعلق بأسـاس المسـؤولية المدنية عن الاصابة الجسـدية كُلها مجحفة بالمصاب وضارة بحقوق ورثتهِ ومُعيليهِ وتتطلب تدخل المشـرع العراقيّ لتعديلها وإلا سـيضطر المشـرع لقبول نظامين حاكمين لتعويض الاصابة الجسـدية في المجتمع العراقيّ. أحدهما عشـائريّ يحكم لذويّ القوة والنفوذ في المجتمع ويسـتند على الوجوه والاعتبارات القبلّية ذات الطبيعة السـلطوية وثانيهما قانوني لايلجأ إليهِ إلا مَنْ كانت تنقصهُ الحيلة أو النفوذ السـياسـيّ أو العشـائري أو الاجتماعيّ.

وآخر دعوانـا أنْ الحمدُ لله رب العالميــن...

 

 

مراجع البحث

 

أولاً: الكُتُب الشـرعية:

1.    أبو القاسـم نجم الدين جعفر بن الحسـن (المحقق الحليّ)، شـرائع الاسـلام في مسـائل الحلال والحرام، تحقيق عبد الحسـين محمد علي بقال، قُم (ايران): دار التفسـير، ج4، بلا سـنة طبع.

2.    باقر الايرواني، دروس تمهيدية في الفقه الاسـلاميّ، ج4 (قسـم الأحكام)، ط3، قُم (ايران)، 1225هـ.ق، 1383هـ.ش.

3.    د.صبحي المحمصاني، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشـريعة الاسـلامية (بحث مقارن في المذاهب المختلفة والمذاهب الحديثة)، ج1 (التصرفات الشـرعية وفي التصرفات الفعلية والأعمال غير المباحة)، بيروت: مكتبة الكشـاف ومطبعتها، 1948.

4.    د. صبحي المحمصاني، فلسـفة التشـريع في الاسـلام (مقدمة في دراسـة الشـريعة الاسـلامية على ضوء مذاهبها المختلفة وضوء القوانين الحديثة)، ط3، بيروت: دار العلم للملايين، 1380هـ، 1961م.

5.    د.عبد الرزاق أحمد السـنهوريّ، مصادر الحق في الفقه الاسـلاميّ، ج1 (مُقدمة وصيغة العقد)، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشـر، بدون سـنة طبع.

6.    د.عبد السـلام التونجي، مؤسـسـة المسـؤولية في الشـريعة الاسـلامية، ط1، طرابلس (ليبيـا): منشـورات جمعية الدعوة الاسـلامية العالمية، 1423هـ، 1994م.

7.    عبد القادر عودة، التشـريع الجنائي الاسـلامي (مُقارناً بالقانون الوضعيّ)، ج1 (القسـم العام)، ط3، القاهرة: مكتبة دار العروبة، 1383هـ، 1963م.

8.    عبد القادر عودة، التشـريع الجنائي الاسـلامي (مُقارناً بالقانون الوضعيّ)، ج2 (القسـم الخاص)، ط2، القاهرة: مكتب دار العروبة، 1384هـ، 1964م.

9.    علي المشـكيني، مُصطلحات الفقه ومعظم عناوينهِ الموضوعية على طريقة كتب اللغة (فقه موضوعي على مذهب الجعفرية الامامية)، قُم (ايرن): انتشـارات الهادي، بلا سـنة طبع.

10.                     د.مصطفى ابراهيم الزلميّ، المسـؤولية الجنائية في الشـريعة الاسـلامية (دراسـة مقارنة بالقانون)، ج1، بغـداد: مطبعة أسـعد، 1981-1982.

11.                     د.مصطفى ابراهيم الزلميّ، المسـؤولية الجنائية في الشـريعة الاسـلامية والتشـريعات الجزائية العربية، ط1، بغـداد: مكتبة القبطان، 1998.

12.                     مصطفى أحمد الزرقاء، الفقه الاسـلاميّ في ثوبهِ الجديد، ج2 (المدخل الفقهيّ العام)، ط6 (طبعة منقحة ومزيدة)، دمشـق: مطبعة جامعة دمشـق، 1383هـ، 1963م.

13.                     د.ياسـين محميد يحيى، المجتمع الاسـلامي في ضوء فقه الكتاب والسـُنة، الاسـكندرية: منشـاة المعارف، بدون سـنة طبع.

 

ثانياً: الكُتُب القانونية:

1.    ابراهيم المشـاهديّ، مُناقشـات قانونية، بغـداد: وزارة العدل، الدائرة القانونية،1413هـ، 1993م.

2.    أحمد أمين، حياتي، طبعة خاصة توزع مجانـاً مع جريدة المدى، بغـداد: دار المدى للثقافة والنشـر، 2004.

3.    د.أكرم فاضل سـعيد قصير، خلافة الحقوق والالتزامات الشـخصية في الاشـياء غير المادية، اطروحة دكتوراه، كُلية الحقوق، جامعة النهرين، 1430هـ، 2009م.

4.    د.أنـور سـُلطان، النظرية العامة للالتزام، ج1 (مصادر الالتزام)، الاسـكندرية: دار المعارف، 1965.

5.    آلان فارنسـويرث، المدخل الى النظام القضائي في الولايات المُتحدة، ترجمة د.محمد لبيب شـنب، القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، بدون سـنة طبع.

6.    د.أيـاد عبد الجبار ملوكيّ، المسـؤولية عن الأشـياء وتطبيقاتها على الأشـخاص المعنوية بوجهٍ خاص (دراسـة مُقارنة)، ط1، بغـداد: مطبعة بابـل (سـاعدت جامعة بغـداد على نشـرهِ)، 1982.

7.    د.جبار صابر طه، اقامة المسـؤولية المدنية على العمل غير المشـروع على عنصر الضرر (دراسـة مُقارنة في الشـريعة الاسـلامية والقوانين الوضعية)، الموصل: منشـورات جامعة صلاح الدين، 1404هـ، 1984م.

8.    جندي عبد الملك، الموسـوعة الجنائية، الجزء الخامس، ط1، بيروت-لبنـان: دار احياء التراث العربي، بلا سـنة طبع.

9.    د.حامد زكيّ، دراسـة في الالتزامات، بغـداد: مطبعة التفيض الأهلية، 1942-1943.

10.                     حامد مصطفى، الالتزامات والعقود في الشـريعة الاسـلامية (دروس ومُحاضرات أُلقيت على طلبة الصف الثاني من كُلية الحقوق العراقية تفضل بالنظر فيها وتأييدها أُسـتاذنا العلامة فقيه العصر الحديث الدكتور عبد الرزاق أحمد السـنهوري)، بغـداد: مطبعة الأهالي، 1943-1944.

11.                     د.حُسـام الدين كامل الأهواني، الحق في احترام الحياة الخاصة (الحق في الخصوصية)، القاهرة: دار النهضة العربية، بلا سـنة طبع.

12.                     د.حسـن علي الذنون، المبسـوط في شـرح القانون المدني، ج1 (الضرر)، ط1، عمان: دار وائل للنشـر، 2006.

13.                     د.حسـن علي الذنون، المبسـوط في شـرح القانون المدني، ج2 (الخطأ)، ط1، عمان: دار وائل للنشـر، 2006.

14.                     رشـيد  الخيون، المشـروطة والمُسـتبدة مع كتاب تنبيه الامة وتنـزيه الملة، ط1، بغـداد-بيروت: معهد الدراسـات السـتراتيجية، 2006.

15.                     د. رؤُف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الاجراءات الجنائية، ج1، القاهرة: دار الفكر العربي، 1980.

16.                     زكي مُصطفى عبد المجيد، القانون المدني السـوداني (تأريخهُ وخصائصهُ)، مُحاضرات أُلقيت على طلبة قسـم الدراسـات القانونية، معهد البحوث والدراسـات العربية، 1968.

17.                     د.سـامي النصراوي، دراسـة في أُصول المحاكمات الجزائية، ج1 (في الدعوى العمومية والدعوى المدنية والتحري والتحقيق والاحالة)، بغـداد: مطبعة دار السـلام (سـاعدت الجامعة المسـتنصرية على طبعهِ)، 1976.

18.                     د.سـعدون العامريّ، تعويض الضرر في المسـؤولية التقصيرية، بغـداد: وزارة العدل، مركز البحوث القانونية، 1981.

19.                     د.سـمير دنون، الخطأ الشـخصيّ المرفقيّ في القانونيين المدني والاداري (دراسـة مقارنة)، بيروت: المؤسـسـة الحيثة للكتاب، 2009.

20.                     د.سـليمان مرقس، المسـؤولية المدنية في تقنيات البلاد العربية، القسـم الأول (الأحكام العامة: الضرر والخطأ والعلاقة السـببية)، معهد البحوث والدراسـات العربية، 1971.

21.                     د. صبحي المحمصاني، الاوضاع  التشـريعية في الدول العربية (ماضيها وحاضرها)، بيروت: دار العلم للملايين، 1957.

22.                     د.عاطف النقيب، النظرية العامة للمسـؤولية الناشـئة عن الفعل الشـخصيّ (الخطأ والضرر)، ط1، بيروت-باريس: منشـورات عويدات، 1983.

23.                     د.عباس الحسـنيّ، شـرح قانون أُصول المُحاكمات الجزائية، المُجلد الأول، بغـداد: مطبعة الارشـاد، 1971.

24.                     عبد الرحمن البزاز، مبادىء القانون المُقارن، ط1، بغـداد: مطبعة العاني، 1386هـ، 1967م.

25.                     د.عبد الرزاق أحمد السـنهوريّ، الوجيز في شرح القانون المدني، ج1 (نظرية الالتزام بوجه عام)، القاهرة: دار النهضة العربية، 1966.

26.                     عبد الرزاق محمد أسـود، موسـوعة العراق السـياسـية، المجلد الخامس (المعاهدات العراقية البريطانية وحلف بغـداد والمعاهدات بين العراق والدول الشـقيقة والصديقة)، بيروت-لبنـان: الدار العربية للموسـوعات، بلا سـنة طبع.

27.                     د.عبد المجيد الحكيم، الموجز في شـرح القانون المدني، ج1 (مصادر الالتزام)، بغـداد: المكتبة القانونية، 2007.

28.                     د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، شـرح القانون المدني، مصادر الحقوق الشـخصية (الالتزامات) (دراسـة مقارنة)، ط1، عمان: الدار العلمية الدولية للنشـر والتوزيع ودار الثقافة للنشـر والتوزيع، 2002.

29.                     عزرا حداد، فصول من الكتاب المُقدس بإسـلوب قصصيّ، لجنة المدارس الاسـرائيلية، بغـداد: مطبعة الاعتماد، 1947.

30.                     د.عزيز كاظم جبر، الضرر المُرتد وتعويضه في المسـؤولية التقصيرية (دراسـة مقارنة)، ط1، عمان: دار الثقافة للنشـر والتوزيع، 1998.

31.                     د.علي غسـان أحمد، جريمة القتل الخطأ (دراسـة مقارنة بين الشـريعة الاسـلامية والقانون الوضعيّ)، رسـالة ماجسـتير، كُلية الحقوق، جامعة النهرين، 1424هـ، 2003م.

32.                     علي محمد ابراهيم الكُرباسـيّ، شـرح قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل، بغـداد: مطبعة العمال المركزية، 1986.

33.                     فخري رشـيد مهنـا، أسـاس المسـؤولية التقصيرية ومسـؤولية عديم التمييز (دراسـة مقارنة في الشـريعة الاسـلامية والقوانين الانكلوسـكسـونية والعربية)، سـاعدت جامعة بغـداد على طبعهِ، بغـداد: مطبعة الشـعب، 1974.

34.                     د.ليلى عبد الله سـعيد، المسـؤولية المدنية في شـريعة حمورابي، ط1، بغـداد: وزارة الثقافة والاعلام، دار الشـؤون الثقافية العامة، 2001.

35.                     د.مجيد حميد العنبكيّ، المدخل الى دراسـة القانون الانكليزيّ، بغـداد: وزارة العدل-منشـورات الدائرة القانونية، 1411هـ، 1990م.

36.                     د.محمد شـتا أبو سـعد، أُصول المسـؤولية التقصيرية في قانون المُعاملات المدنية الاسـلاميّ السـودانيّ، الكتاب الأول (تأريخ المسـؤولية التقصيرية في السـودان)، ط1، القاهرة: مطابع جامعة القاهرة، 1404هـ، 1984م.

37.                     محمد طه البشـير و د.هاشـم الحافظ، القانون الروماني (الأموال والالتزام)، بغـداد: مطبعة جامعة بغـداد (طُبعَ على نفقة جامعة بغـداد)، 1983.

38.                     د.محمد فوزي فيض الله، نظرية الضمان في الفقه الاسـلاميّ العام، ط1، الكويت: مكتبة دار العبدلية، 1403هـ، 1983م.

39.                     د.محمد كامل مرسـيّ، شـرح القانون المدني الجديد، ج2 (الالتزامات) (شـرح المواد 162 الى 198) (في مصادر الالتزام)، القاهرة: المطبعة العالمية، 1374هـ، 1955م.

40.                     د. محمد مصصطفى القللي، في المسؤولية الجنائية، القاهرة: مطبعة جامعة القاهرة، 1948.

41.                     د.محمود سـعد الدين الشـريف، شـرح القانون المدني العراقيّ، مصادر الالتزام، بغـداد: مطبعة العاني، 1374هـ، 1955م.

42.                     د.مصطفى ابراهيم الزلميّ، المنطق القانوني (قسـم التصورات)، بغـداد: مكتبة المرشـد للطباعة والتنضيد الالكتروني، بدون سـنة طبع.

43.                     د.مقدم السعيد، التعويض عن الضرر المعنوي في المسؤولية المدنية (دراسة مقارنة)، ط1، لبنان: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1985.

44.                     د.مُنذر الفضل، الضرر المعنويّ في المسـؤولية المدنية، الموسـوعة الصغيرة، بغـداد: وزارة الثقافة والاعلام، دار الشـؤون الثقافية العامة، 1990.

45.                     منير القاضي، ملتقى البحرين (الشـرح الموجز للقانون المدني العراقيّ)، المجلد الأول (الباب التمهيدي ونظرية الالتزام العامة)، بغـداد: مطبعة العاني، 1951-1952.

46.                     هنريّ رياض وكرم شـفيق، أشـهر الأحكام السـودانية (عشـرة أحكام)، بيروت: دار الثقافة، 1967.

47.                     د.ياسـين محمد الجبوريّ، الوجيز في شـرح القانون المدني الاردنيّ، ج1 (مصادر الحقوق الشـخصية) (مصادر الالتزامات) (دراسـة موازنة)، ط1، عمان: دار الثقافة للنشـر والتوزيع، 1429هـ، 2008م.

 

ثالثاً: البحوث والدراسـات:

1.    الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، تطور اتجاهات القضاء في العراق حولَ التعويض الأدبيّ، مجلة دراسـات قانونية، بغـداد: بيت الحكمة، 2001.

2.    د.جاسـم العبودي، حول المداخلات في إحداث الضرر تقصيراً (دراسـة مقارنة بين القانون الوضعي والفقه الاسـلامي)، مجلة العلوم القانونية، كلية القانون، جامعة بغـداد، العددان الأول والثاني، المجلد الخامس عشـر، 1999-2000.

3.    د.صبري حمد خاطر، الضرر المرتد في القانون العراقيّ، مجلة العلوم القانونية، كلية القانون، جامعة بغـداد، العددان الأول والثاني، المجلد الثامن، 1989.

4.    الاسـتاذ عوني محمد فخري، وجوب تعويض المضرور وأثره في تطور المسـؤولية التقصيرية، مقالة منشـورة في مجلة دراسـات قانونية، بيت الحكمة، العـدد (4)، السـنة 2000م.

5.    القاضي فتحي الجواريّ، دور السـُلطة التنفيذية في ضمان اسـتقلال القضاء، مجلة التشـريع والقضاء، العدد الثاني، 2009.

6.    د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية في القانون الانكليزيّ (The Principles of the law of Torts)، ج1 (صور الأخطاء المدنية)، مجلة دراسـات قانونية، بغـداد: بيت الحكمة، العدد الأول، 2002.

7.    د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية في القانون الانكليزي، ج3 (تقدير التعويض)، مجلة دراسـات قانونية، بيت الحكمة، العدد الرابع، السـنة الرابعة، 2002.

8.    محاضرات د.مصطفى ابراهيم الزلمي، أسـباب إباحة الأعمال الجرمية، مجوعة محاضرات أُلقيت على طلبة الدكتوراه، قسـم القانون الخاص، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2005-2006.

 

رابعاً: المُذكرات الايضاحية:

1.    القانون المدني العراقيّ مع مجموعة الأعمال التحضيرية، ج2، إعداد: ضياء شـيت خطاب وابراهيم المشـاهدي وعبد المجيد الجنابي وعبد العزيز الحسـاني وغازي ابراهيم الجنابي، بغـداد: مطبعة الزمان، 1421هـ، 2000م.

2.    مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصريّ، ج2 (الالتزامات) (مصادر الالتزام) (من المادة 89 الى المادة 264)، القاهرة: دار الكتاب العربي، بدون سـنة طبع.

3.    المُذكرات الايضاحية للقانون المدني الأُردنيّ، الجزء الأول، عمان: نقابة المُحاميين الأُردنيين، بدون سـنة طبع.

 

خامساً: النشـرات القضائية:

1.    الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، المبادىء القضائية في قضاء محكمة التمييز، قسـم القانون المدنيّ، بغـداد: وزارة العدل، مركز البحوث القانونية، 1988.

2.    الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، المُختار من قضاء محكمة التمييز (قسـم القانون المدنيّ والقوانين الخاصة)، ج9، بدون ذكر لمكان الطبع وجهة النشـر.

3.    مجلة التشـريع والقضاء، العدد الأول، السـنة الثانية، 2010.

4.    مجلة التشـريع والقضاء، العدد الثالث، السـنة الثانية، 2010.

سادساً: القوانين:

1.    الدسـتور العراقيّ الدائم لسـنة 2005.

2.    الدسـتور (القانون الأسـاسي العراقيّ لسـنة 1925) (المُلغى).

3.    القانون المدني (العراقيّ) رقم (40) لسـنة 1951 المعدل.

4.    القانون المدني (المصريّ) رقم (131) لسـنة 1948 المعدل.

5.    القانون المدني (الاردني) رقم (43) لسـنة 1976.

6.    قانون العقوبات (العراقي) رقم (111) لسنة 1969 المعدل.

7.    قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات (العراقيّ) رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل.

8.    قانون أُصول المحاكمات الجزائية (العراقيّ) رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

9.    قانون المرافعات المدنية (العراقي) رقم (83) لسـنة 1969 المُعدل.

10.                     قانون ذيل قانون اصول المحاكمات الحقوقية في الضمانات وكيفية الحكم بها رقم (54) لسنة 1943 (المعروف بقانون الضمانات العراقي) (الملغى).

11.                     مجلة الأحكام العدلية.

12.                     مشـروع القانون المدني العراقيّ (النافذ)، وزارة العدلية، مطابع الحكومة، 1945.

13.                     قانون الجزاء العثماني الصادر سـنة 1327 هـ (1908م).

يُراجع بشـأنهِ المرحوم شـاكر الحنبلي، قانون الجزاء الجديد، الاسـتانة (اسـطنبول حاليـاً): مطبعة الحرية، 1327هـ.ق، 1329هـ.ش.

14.                     قانون الوجائب التركيّ الصادر في 3/نيسـان/1926.

يُراجع بشـأنهِ المرحوم خالد الشـابندر، قانون الوجائب التركيّ، بغـداد: مطبعة النجاح، 1345هـ، 1927م.

15.                     قرار مجلس قيادة الثورة المُنحل المُرقم (815) لسـنة 1982.

16.                     قرار مجلس قيادة الثورة المُنحل المُرقم (106) لسـنة 1985.

17.                     الاتفاقية العدلية العراقية البريطانية لسـنة 1922.

18.                     الاتفاقية العدلية العراقية البريطانية لسـنة 1930.

 

سابعاً: المصادر الأجنبية:

1.    Jan D. Weir & Shan A. Ellis, Critical Concepts of Canadian Business Law, Canada: Addition-Wesley Publishers Limited, 2000.

2.    O. Hood Philips, a first book of English law, fifth edition, London: sweet & Maxwell, 1965.

3.     Philip S. James, Introduction to English law, Third edition, London: Butterworth & Co. (Publishers) LDT, 1955.

هوامش البحث



(1)     يراجع جبران مسـعود، رائد الطلاب، ط 6، بيروت: دار العلم للملايين، 1999، ص58 والمنجد في اللغة والاعلام، ط30، بيروت: دار المشـرق، 1988، ص 10.

(2)     هار بمعنى سـاقط.

(3)     والمقصود من قولهِ تعالى: (( أسـُس بنيانهِ على شـفا جرف هار فانهار بهِ في نار جهنم )) (التوبة/109) أيّ أقامَ بناءه على طرف الهاوية فانهار بناءه من القواعد ووقع في نارجهنم. يُراجع تفسـير المؤمنين لعبد الودود يحيى، بدون ذكر مكان الطبع: دار الفكر، بدون ذكر سـنة الطبع، ص163.

(4)     يُراجع د.محمد كامل مرسـيّ، شـرح القانون المدني الجديد (الالتزامات)، ج2، وشـرح المواد (162) الى (198) في مصادر الالتزام ، القاهرة: المطبعة العالمية، 1374هـ، 1955م، بند (22)، ص52.

(5)     يُراجع د.جبار صابر طه، اقامة المسـؤولية المدنية عن العمل غير المشـروع على عنصر الضرر (دراسـة مقارنة في الشـريعة الاسـلامية والقوانين الوضعية)، العراق: منشـورات جامعة صلاح الدين، 1404هـ، 1984م، ص153 ومـابعدها.

(6)     تنويه: لايُمييز الفقهاء المُسـلمون بين مُصطلح (الجناية) ومُصطلح (الجريمة) فكُل جريمة عندهم جناية والعكس صحيح أيّ كل جناية فهي جريمة أيضاً.

(7)     نُشـرَ هذا القانون في الوقائع العراقية بالعـدد (2103) في 14/9/1943 وأُلغيّ بموجب المادة (1381/3) من التقنين المدني العراقيّ (النافذ حاليـاً).

(8)     تمَ إعادة صياغة هذهِ النصوص من جديد وتمَ إعادة تسـلسـُلها في المشـروع النهائي للقانون المدني العراقي النافذ في المادتين (208) و (209) منهُ. ولما تمَ تشـريع القانون أُعيدَ ترتيبها أيضاً في المادتين (202) و (203) من التقنين المدني النافذ حاليـاً بإعتبارهِ دسـتور المعاملات المالية في العراق. نرجو مراجعة النص الأخير للمشـروع النهائي الذي أعدتهُ وزارة العدلية المطبوع في مطابع الحكومة ببغـداد سـنة 1945، ص54 منهُ.

(9)     تُراجع مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني العراقي رقم (40) لسـنة 1951، إعـداد: ضياء شـيّت خطاب وابراهيم المشـاهدي وعبد المجيد الجنابيّ وعبد العزيز الحسـاني وغازي ابراهيم الجنابيّ، بغـداد: مطبعة الزمان، 1421هـ، 2000م، ص ص(23-24).

(10) المرجع السـابق.

(11) تُراجع مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصريّ، ج2 (الالتزامات) (من المادة 89 الى المادة 264)، القاهرة: مطبعة دار الكتاب العربي، بدون سـنة طبع، ص354.

(12) المرجع السـابق.

(13) المرجع السـابق.

(14) المرجع السـابق.

(15) د.محمد كامل مرسـيّ، المرجع السـابق، بند (21) و (22)، ص ص(50-51).

(16) د.حامد زكيّ، دراسـة في الالتزامات (المصادر)، بغـداد: مطبعة التفيض الأهلية، 1942-1943، ص91.

(17) المرحوم د.عبد المجيد الحكيم، الموجز في شـرح القانون المدني، ج1، (مصادر الالتزام)، بغـداد: المكتبة القانونية، 2007، بند (821). ص489.

(18) د.جبـار صابر طه، المرجع السـابق، ص293.

(19) عبد القادر عودة، التشـريع الجنائي الاسـلامي مقارنـاً بالقانون الوضعيّ، ط2، ج2 (القسـم الخاص)، القاهرة: مكتبة دار العروبة، 1384هـ، 1964م، بند (49)، ص38.

(20) ينظر د.عبد السـلام التونجي، مؤسـسـة المسـؤولية في الشـريعة الاسـلامية، ط1، ليبيـا، طرابلس: جمعية الدعوة الاسـلامية العالمية، 1423هـ، 1994م، ص74 و ص75.

(21) والتعزير كما يُعرّفه المرحوم عبد القادر عودة في كتابهِ التشـريع الجنائي الاسـلاميّ مُقارنـاً بالقانون الوضعيّ، ج1 (القسـم العام)، ط3، القاهرة: دار العروبة، 1383هـ، 1963م، بند (94)، ص127، بأنهُ: (( تأديب على ذنوبٍ لم تشـرع فيها الحدود، أيّ هو عقوبة على جرائم لم تضع الشـريعة لأيها عقوبات مُعينة محددة )). ومن الجدير بالذكر ان المرحوم عبد القادر عودة يؤكد في كتابهِ المُشـار إليهِ آنفاً الى ان الشـريعة الاسـلامية طبقت قاعدة لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص (البند 90، ص118 منهُ)، إلا انهُ فَصّلَ واسـترسـل في تطبيقاتها في جرائم الحدود والقصاص وكان موافقاً رأيهُ لما عرضه من أدلة. ولكن عندما وصلً الى جرائم التعازير فإنهُ ذكرَ صراحةً في البند (95)، ص127 على ان الشـريعة الاسـلامية لم تنص على (( كُل جرائم التعازير، ولم تحددها بشـكل لايقبل الزيادة والنقصان، كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية. وإنما نصت على مـاتراهُ من هذهِ الجرائم ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام. وتركت لوليّ الأمر في الامة أن يحرِّموا مـايرون بحسـب الظروف انه ضار بمصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها. وان يضعوا قواعد لتنظيم الجماعة وتوجيهها، ويُعاقبوا على مُخالفتها. والقسـم الذي تُركَ لأولى الأمر من جرائم التعازير أكبر من القسـم الذي نصت عليهِ الشـريعة وحددتهُ )). بينما نجد د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص75 كتبَ مايأتي: (( وهكذا نجد ان الشـريعة الاسـلامية، لم تشـترط في تطبيق المسـؤولية النص على الجريمة والعقاب، وهذهِ ميّزة خاصة للشـريعة، ومـادام الأمر كذلك، فإنَ تقدير الجريمة والعقاب، في غير المنصوص عنهُ، أمرٌ يحتاج الى بُعُد النظر وحدة الرأيّ ببصيرة نافذة، يُراعى الزمن، وأحوال الناس، وكل مـايُحقق مصالحهم بغية تحقيق العدالة، فإذا ضعفت هذهِ النظرة وتحكمت المصلحة الخاصة، صُيّرَ الى وليّ الأمر بتحديد الجرائم وتقدير العقوبة، شـريطة أن لانخرج عن المنصوص عنهُ، أو المجمع عليهِ ......... )).

(22) د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، شـرح القانون المدني مصادر الحقوق الشـخصية (الالتزامات) (دراسـة مقارنة)، ط1، عمان: الدار العلمية الدولية للنشـر والتوزيع ودار الثقافة للنشـر والتوزيع، 2002، بند (485)، ص418.

(23) المرجع السـابق.

(24) يُراجع د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (1123)، ص574، هامش (1).

(25) ومثالها مـانصت عليهِ المادة (163) من التقنين المدني المصريّ: (( كُل خطأ سـَبَبَ ضرراً للغير يلزم مَنْ ارتكبهُ بالتعويض )).

(26) وهذهِ النـزعة أخذَ بها التقنين المدني الأُردنيّ في المادة (273) منهُ.

(27) يُراجع د.ياسـين محميد يحيى، المجتمع الاسـلامي في ضوء فقه الكتاب والسـُنة، الاسـكندرية: منشـأة المعارف، بدون سـنة طبع، بند (81)، ص86.

(28) المرجع السـابق.

(29) سورة الاسـراء: 15.

(30) سـورة الطور: من آية (21) والتي جاء فيها ما يأتي: (( والذين امنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنـا بهم ذريتهم ومـا ألتناهم من عملهم من شيء كل امريء بما كسـبَ رهين )).

(31) يُراجع فخريّ رشـيد مهنـا، أسـاس المسـؤولية التقصيرية ومسـؤولية عديم التمييز (دراسـة مقارنة في الشـريعة الاسـلامية والقوانين الأنكلوسـكسـونية والعربية)، سـاعدت جامعة بغـداد على طبعهِ، بغـداد: مطبعة الشـعب، 1974، ص12.

(32) المرجع المذكور نفسـه، ص13.

(33) ولابُدَ من التمييز بين (الخطأ الجنائي) و (الخطأ المدني). فالخطأ لايعني عدم القصد (بموجب قواعد القانون المدني)، كما في حالة القتل خَطأً (بموجب قواعد القانون الجنائي) لتفريقهِ عن القتل العمد. كما لايعني (القتل العمد) (بموجب القانون الجنائي) اسـتبعاد فاعلهِ عن دائرة (الخطأ المدني) كأسـاس للمُطالبة بالتعويض. فالقتل العمد جريمة جنائية يؤسـس التعويض المدني الناشـىء بسـببها على (ركن الخطأ) الذي يندرج تحته القصد والتعمد والتقصير وقلة الاحراز، كما يندرج تحته الاهمال أيضاً. للتفاصيل يُراجع:

£     د.صبحي محمصاني، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشـريعة الاسـلامية (بحث مقارن في المذاهب المُختلفة والمذاهب الحديثة)، ج1 (التصرفات الشـرعية وفي التصرفات الفعلية والأعمال غير المُباحة)، بيروت: مكتبة الكشـاف ومطبعتها، 1948، ص194.

£     د.مصطفى ابراهيم الزلميّ، المسـؤولية الجنائية في الشـريعة الاسـلامية (دراسـة مقارنة بالقانون)، ج1، بغـداد: مطبعة أسـعد، 1981-1982، ص18، وللمؤلف نفسـه: موانع المسـؤولية الجنائية في الشـريعة الاسـلامية والتشـريعات الجزائية العربية، ط1، بغـداد: مكتبة القبطان، 1998، ص10.

(34) ولكن أهلية التمييز هي عماد ركن الادراك في نظرية الخطأ كأسـاس للمسـؤولية المدنية ولايُعتبر هذا الأسـاس قائماً دونه في الفقه الغربيّ، لذا تكون مسـؤولية عديم التمييز ليسـت مسـؤولية كاملة بل مخففة ولايسـأل عديم التمييز عن تعويض مـا أحدثه من ضرر تعويضاً كاملاً ومـا مسـؤوليتهُ إلا مسـؤولية مُخففة ومؤسـسـة على تحمل وليّ أمره تبعة خطئهِ بشـكل عام مالم يتحقق القاضي من صحة رجوع المضرور على القاصر المسـؤول سـواء أكان ممييزاً أم غير ممييز. للتفاصيل يُراجع د.عاطف النقيب، النظرية العامة للمسـؤولية الناشـئة عن الفعل الشـخصيّ (الخطأ والضرر)، ط1، بيروت-باريس: منشـورات عويدات، 1983، ص ص(158-159) و د.سـمير دنون، الخطأ الشـخصيّ والخطأ المرفقي في القانونين المدني والاداري (دراسـة مقارنة)، بيروت: المؤسـسـة الحديثة للكتاب، 2006، ص22.

(35) يُنظر أُسـتاذنا د.مصطفى ابراهيم الزلميّ، المسـؤولية الجنائية في الشـريعة الاسـلامية، المرجع السـابق، ص144.

(36) وفي هذا المعنى نجد ان د.ياسـين محميد يحيى، المرجع السـابق، بند (218)، ص229، كتبَ مايأتي: (( وإذا امتنع تطبيق القصاص لسـبب من الأسـباب حلت محله عقوبة الدية أو عقوبة التعزير. فالدية والتعزير من العقوبات البدلية، ولايجوز للقاضي الحُكُم بها إلا إذا تعذر الحُكُم بالقصاص. وعقوبة الدية تكون بدلاً من عقوبة القصاص، أمـا عقوبة التعزير فتكون أحيانـاً بدلاً من القصاص، كما تكون بدلاً من عقوبة الدية. وعلى كُل حال فإنهُ لايجوز الجمع بين عقوبة أصلية وعقوبة بدلية إذا كانت الأخيرة مُقررة بدلاً من الاولى، ولكن يجوز الجمع بين بدليين أو بين عقوبتين أصلتين. فمثلاً يجوز الجمع بين الدية والتعزير وهما عقوبتان بدليتان عن القصاص. كما يجوز الجمع بين القصاص والكفارة وكليهما عقوبة أصلية ))، يُراجع أيضاً عبد القادر عودة، ج2، المرجع السـابق، ص114.

(37) فقد جاءَ في الكتاب المُقدس/العهد القديم/سـفر التكوين (9: 5-7): (( وأطلب أنـا دمكم لأنفسـكُم فقط. من يد كُل حيوان أطلبهُ. ومن يد الانسـان أطلب نفس الانسـان، من يد الانسـان أخيهِ. سـافك دم الانسـان يسـفك دمه. لأنَ الله على صورتهِ عمل الانسـان. فأثمروا أنتم وأكثروا وتولدوا في الأرض وتكاثروا فيها )).

(38) في هذا الصدد كتبَ الاسـتاذ عوني محمد الفخري في مقالتهِ الموسـومة: وجوب تعويض المضرور  وأثره في تطور المسـؤولية التقصيرية، مقالة منشـورة في مجلة دراسـات قانونية، بيت الحكمة، العـدد (4)، السـنة 2000، ص ص(13-14)، مايأتي: (( قُلنـا ان القانون المدني قد اسـتغنى عن عنصر التمييز (العنصر المعنوي) في الخطأ كقاعدة عامة { والصحيح ان يقول: في مسؤولية الطفل الصغير مميزاً كان ام لم يكن }. ولكن هذا العنصر يبقى شـرطاً لابُدَ من توفرهِ في كل المسـؤولية عن الفعل الضار بالنفس من قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أيّ نوع آخر من أنواع الايذاء. وفقاً لنص المادة (202) من هذا القانون. أمـا في غير ذلك في حالات الفعل الضار فإنَ العنصر المعنوي ليس شـرطاً لتوفر ركن الخطأ )). يُراجع أيضاُ عن نفس الرأيّ د.جبـار صابر طه، المرجع السـابق، ص294. وبدورنـا نسـأل سـؤالاً ونُحيل الاجابة عليهِ في خاتمة هذا البحث: هل أخذَ المُشـرع العراقيّ بفكرة الخطأ واجب الاثبات أسـاسـاً للمسـؤولية المدنية في حالات القتل أو الاصابات الجسـدية أم إنتهجَ منهج الفقه الاسـلاميّ الذي شـيّدَ نظريته على أسـاس فصل مسـؤولية الفاعل عن القبيلة التي ينتسـب إليها؟

(39) د.محمد مصطفى القُلليّ، في المسـؤولية الجنائية، القاهرة: مطبعة جامعة القاهرة، 1948، ص215.

(40) المرجع السـابق.

(41) المرحوم د.عبد الرزاق أحمد السـنهوري، الوجيز في شـرح القانون المدني، ج1 (نظرية الالتزام بوجهٍ عام)، القاهرة: دار النهضة العربية، 1966، بند (315)، ص ص(291-292).

(42) د.رؤوف عبيد، المشـكلات العملية الهامة في الإجراءآت الجنائية، ج1، القاهرة: دار الفكر العربي، 1980، ص813.

(43) للتفاصيل يُراجع:

§         جندي عبد الملك، الموسـوعة الجنائية، الجزء الخامس، ط1، بيروت-لبنـان: دار احياء التراث العربي، بلا سـنة طبع، بند (379)، ص ص(847-848).

§         رسـالة د.غني غسـان أحمد، جريمة القتل الخطأ (دراسـة مقارنة بين الشـريعة الاسـلامية والقانون الوضعيّ)، رسـالة ماجسـتير، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 1420هـ، 2003م، ص ص(45-46).

(44) يُنظر د.صبحي المحمصاني، فلسـفة التشـريع في الاسـلام (مقدمة في دراسـة الشـريعة الاسـلامية على ضوء مذاهبها المختلفة وضوء القوانين الحديثة)، ط3، بيروت: دار العلم للملايين، 1380هـ، 1961م، ص95.

(45) المرجع السـابق، ص95، و رشـيد الخيون، المشـروطة والمسـتبدة مع كتاب تنبيه الامة وتنـزيه الملة، ط1، بيروت: معهد الدراسـات السـتراتيجية، 2006، ص133.

(46) يُنظر د.صبحي المحمصاني، الأوضاع التشـريعية في الدول العربية (ماضيها وحاضرها)، بيروت: دار العلم للملايين، 1957، ص167.

(47) ومن الجدير بالذكر قوله ان المرحوم شـاكر الحنبليّ قامَ بترجمة هذا القانون. يُراجع لهُ قانون الجزاء الجديد، الاسـتانة (اسـطنبول حاليـاً): مطبعة الحرية، 1327هـ.ق. 1329هـ. ش، ص ص(66-67).

(48) المرجع السـابق.

(49) المرجع السـابق.

(50) د.صبحي محمصانيّ، فلسـفة التشـريع في الاسـلام، المرجع السـابق، ص95.

(51) المرجع السـابق أيضاً، ص95 والمرحوم العلامة أحمد أمين، حياتي، طبعة خاصة توزع مجانـاً مع جريدة المدى، بغـداد: دار المدى للثقافة والنشـر، 2004، ص170.

(52) المرحوم العلامة أحمد أمين، المرجع السـابق، ص170.

(53) ومن الجدير بالذكر قوله ان المرحوم خالد الشـابندر (المُدون القانوني في وزارة العدلية العراقية سـابقاً) قامَ بترجمة هذا القانون الى اللغة العربية. يُراجع لهُ قانون الوجائب التركيّ، بغـداد: مطبعة النجاح، 1345هـ، 1927م، ص12 و ص14.

(54) المرجع السـابق.

(55) للتفاصيل تُراجع نصوص هذهِ الاتفاقية التي قامَ الاسـتاذ عبد الرزاق محمد أسـود بنشـرها في موسـوعة العراق السـياسـية، المُجلد الخامس (المُعاهدات العراقية البريطانية وحلف بغـداد والمُعاهدات بين العراق والدول الشـقيقة والصديقة)، بيروت،لبنـان: الدار العربية للوسـوعات، بلا سـنة طبع، ص81.

(56) المرحع السـابق.

(57) المرجع السـابق.

(58) فقد نصت المادة (الاولى) من الاتفاقية العدلية العراقية البريطانية لسـنة 1922 على مايأتي: (( تُطلق لفظة (أجنبي) على رعايـا الدول الاوربية والامريكية التي كانت تسـتفيد من أحكام الامتيازات في تركيـا سـابقاً والتي لم تتنازل عن تلك الامتيازات بموجب اتفاق موقع قبل تأريخ 24/تموز سـنة 1923. والدول الآسـيوية التي لها الآن ممثل دائمي في مجلس عصبة الأُمم. وتشـمل الأشـخاص الحكمية القائمة بموجب قوانين تلك الدول والهيئات والمؤسـسـات الدينية الخيرية المؤلفة من أشـخاص كلهم أو أكثرهم من رعايـا الدول المذكورة ...........  )).

(59) وجاءَ في نص الاتفاقية العدلية العراقية البريطانية لسـنة 1930 في المادة (الاولى) منها على مايأتي: (( ان النظام القضائي الخاص المؤسـس لمصلحة بعض الأجانب بموجب الاتفاقية العدلية يُلغى فوراً ويُطبق نظام موحد على جميع العراقيين والأجانب على حدٍ سـواء )).

(60) يُنظر د.صبحي محمصانيّ، الأوضاع التشـريعية، المرجع السـابق، ص308.

(61) بينما تتحقق مسـؤولية عديم الادراك جنائيـاً في اداء التعويضات المدنية التي تلزم بها عاقلته. يُراجع د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص76.

(62) العاقلة: هي عصبة الرجل وقرابته من قبل الاب وسـميت بذلك لانها تعقل لسـان ولي المقتول. والعاقلة هي التي تتحمل عبء دفع دية القتل الخطأ وهم من تقرب الى القاتل من جهة الاب كالاخوة والاعمام واولادهما وان نزلوا حتى وان لم يكونوا وارثين للقاتل في المال. يراجع آية الله علي المشـكيني، مصطلحات الفقه ومعظم عناوينه الموضوعية على طريقة كتب اللغة (فقه موضوعي تام على مذهب الجعفرية الامامية)، قُم (ايران): انتشـارات الهادي، بدون ذكر لسـنة الطبع، ص364 والذي كتب فيه المؤلف وفي نفس الصفحة ما يأتي: (( وكيف كان فالعاقلة في مصطلح الفقهاء الطائفة التي تحمل دية الخطأ في القتل والجرح من الجاني، شـرعها الاسـلام تخصيصاً لقوله تعالى: (( ولا تز وازرة وزرَ اخرى )). وتقييداً لما كانت العرب يقومون بنصرة من جنى من قبيلتهم حقاً او باطلاً، ويمنعون أوليـاء الدم عن اسـتيفاء حقه، فألزم عاقلة الجاني بتحمل ديته في الخطأ محضاً دون العمد وشـبههُ مع كون عمد الصبي والمجنون بحكم الخطأ في ذلك وتنطبق هذه الطائفة على العصبة والمعتق وضامن الجريرة والامام على ترتيب طبقات الارث والتسـمية بذلك لكون الطائفة تمسـك لسـان وليّ الدم من مطالبة القصاص او تمسـك دم القاتل من السـفك او تعقل أبعرة الدية في معقل ولي الدم، ثم اسـتعمل في من بذل سـائر اصناف الدية ايضاً. وذكر الاصحاب هنـا ان العاقلة الطوائف الاربعة المذكورين، وان المراد بالعصبة كل رحمٍ تقرب للقاتل بالأبوين او بالأب، كالاخوة من الابوين او الاب فقط، واولادهم وان نزلوا، والعمومة واولادهم، والاباء وان علوا، والاولاد الذكور وان نزلوا، على الاقوى. وان الدية توزع عليهم على طبقات الارث، ولو لم تكن له عصبةً ولا معتق ولا ضامن جريرة، فعلى الامام تأديتها من بيت المال، وتسـتأدى هذه الدية من ثلاث سـنين، مبدأها من حين القتل او الجرح فتؤدى عند انسـلاخ كل سـنة )). وفلـسفة القاء الدية على عاقلة الجاني، كما يراها اسـتاذنا الدكتور مصطفى ابراهيم الزلمي، هي التعاون والتضامن والتكافل بين افراد العاقلة ورفع العذاب النفسـي عن القاتل خطأً عن غير عمد وبقصد التغلب على مصيبته بأن لاتضاف اليها مسـؤولية اخرى عن دفع الدية ولتجنيب الجاني من خطورة قتله انتقاماً منه. كما ان العاقلة تتحمل ايضا قسـطاً من المسـؤولية على اسـاس التضامن الاجتماعي. تراجع محاضرات اسـتاذنا الدكتور مصطفى ابراهيم الزلمي على طلبة الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، السـنة الدراسـية 2005-2006.

(63) يُراجع د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص32، و د.ياسـين محميد يحيى، المرجع السـابق، ص86.

(64) تراجع محاضرات الدكتور عبد الرزاق احمد السـنهوري الملقاة على طلبة المرحلة الثانية في كلية الحقوق العراقية سـنة 1943/1944 (الالتزامات والعقود في الشـريعة الاسـلامية) التي قام بجمعها وترتيبها المرحوم حامد مصطفى، بغـداد: مطبعة الاهالي، 1943/1944، بند (98)، ص ص(49-50)، بقوله: (( ومسـؤولية الانسـان عن فعله الضار بالغير قد تكون مسـؤولية عقابية جزاؤها العقاب الذي تقرره الشـريعة على المعتدي. ويسـمى ذلك في الشـريعة الاسـلامية القود والقصاص اذا كان الضرر واقعاً على الجسـم وكانت المماثلة ممكنة. كقتل النفس بالنفس وقطع اليد باليد والاذن بالاذن والسـن بالسـن، وحداً او تعزيراً اذا لم تكن المماثلة ممكنة كحد السـرقة وحد القذف ودية وارشـاً وحكومة عدل اذا كانت المقابلة بالضرر لاتقدر بايقاع الضرر على الجسـم ولكن تقدر بالمال. وقانون العقوبات اليوم هو الذي حل محل الشـريعة الاسـلامية في تقدير الجريمة العقابية وتقدير العقوبة عليها )). ثم واصل المرحوم السـنهوري في البند (101)، ص51 من محاضراته نفسـها ابداء وجهة نظره على مقارنة الخطأ في الفقه الاسـلامي (وهو ذي طبيعة جنائية) وبين الخطأ في الفقه الغربي (وهو ذي طبيعة مدنية) كما قارن بين الخطأ الجنائي في الفقه الغربي والخطأ المدني فيه وبين التعدي (في الفقه الاسـلامي) الى ان وصل الى نتيجة عدم جدوى المقارنة بينهما بالاسـتنتاج، اذ قال ما يأتي: (( أما في الشـريعة الاسـلامية فلا يظهر الخطأ اي التعدي دائما عاملا من عوامل المسؤولية التقصيرية، ومن ثم لانجرأ على اطلاق هذه التسـمية في حدود الشـريعة الغراء. اذ قد يكفي ان يوجد فعل الشـخص او ان يحدث هذا الفعل الضرر فتوجد المسـؤولية دون ان يكون هناك تعدٍ صدر من المسـؤول )).

(65) المرحوم عبد الرحمن البزاز، مبادىء القانون المقارن، ط1، بغـداد: مطبعة العاني، 1386هـ، 1967م، ص51.

(66) المرجع نفسـه.

(67) يُنظر د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية في القانون الانكليزي (The Principles of the law of Tort)، ج1 (صور الأخطاء المدنية)، بحث منشـور في مجلة دراسـات قانونية، بغـداد: بيت الحكمة، العـدد الأول، 2002، ص106. 

§         Jan D. Weir & Shan A. Ellis, Critical concepts of Canadian Business Law, Canada: Addison-Wesley Publishers Limited, 2000, P. 121.

§         O. Hood Phillips, A first book  of English Law, fifth edition, London: sweet & Maxwell, 1965, P. 254.

(68) بينما كانت المسـؤولية، تتطلب، في دول القانون العام Common Law، صياغة خاصة تقترب كثيراً من الصياغة الجنائية للأفعال المحظورة منها (لاعمل غير مشـروع إلا إذا كان منصوصاً عليهِ صراحةً). فثمة مجموعة من القواعد المُحددة تحظر أنواعاً مُعينة من الأفعال أو الأنشـطة الضارة ويكون المضرور في كل حالة، إثبات ان الضرر الذي لحقَ بهِ، كانَ ناتجاً عن نشـاط أو فعل، يدخل في زمرة هذهِ القواعد، فعليهِ إثبـات ان الضرر نتجَ عن تعّدٍ (trespass) أو ازعاج (nuisance) أو إهمال (negligence) أو إخلال بأيّ واجب قانوني منصوص عليهِ أو مُسـتخلص في إحدى التشـريعات المعمول بها.

ولقد أدت السـوابق القضائية البريطانية، العديدة في هذا المجال، دورها في توسـيع نطاق المسـؤولية التقصيرية الى حدٍ يمكن معهُ القول بإطمئنان عالي النسـبة الى إقتراب فكرة (الخطأ) (tort) الأنكلوسـكسـونية من فكرة (الخطأ) (tort) اللاتينيةرغمَ وجود بعض الفوارق بينهما. يُراجع:

§         د.محمد شـتا أبو سـعد، أُصول المسـؤولية التقصيرية في قانون المُعاملات المدنية الاسـلاميّ السـودانيّ، الكتاب الأول (تأريخ المسـؤولية التقصيرية في السـودان)، ط1، القاهرة: مطابع جامعة القاهرة، 1404هـ، 1483م، ص34.

§         أُسـتاذنا د.مجيد حميد العنبكيّ، المدخل الى دراسـة النظام القانوني الانلكيزي، بغـداد: وزارة العدل-منشـورات الدئرة القانونية، 1411هـ، 1990م، ص214 ومـابعدها.

§         أُسـتاذنا د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية في القانون الانكليزيّ، المرجع السـابق، ص115.

(69) يُراجع د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية، المرجع السـابق، ص113.

(70) وفي هذا المعنى نجد ان الاسـتاذ فيلبس جيمس اسـتاذ القانون الانلكيزيّ في جامعة ليدز (University of Leeds) والمُحامي المُترافع أمام المحاكم، كتبَ مايأتي:

‘’ Although, as a general rule, infants enjoy no special exemption from tort ion liability, the fact that a defendant is under age may have effect upon it. For instance, a child who is charged with negligence, or with contributory negligence, will be judged not according to the standards of a reasonable adult, but according to the standards of a child. ‘’. Philip S. James, Introduction to English low, Third edition, London: Butterworth & Co. (publishers) LTD, 1955, P. 298.

(71) د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية، المرجع السـابق، ص111.

(72) د.محمد شـتا أبو سـعد، المرجع السـابق، ص51.

(73) د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية، المرجع السـابق، ص113، بِقولهِ: (( قد تنهض المسـؤولية التقصيرية بمجرد حصول الخطأ، وهذا مـايُسـمى (الخطأ بدون ضرر) كما في حالتيّ الانتهاك (التجاوز) وتشـويه السـُمعة حيث تنهض المسـؤولية دون حاجة لإثبات الضرر )).

(74) يُنظر د.عبد الرزاق أحمد السـنهوريّ، مصادر الحق في الفقه الاسـلاميّ، ج1 (مقدمة وصيغة العقد)، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشـر، بدون سـنة طبع، ص ص(50-51).

(75) Clerk and Lindsel, On Torts, Twelfth edition, London: without publisher, No. 548, P.P. (548-549). نقلاً عن د.محمد شـتا أبو سـعد، المرجع السـابق، ص53، هامش (1).

(76) د.محمد شـتا أبو سـعد، المرجع السـابق، ص54.

(77) المرحوم د.عبد الرزاق أحمد السـنهوريّ، المرجع السـابق، ص51 مع الهامش.

(78) تُراجع مُحاضراتهِ لطلبة الدكتوراه في كُلية الحقوق/جامعة النهريـن للسـنة الدراسـية (2005-2006).

(79) بينما نجد ان الجنايات العمدية في الشـريعة الموسـوية مُعاقب عليها بالموت، أمـا الجنايات غير العمدية فمُعاقب عليها بالهروب أيّ بهرب القاتل الى احدى مدن الملجأ. ومدن الملجأ ثلاثٌ يلجأ إليها القاتل خطأً وإذا خرجَ منها وصادفهُ وليّ دم الشـخص المقتول فيحقُ لهُ قتلهُ ويكون دمه هدراً عليهِ. إذ جاءَ في الكتاب المُقدس/العهد القديم/سـفر العـدد (35: 9-10)، مايأتي: (( وكلمَ الربُ موسـى قائلاً: كلُم بني اسـرائيل وقُل لهم: إنكُم عابرون الاردن الى أرض كنعان، فتعينون لأنفسـكُم مُدنـاً تكون مُدة ملجأ لكُم، ليهرب إليها القاتل الذي قتل نفسـاً سـهواً )). وجاءَ في السـفر نفسـهِ (العـدد 35: 25-28)، مايأتي: (( وتنقذ الجماعة القاتل {سـهواً} من يد وليّ الدم وتردهُ الجماعة الى مدينة ملجئهِ التي هربَ إليها، فيُقيم هنـاك الى موت الكاهن العظيم ...............، ولكن إنْ خرجَ القاتل من حدود مدينة ملجئهِ التي هربَ إليها، ووجدهُ وليّ الدم خارج حدود مدينة ملجئهِ، وقتلَ وليّ الدم القاتل، فليسَ لهُ دمٌ، لأنهُ في مدينة ملجئهِ يُقيم الى موت الكاهن العظيم. وأمـا بعدَ موت الكاهن العظيم فيرجع القاتل الى أرض ملكهِ )). وجاءَ في سـفر العـدد (35: 31-33)، مايأتي: (( ولاتأخذوا فدية عن نفس القاتل المُذنب للموت، بل إنهُ يُقتل. ولا تأخذوا فديةً ليهرب الى مدينة ملجئهِ، فيرجع ويسـكن في الارض بعدَ موتِ الكاهن. لاتُدنسـوا الارض التي أنتم فيها لأنَ الدم يُدنس الارض. وعن الارض لايكَّفُرُ لأجل الدم الذي سـُفِكَ فيها، إلا بِدم سـافكهِ )) أيّ فرض عقوبة الموت على القاتل إنما هو مظهر من مظاهر سـيادة الدولة الموسـوية لايحول نزول أولياء الدم عنهُ. يُراجع أيضاً (سـفر التثنية) الاصحاح التاسـع عشـر المُكون من احدى وعشـرون عدداً بأكملهِ.

(80) كما ان من الصعوبة تبرير تطبيق القانون الانكلوسـكسـونيّ في السـودان بحجة ان القضاة المنصبون للقضاء في السـودان هم من الانكليز وذلك لأنَ مسـألة وجود القضاة الانكليز مسـألة مؤقتة وزائلة لامحالة. للتفاصيل يُراجع الاسـتاذ زكيّ مُصطفى عبد المجيد، القانون المدني السـودانيّ (تأريخه وخصائصه)، مُحاضرات أُلقيت على طلبة قسـم الدراسـات القانونية، معهد البحوث والدراسـات العربية، 1968، ص12.

(81) في دولة نامية مثل العراق يكون فصل السـُلطات فيها أمراً شـكلياً غير حقيقي في أغلب الأحيان نظراً لحداثة تجربة استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية (ممثلة بوزارة العدل) (الدستور العراقي الدائم لسنة 2005) (المادة 47 منه). تُراجع مقالة القاضي المُتقاعد فتحي الجواريّ، دور السـُلطة التنفيذية في ضمان اسـتقلال القضاء، مقالة منشـورة في مجلة التشـريع والقضاء، العـدد الثاني، 2009، ص49 ومـابعدها.

(82) وفي هذا المعنى نجد ان د.مقدم السـعيد، في كتابه: التعويض عن الضرر المعنوي في المسـؤولية المدنية، ط1، بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشـر والتوزيع، 1985، ص150، قد كتب عن القانون الانكليزي، مايأتي: (( أمـا في الحالات المتعلقة بالاهانة أو السـَّب التي تشـكل جنحة، فللمضرور الحق في التعويض عن هذه الاضرار، وللمحكمة ان تحكم بتعوضٍ مرتفع، كما هي الحال، في حالة الحبس التحكمي والقذف الشـفوي او المكتوب او في حالة قيام المالك ببعض الاشـغال، بقصد اضرار الجيران، او عن الاغواء المقترن بالغش او بظروف اخرى متشـددة، وهذه الاضرار تشـكل دائماً قاعدة للاضرار المادية، والتعويض في هذه الحالة يجاوز الضرر، ووظيفته عقابية {يُلاحظ ان الوظيفة العقابية للتعويض في القانون الانكليزي لا تتقرر بسـبب الاصابات الجسـدية}، تفترض سـوء النية، او على الاقل تهاونـاً جسـيماً مما يكون سـبباً في مضاعفة التعويض عن الضرر )).

(83) د.محمد شـتا أبو سـعد، المرجع السـابق، ص14.

(84) د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (485)، ص418، و د.ياسـين محمد الجبوري، الوجيز في شـرح القانون المدنيّ الاردنيّ، ج1 (مصادر الحقوق الشـخصية) (مصادر الالتزام) (دراسـة موزانة)، ط1، عمان: دار الثقافة للنشـر والتوزيع، 1429هـ، 2008م، بند (1082)، ص542.

(85) د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (485)، ص418. 

(86) الاسـراء/33، إذ جاءَ فيها: (( ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومَنْ قتلَ مظلوماً فقد جعلنـا لوليهِ سـُلطاناً فلا يسـرف في القتل إنهُ كانَ منصورا )).

(87) مُحاضرات أُسـتاذنا الدكتور مصطفى ابراهيم الزلميّ على طلبة الدكتوراه، المرجع السابق.

(88) المرجع السـابق.

(89) د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص77.

(90) اختلفَ علماء القانون في تحديد مفهوم (التعديّ) على الاموال الجائز التعامل فيها (اي الاموال المتقومة) شـرعاً وقانونـاً، كما اختلفوا في كيفية إعمالهِ في القانون المدني العراقيّ الذي أخذَ بهِ في المادتين (186) و (191) منهُ. فذهبَ المرحوم منير القاضي الى ان المُراد منهُ هو ألا يكون للفاعل حق في القيام بالعمل (أو النكل) الذي تولدَ منهُ الضرر. يُراجع لهُ: مُلتقى البحرين (الشـرح الموجز للقانون المدني العراقيّ)، المُجلد الأول، الباب التمهيدي ونظرية الالتزام العامة، بغـداد: مطبعة العاني، 1951-1952، ص298. وهذا قريب من رأيّ الاسـتاذ فخريّ رشـيد مهنـا، المرجع السـابق، ص196، بِقولهِ: (( فالتعديّ هنـا لايمكن تفسـيرهُ إلا بالفعل أو الترك المُخالف للقانون والذي يُكونْ الركن المادي فقط للخطأ )). بينما اتجه أُسـتاذنا د.جاسـم العبودي الى إعتبارهِ (أيّ التعديّ) هو تجاوز لما ينبغيّ لهُ ان يقتصر عليهِ دونَ جواز شـرعيّ، إذ نراهُ كتبَ في بحثهِ الموسـوم: حول المُداخلات في إحداث الضرر تقصيراً (دراسـة مقارنة بين القانون الوضعي والفقه الاسـلاميّ)، بحث منشـور في مجلة العلوم القانونية، كُلية القانون، جامعة بغـداد، العددان الأول والثاني، المُجلد الخامس عشـر، 1999-2000، ص288، مايأتي: (( التعديّ في الأمر هو تجاوز مـاينبغيّ لهُ ان يقتصر عليهِ دون جواز شـرعيّ، وهو ليس التعمد بالذات، ولكنهُ يعد مع هذا في مصاف الخطأ بالنظر لما فيهِ من مسـاس بحقوق الغير دون وجه حق أو عذر شـرعيّ، وهذا بحد ذاتهِ إخلال بإلتزام قانوني، ولذلك فالفقه الاسـلاميّ لايحكُم بالضمان على المباشـر في حال تعديهِ، وكيفَ يُحكم عليهِ بالضمان وهنالك تلك القاعدة الفقهية المشـهورة التي تقول بكل صراحة أنَ الجواز الشـرعيّ يُنافيّ الضمان )).

ويُراجع أيضاً د.محمد فوزي فيض الله، نظرية الضمان في الفقه الاسـلاميّ العام، ط1، الكويت: مطبعة دار العبدلية، 1403هـ، 1983م، بند (113)، ص92، بِقولهِ: (( ويمكن تعريف التعديّ بأنهُ مُجاوزة مـاينبغيّ ان يقتصر عليهِ شـرعاً أو عرفاً أو عادةً ))، يُراجع كذلك بند (295)، ص213، هامش رقم (1) لطفاً.

بينما ينفرد أُسـتاذنا مُصطفى ابراهيم الزلميّ الى إتجاه خاص وفريد بهِ فالتعديّ (عندهُ) = العنصر المادي للخطأ (في الفقه الغربي)، لذا نراهُ كتبَ صراحةً في مُصنفهِ: المنطق القانوني (قسـم التصورات)، بغـداد: مكتبة المرشـد للطباعة والتنضيد الالكتروني، بدون سـنة طبع، ص ص(98-99)، مايأتي: (( وحسـناً فعل المُشـرع العراقيّ حيث أخذَ بما اسـتقرَ عليهِ الفقه الاسـلاميّ من إقرار المسـؤولية التقصيرية لعديم الأهلية والاكتفاء بالعنصر المادي وهو الاخلال بواجب قانوني الممثل بالفعل الضار (أو العمل غير المشـروع) الذي سـماه (التعديّ) في المادة (186) وقضى بمسـؤولية عديم التمييز في المادة (191) وندعو المُشـرع في العالم العربي والاسـلامي الى الاقتداء بهِ )).

ووجهة نظرنـا في هذا الموضوع تتجه الى تحميل (التعديّ) (في حالة الاتلاف طبعاً) عنصر الادراك المعنوي في بعض الوجوه وتجريدهِ منها في وجوهٍ أُخرى. فالتعدي في أحوال التسـبب، كما نراهُ، لابُدَ أن يكون مُقترنـاً بإدراك الفاعل لهُ وقصد اتيانهِ. وفي هذا نرى د.صبحي المحمصاني، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشـريعة الاسـلامية، ج1، المرجع السـابق، ص197، كتبَ مايأتي: (( لم يكُن موقف الشـرع الاسـلاميّ موقفاً مشـايعاً لواحدة فحسـب من النظريتين المُتناقضتين ........ بل هو أخذَ برأيّ وسـيط بينهما. فأوجبَ الخطأ في أحوال التسـبب، ولم يوجبه في أحوال المباشـرة. ونحنُ إذْ نقول ذلك لانسـتقرىء ولانسـتنتج، بل نسـتند الى نص صريح عام. ففي القواعد الكلية من مجلة الأحكام العدلية، المباشـر ضامن وان لم يتعمد والمُتسـبب لايضمن إلا بالتعمد (المادتان 92 و 93) )). أمـا إذا كان سـبب (التعديّ) هو المباشـرة المُطلقة بهِ واتيانهِ من قِبَلْ فاعلهِ، فالضمان يكون عليهِ ولو لم يكُن مدركاً بما يقوم بهِ لأيّ سـبب من الأسـباب كالجنون أو الصغر أو عدم التمييز وذلك لأنَ الضمان على المباشـر مطلقاً ولو لم يكُن مُتعدياً أو مُتعمداً لأنهُ يحقق العدل. وكيفَ ننفيّ عنهُ الضمان وهناك القاعدة الفقهية الشـرعية التي تقول (( الأعذار الشـرعية لاتنافيّ عصمة المحل )). يُراجع د.عبد المجيد الحكيم، الموجر في شـرح القانون المدني، ج1 (في مصادر الالتزام)، بغـداد: المكتبة القانونية، 2007، بند (834)، ص499. وهذا الرأيّ يتوافق مع أحكام التقنين المدني الاردنيّ في حالتي الضمان بالتسـبب الاولى والثانية التي نصت عليها المادة (257) منهُ والتي نصت على مايأتي: ((

1.       يكون الاضرار بالمباشـرة أو التسـبب.

2.       فإن كان بالمُباشـرة لزم الضمان ولا شـرط لهُ إذا وقعَ بالتسـبب فيشـترط التعديّ أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضياً الى الضرر )).

(91) د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص ص(76-77).

(92) يُنظر د.محمد فوزي فيض الله، نظرية الضمان في الفقه الاسـلاميّ العام، ط1، الكويت: مكتبة دار التراث، 1403هـ، 1982م، بند (195)، ص145 ومـابعدها. والاسـتاذ مصطفى أحمد الزرقاء، الفقه الاسـلامي في ثوبهِ الجديد، ج2 (المدخل الفقهي العام)، ط1 (طبعة منقحة ومزيدة)، دمشـق: مطبعة جامعة دمشـق، 1383هـ، 1963م، بند (323)، ص623، إذْ كتبَ فيهِ، مايأتي: (( القصاص (بكسـر القاف) في اللغة مأخوذ من اقتصاص الأثر بمعنى إتباعهِ وتعقبهِ. ثمَ غلب اسـتعمالهِ في معنى قتل القاتل لما فيهِ من تتبع أثر الدم بالعقاب. ويُسـمى القتل على سـبيل القصاص أيضاً: قوداً (بفتحتين) إذ كانت العادة ان يقاد القاتل بحبل أو نحوه الى القصاص. والقصاص في لسـان الشـرع هو: مُعاقبة الجاني على جريمة القتل أو القطع أو الجرح عمداً بمثلها )).

(93) يُنظر عبد القادر عودة، ج2، المرجع السـابق، بند (151) ص114.

(94)                                                 د.فوزي فيض الله، المرجع السـابق، بند (172)، ص ص(132-133).

(95) أقر القرآن الكريم لوليّ الدم أحد الخيارات الثلاثة وهي طلب القصاص أو العدول الى الدية أو التنازل عن كليهما في قولهِ تعالى: (( ومَنْ قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنـا لوليهِ سـُلطاناً )) والسـُلطان هو أحد الخيارات الثلاثة. وجدير بالذكر ان هذا الخيار يسـقط إذا كان الجاني سـبقَ وان ارتكب جريمة الاعتداء على النفس أو مـادون النفس سـابقاً لأنهُ في هذهِ الحالة لايسـتحق العطف أو المُسـاعدة ولدلالة ذلك على خطورتهِ على المجتمع. وفلسـفة هذهِ الخيارات هي قاعدة الغنم بالغرم أو بِعبارة أُخرى النقمة بالنعمة وبالعكس. تُراجع مُحاضرات أُسـتاذنا د.مصطفى ابراهيم الزلميّ التي ألقاها على طلبة الدكتوراه، القسـم الخاص، كُلية الحقوق، جامعة النهرين، للعام الدراسـيّ (2005-2006). ومن الجدير بالذكر قوله ان احدى اتجاهات الفقه الاسـلاميّ الحديثة ترى ان العفو عن القصاص بالاكراه لاينفسـخ بهِ وذلك مثل الظهار والايلاء والرجعة واليمين والزواج والطلاق والعتق، وهي كلها تصرفات فعلية لاتنفسـخ بالاكراه. يُراجع د.محمد يوسـف موسـى، الأموال ونظرية العقد في الفقه الاسـلاميّ (مع مدخل لدراسـة الفقه وفلسـفتهِ)، القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1987، ص397.

(96) وبهذهِ المُناسـبة نودُ أن نُشـير الى مـاكتبهِ الاسـتاذ عبد القادر عودة، ج2، المرجع السـابق، بند (150)، ص114، (( وعقوبتـا الدية والتعزير كلاهما بدل من عقوبة القصاص فإذا امتنعَ القصاص لسـبب من الأسـباب الشـرعية التي تمنع القصاص حلت محله عقوبة الدية مُضافاً إليها التعزير ان رأت الهيئة التشـريعية وإذا امتنعت عقوبة الدية لسـببٍ من الأسـباب الشـرعية حلت محلها عقوبة التعزير. فالفرق بينهما ان عقوبة التعزير تكون أحياناً بدلاً من القصاص وتكون أحياناً بدلاً من بدل القصاص أيّ بدلاً من عقوبة الدية التي هي في الأصل بدل من عقوبة القصاص. أمـا عقوبة الدية فهي بدل من القصاص فقط )). وبهذا يتفق المرحوم عبد القادر عودة مع د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص75، بأنَ قاعدة لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص، لايمكن نسـبتها الى الشـريعة الاسـلامية، في غير الحدود والقصاص على إطلاقها.

(97) تُراجع مُحاضرات أُسـتاذنا الدكتور مُصطفى ابراهيم الزلميّ، على طلبة الدكتوراه في كُلية الحقوق، جامعة النهرين، سـنة 2005.

(98)                         ففيما يتعلق بالضمان في الجناية على النفس عمداً هناك القصاص أو الدية أو عفو وليّ الدم، وفيما يتعلق بالضمان في الجناية على النفس من غير العمد هناك الدية والارش وحكومة العدل. فالدية هي مـايؤدى الى أعمال بدلاً من النفس في الجرائم العمدية. والارش هو مـايدفع في الجناية على مـادون النفس، وهو جزء من الدية. أمـا حكومة العدل فتجب في مـا لايجب فيهِ دية ولا ارشٌ مقدر، ويُحكم بها في الجناية على مـا لايمكن فيهِ الممثالة سـواء أكانت الجريمة عمدية أم غير عمدية. يُراجع د.عبد المجيد الحكيم، الموجز في شـرح القانون المدني (مصادر الالتزام)، بغـداد: المكتبة القانونية، 2007، بند (814)، ص483.

(99) يُراجع الشـيخ باقر الايرواني، دروس تمهيدية في الفقه الاسـتدلاليّ، ج4 (قسـم الأحكام)، ط3، قُم (ايران): 1225هـ.ق، 1383هـ، ص272 ومـابعدها. آية الله علي المشـكيني، المرجع السابق، ص252 ومـابعدها. و د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص32.

(100)          د.عبد السـلام التونجي، المرجع السـابق، ص33.

(101)          وهذا ماتوصلنا إليهِ اسـتنتاجاً وليس نصاً. يُراجع أبو القاسـم نجم الدين جعفر بن الحسـن (المُحقق الحلي)، شـرائع الاسـلام في مسـائل الحلال والحرام تحقيق عبد الحسـين محمد بن علي بقال، قُم (ايران): دار التفسـير، ج4، ص224، إذ كتبَ مايأتي: (( .......... ولو طالب بالدية، أُعطيّ اليقين، وهو دية الشـفرين، ولو تبيّن بعدَ ذلك انهُ رجل، اكمل لهُ دية الذكر والانثيين، والحكومة في الشـفرين .......... ولو قال: أُطالب بدية عضو مع بقاء القصاص في الباقي، لم يكن لهُ. ولو طالب بالحكومة مع بقاء القصاص، صَحَّ، ويُعطى أقل الحكومتين )). ويُراجع أيضاً عبد القادر عودة، ج2، المرجع السـابق، بند (328)، ص261.

(102)          يُنظر د.صبري حمد خاطر، الضرر المُرتد في القانون العراقيّ والمُقارن، بحث منشـور في مجلة العلوم القانونية، كُلية القانون، جامعة بغـداد، المُجلد الثامن، العددان الأول والثاني، 1989م، ص256، بِقولهِ: (( الدعوى الوراثية لايُقيمها إلا الوارث، وقد تُقام بمناسـبة الاخلال بالعقد )).

(103)          فالوارث يحق له مطالبة الجاني بالتعويض وفق احكام الدعوى الميراثية او الدعوى الارتدادية أيهما يختار. ولكن لايجوز له ان يجمع في دعوى او مطالبة قضائية واحدة بينهما (بموجب أحكام القضاء العراقي التي سـوف نبحثها في الفرع الثالث من هذا البحث). وهذا خلاف رأيّ د.عزيز كاظم جبر، الضرر المُرتد وتعويضه في المسـؤولية التقصيرية (دراسـة مقارنة)، ط1، عمان: دار الثقافة للنشـر والتوزيع، 1998، ص ص(64-65).

(104)          بصفتهِ مُعالاً ومضروراً لابِصفتهِ وارثـاً مُسـتحقاً لتركة مورثهِ.

(105)          يراجع د.سـامي النصراوي، دراسـة في اصول المحاكمات الجزائية، ج1 (في الدعوى العمومية والدعوى المدنية والتحري والتحقيق والاحالة)، بغداد: مطبعة دار السـلام (سـاعدت الجامعة المسـتنصرية على طبعه)، 1976، ص249 ومـابعدها.

(106)          د.صبري حمد خاطر، المرجع السـابق، ص228.

(107)          د.صبري حمد خاطر، المرجع السـابق، ص225.

(108)          يراجع المرحوم د. عبد الرزاق احمد السـنهوري، الوجيز، المرجع السـابق، بند (363)، ص354.

(109)          المرحوم د.عبد المجيد الحكيم، المرجع السـابق، بند (874)، ص534 ود.سـامي النصراوي المرجع السـابق، ص 257.

(110)          د.ياسـين محمد الجبوريّ، المرجع السـابق، بند (1119)، ص571، و د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (499)، ص427.

(111)          د.ياسـين محمد الجبوري، المرجع السـابق، بند (119)، هامش رقم (4) و د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (494) ص424، و د.أنور سـُلطان، النظرية العامة للالتزام، ج1 (مصادر الالتزام)، الاسـكندرية، دار المعارف، 1965، بند (439)، ص492.

(112)          ينظر المادة (7) من قانون التأمين الالزاميّ من حوادث السـيارات (العراقيّ) رقم (52) لسـنة 1980 (قبلَ نفاذ القرارين 815 لسـنة 1982 و106 لسـنة 1985) وتعليق المرحوم علي محمد ابراهيم الكرباسـي عليها في مُصنفهِ: شـرح قانون التأمين الالزامي من حوادث السـيارات رقم (52) لسـنة 1980 المُعدل، بغـداد: مطبعة العمال المركزية، 1986، ص19.

(113)          د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (494)، ص424.

(114)          د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (495)، ص ص(421-425) و د.ياسـين محمد الجبوريّ، المرجع السـابق، بند (1119)، ص ص(571-572).

(115)          آلان فارنسـويرث، المدخل الى النظام القضائي في الولات المُتحدة الامريكية، ترجمة د.محمد لبيب شـنب، القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، بدون سـنة طبع، ص166.

(116)          يُراجع هنري رياض وكرم شـفيق، أشـهر الأحكام السـودانية (عشـرة أحكام)، بيروت-لبنـان: دار الثقافة، 1967، ص102.

(117)          يُراجع حول هذا الموضوع الاسـتاذ زكيّ مُصطفى عبد المجيد، المرجع السـابق، ص ص(105-106).

(118)          جاءَ في قرار محكمة التمييز العراقية الصادر في 17/شـباط/1968 بأنَ: (( المُطالبة بالتعويض حقٌ شـخصيّ لايصحُ إنكارهُ، وإذا طالبَ المُصاب قبلَ وفاتهِ بالتعويض وحُكم لهُ بذلك فإنَ التعويض يُعتبر تركةً بعدَ الوفاة توزع على الورثة الشـرعيين، وإذا كان الضرر الذي أصابَ المضرور هو الموت نتيجةً للقتل أو الجرح أو أيّ فعل ضار على مـاجاءَ في المادة (203) فإنَ التعويض يُدفع الى المُعالين إذا إنفردوا. وفي حالة إجتماع المُعالين والورثة الشـرعيين، فيندمج التعويض الى المُعالين على مقدار مـاتُنسـبهُ المحكمة الجزائية، كما ويُدفع التعويض الى الورثة وفقاً للمادة (202) ويُوزع طبقاً لأحكام الميراث الشـرعيّ )). قرار أشـارَ إليهِ د.سـعدون العامريّ، تعويض الضرر في المسـؤولية التقصيرية، بغـداد: وزارة العدل-منشـورات مركز البحوث القانونية، 1981، ص ص(132-133).

(119)  بالنسـبة للأُسـتاذ عزيز كاظم جبر، يُشـكك في موقف القضاء العراقيّ بشـأن حكمهِ في الدعوى الميراثية إذ كتبَ عنها في مؤلفهِ: الضرر المُرتد، المرجع السـابق، ص66 مايأتي: (( ولكن هل ان محكمة تمييز العراق في القرارات التي إطلعنـا عليها والتي حكمت فيها بموجب القسـام الشـرعيّ، قد أخذت بنظر الاعتبار نوع الطلب المُثبت في اسـتدعاء الدعوى؟ أيّ هل إنها عندما حكمت بذلك كانت تسـتندُ الى مُطالبة المُدعين بتعويضهم عن أضرار مورثهم التي آلت إليهم بعدَ وفاتهِ؟ الحقيقة انيّ أشـكُ في ذلك........ ومن ناحيةٍ أُخرى نجدُ ان محكمة التمييز حتى في قراراتها التي تتحدث فيها عن دخول التعويض في تركة المتوفى لاتُعطي انطباعاً على إنها تنظر الى الضرر الذي أصابَ المورث وانتقل الحق في تعويضهِ الى ورثتهِ بالوفاة )).

(120)          تُراجع للأُسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ:

§         تطور اتجاهات القضاء في العراق حول التعويض الادبيّ، مجلة دراسـات قانونية، بغـداد: بيت الحكمة، 2001، ص89.

§         تطور اتجاهات القضاء العراقيّ حول التعويض الادبيّ، مقالة جانبية منشـورة في مؤلفهِ: المختار من قضاء محكمة التمييز (قسـم القانون المدنيّ والقوانين الخاصة)، ج9، بدون ذكر لمكان الطبع وجهة النشـر، ص94.

(121)           نسـتنتج ممّا تقدم ان الدعوى الميراثية يجيزها القانون المدني الاردنيّ بمقتضى الدية الشـرعية المنصوص عليها في المادة (273) مدني أُردنيّ هذا فضلاً عن حقهِ في المُطالبة بالتعويض بمقتضى حرمانهِ من الاعالة (الدعوى الارتدادية أيضاً). (( وهذا يعني ان المعول إذا كان ورثة المتوفى، فيثبت لهُ حقان، حق في التعويض عن الضرر المادي الذي ثبتَ للمُصاب وانتقل بعد وفاتهِ الى ورثتهِ ومنهم المعول، وحق شـخصي يثبت للوارث المعول مباشـرةً على اثر وفاة مورثهِ ومعيله )). يُراجع د.عدنـان نوري السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (1504)، ص430. بينما لايحق للوارث بمقتضى أحكام القانون المدني العراقيّ أن يُطالب بحق مورثهِ بمقتضى الدعوى الميراثية.

(122)          د.عباس الحسـنيّ، شـرح قانون أُصول المُحاكمات الجزائية الجديد، المجلد الأول، بغـداد: مطبعة الارشـاد، 1971، ص88.

(123)          د.عباس الحسـنيّ، المرجع السـابق، ص89 و د.عزيز كاظم جبر، المرجع السـابق، ص60 و د.علي غسـان أحمد، رسـالة ماجسـتير، المرجع السـابق، ص ص(213-214).

(124)          للتفاصيل يُراجع:

§        د.حُسام الدين كامل الاهوانيّ، الحق في احترام الحياة الخاصة (الحق في الخصوصية)، القاهرة:دار النهضة العربية، بلا سنة طبع، بند(98)، ص151.

§        د.أكرم فاضل سـعيد قصير، خلافة الحقوق والالتزامات الشـخصية في الاشـياء غير المادية (دراسـة قانونية مقارنة)، اطروحة دكتوراه، كُلية الحقوق، جامعة النهرين، 1430هـ، 2009م، ص224 ومـابعدها.

(125)          الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، تطور اتجاهات القضاء العراقيّ حول التعويض الادبيّ، المرجع السـابق، ص85.

(126)          وفي هذا المعنى نجد ان القضاء العراقيّ قد ذهبَ الى تأكيد هذا الحكم في حالة مُعاكسـة لها. ففي دعوى قضت فيها محكمة التمييز فيها بأنهُ: (( إذا لم يمُت المُصاب فلا يحكم لوالدهِ بتعويض أدبيّ عن اصابة ولدهِ )) (القرار 664/مدنية رابعة/1979 في 16/2/1980). كما قضت أيضاً بأنهُ: (( لايحقُ للغير المُطالبة بالتعويض الادبيّ إلا في حالة موت المُصاب )) (القرار 1098/مدني اولى/1979 في 22/5/1979)، أشـارً إليهما د.منذر الفضل، الضرر المعنوي في المسـؤولية المدنية، الموسـوعة الصغيرة، بغـداد: وزارة الثقافة والفنون، دار الشـؤون الثقافية العامة، 1990.

(127)          يُراجع:

§         د.محمود سـعد الدين الشـريف، شـرح القانون المدني العراقيّ، مصادر الالتزام، بغـداد: مطبعة العاني، 1374هـ، 1955م، بند (410)، ص398.

§         د.سـعدون العامريّ، المرجع السـابق، ص138.

(128)          قرار محكمة التمييز الصادر بالعـدد 303/مدنية أولى/1978 في 11/5/1978 نقلاً عن د.سـعدون العامريّ، المرجع السـابق، ص22.

(129)          قرار محكمة التمييز الصادر بالعـدد 77/مدنية أولى/1975 في 21/5/1978 (قرار منشـور المبدأ). يُراجع ابراهيم المشـاهديّ، المبادىء القضائية في قضاء محكمة التمييز، قسـم القانون المدني، بغـداد: وزارة العدل-منشـورات مركز البحوث القانونية، 1988، (ت119)، ص280.

(130)          بينما يتجه القضاء الفرنسي ومنذ وقت طويل الى تعويض والدي القاصر لأفتراض اعالة القاصر المتوفي لهما. يراجع حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية (بوردو)  الصادر عام (1881) الذي قضى بالتعويض لأهل طفل ذهب ضحية حادث مرور، ورأى في هذا التعويض وسيلة للتخفيف من حزن ابويه، مسـتنداً في ذلك الى حق الابوين في المطالبة بالتعويض عما لحقهم من اضرار مادية ومعنوية نتيجة وفاة الابن، الذي كان يمكن ان يعاونهم في الحصول على الكسب المادي لو ظل حياً. للتفاصيل يراجع د. مقدم السعيد، المرجع السابق، ص 178.

(131)          ومن الضروري الاشـارة اليها كاملةً: (( بسـم الله الرحمن الرحيم. والتين والزيتون وطور سـنين. وهذا البلد الامين. لقد خلقنـا الانسـان في أحسـن تقويم )) (سـورة التين 95/1-4).

(132)          الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، المختار، ج9، المرجع السـابق، ص ص(93-94) ومقالته الموسـومة: تطور اتجاهات القضاء في العراق حول التعويض الادبيّ، المرجع السـابق، ص89.

(133)          المرجع السـابق.

(134)          قرار محكمة التمييز الصادر بالعدد 223/مدنية اولى/1979 أشـارَ اليهِ د.منذر الفضل، كما أشـارَ أيضاً لقرار آخر صادر عن محكمة التمييز جاءَ فيهِ، مايأتي: (( لايحكم للصغير غير المييز بتعويضٍ أدبيّ لعدم ادراكهِ ماهية المصيبة وعدم شـعورهِ بالألم والحزن بسـببها )) (القرار 1060/مدنية اولى/1979 في 21/10/1979) أشـارَ اليهِ د.منذر الفضل، المرجع السـابق، ص71.

(135)          قرار محكمة التمييز الصادر بالعدد 456/د/84083 في 29/4/1984 أشـارَ الى منطوقهِ د.منذر الفضل، المرجع السـابق، ص ص(70-71).

(136)          أشـارَ الاسـتاذ ابراهيم المشـاهدي الى تدخل محكمة التمييز بالوقائع في كتابهِ: مناقشـات قانونية، بغـداد: وزارة العدل، الدائرة القانونية، 1413هـ، 1993م، ص ص(54-55). ومن القرارات التمييزية التي تثبت تدخل القضاء التمييزي في الوقائع قرار محكمة اسـتئناف منطقة بغـداد/الرصافة بِصفتها التمييزية الصادر بالعدد 313/ت/2006 في 22/10/2006، (اعلام 310)، قرار غير منشـور، إذ جاء فيهِ: (( ولدى عطف النظر على القرار الممييز وجّد انهُ غير صحيح ومُخالف للقانون ذلك ان تقدير قيمة العقار لايتناسـب مع موقعهِ ومسـاحتهِ ومشـتملاتهِ ولهُ تأثير في إجراءآت المزايدة التي سـوف تتم اسـتناداً لذلك التقرير ممّا يقضيّ تحقيقاً للعدالة الاسـتعانة برأيّ ثلاثة خبراء على أن يكونوا من المُختصين في العقارات .......... )). ونختار من قرار محكمة التمييز قرارها الصادر بالعدد 881/مدنية ثالثة/2003 في 8/12/2003 (قرار منشـور)، في مجلة الأحكام القضائية، شـباط لسـنة 2004، ص1، إذ جاءَ فيهِ مايأتي: (( .......... قرر تخفيض التعويض الادبي المُقرر للأولاد من مائتيّ ألف دينـار لكل منهم الى مائة ألف دينـار للكل واحد منهم، (!) ومن جهةٍ أُخرى وجد ان مصاريف الدفن التي قررتها اللجنة مائة ألف دينـار وهي قليلة لاتكفِ لسـد المصاريف تقرر زيادتها الى مائة وخمسـين ألف دينـار وصدر القرا بالاتفاق (!!!) )).

(137)          الاسـتاذ ابراهيم المشـاهديّ، تطور اتجاهات القضاء في العراق حول التعويض الادبيّ، المرجع السـابق، ص86.

(138)          د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (505)، ص432.

(139)          يُراجع ابراهيم المشـاهديّ، تطور اتجاهات القضاء في العراق حول التعويض الادبيّ، المرجع السـابق، ص88. 

(140)          يُراجع ابراهيم المشـاهديّ، تطور اتجاهات القضاء في العراق حول التعويض الادبيّ، المرجع السـابق، ص ص(88-89).

(141)          قرار منشـور في مجلة التشـريع والقضاء، العدد الثالث، السـنة الثانية، 2010، ص163 ومـابعدها.

(142)          فأن طالب المعال او المعيل بالتعويض من المسؤول عن احداث اصابة معيله او معاله فأن على المحكمة المختصة بنظر الدعوى ان تقضي برد دعواه حتى لو اثبت المدعي سواء أكان معالاً او معيلاً ان عجزاً دائماً لحق بالمضرور. وهذه النتيجة من المؤسف على القضاء العراقي تبنيه لها وتمسكه بها. في حين نجد ان القضاء الجزائري، وعلى الرغم من سكوت القانون المدني الجزائري عن تنظيم حكم الضرر المعنوي وتعويضيه بنص صريح، فأنه يقضي بالتعويض للمدعي سواء أكان معالاً او معيلاً للمضرور المصاب، اذ سبق للغرفة الادارية لمجلس الجزائر ان قضى بالتعويض المعنوي في قضية معروضة عليه بتاريخ 29/ايار (مايو)/ 1979، تتلخص وقائعها بسقوط طائرة تابعة للقاعدة الجوية العسكرية ببوفاريك، على منزل احد الاشخاص، فتسبب هذا الحادث في اضرار جسيمة مادية ومعنوية،  منها ان ابنته البالغة 13 عاماً عند وقوع الحادث، اصيبت بجروح بليغة وعجز مستديم، فضلا عن الاضرار الاخرى. وبعد اجراء الخبرة اكد تقرير الخبرة ان العجز المستديم يقدر بنسبة (15%) ونجم عنه ضرر معنوي ومادي بمبلغ اجمالي عشـرين الف دينار جزائري قضى به المجلس للمعيل (اي والد الطفلة المصابة). ينظر قرار المجلس الصادر بالعدد 496/1399، غ.م في 29 ايار (مايو) سنة 1979. للتفاصيل يراجع د. مقدم السعيد، المرجع السابق، ص ص (182-183). اما لو كان الحادث الجوي العسكري واقعاً في العراق لقضت المحكمة المختصة برد دعوى والد الطفلة (الدعوى الارتدادية) بحجة عدم تحقق الخصومة فيها.

(143)          بينما نجد ان القانون الاردنيّ يجيز مثل هذهِ الدعوى. للتفاصيل يُراجع د.عدنـان ابراهيم السـرحان و د.نوري حمد خاطر، المرجع السـابق، بند (498)، ص426 بقولهما: (( ولا اشـكال حول حق الورثة في المطالبة بالتعويض عن هذهِ الاضرار التي أصابت مورثهم مُسـتخدمين أو مُكملين الدعوى بالتعويض التي كانت لمورثهم والتي وجدوها في تركتهِ التي انتقلت اليهم. فالورثة يُعتبرون اسـتمراراً لشـخصية المورث، فيسـتطيعون المُطالبة بما يحق لمورثم المطالبة بهِ، وهم يسـتطيعون المطالبة بالتعويض عن تلك الاضرار سـواء أَرفعَ المورث الدعوى قبلَ وفاتهِ أم لا، وإذا كان رفعها لايهم أيضاً ان صدر الحكم فيها وتمَ تقدير مبلغ التعويض أم لم يتم تقديره بعد. ولكن إذا كان المتضرر قد تنازل قبلَ وفاتهِ صراحةً عن حقهِ في رفع دعوى التعويض، فإنَ هذا التنازل يمكن ان يواجه بهِ الورثة على انهُ لايمكن ان يسـتنبط من سـكوت المتضرر قبل موته انه هو تنازل عن حقهِ ضمنيـاً )).

(144)          كتبَ د.عزيز كاظم جبر، المرجع السـابق، ص ص(67-68)، مايأتي: (( وهكذا نجد ان محكمة التمييز تُعطيّ رأيين في مسـألة واحدة وهي ان المُتضرريين بالإرتداد إنما يُطالبون بالتعويض عمّا أصابهم شـخصياً من أضرار.........وعليهِ فإنَ القول بأنهم يسـتحقون ذلك التعويض حسـبَ حصتهم في الميراث هو قولٌ مرفوض، اللهم إلا إذا طالبوا بذلك وعندها إذا جاءت مُطالبتهم مُقتصرة على تعويضهم عن الاضرار التي أصابت الضحية المُباشـرة. فيكون حكم المحكمة بتعويضهم وفق القسـام الشـرعيّ صحيحاً. أمـا إذا طالبوا بالاثنين معاً (أيّ بالأضرار الشـخصية مُضافاً إليها الأضرار التي أصابت المورث) فيجب أن يتضمن الحكم النوعين من التعويضات {وهذا الرأيّ يُخالف وجهة نظرنـا التي عبرنـا عنها في الفرع الثاني (التعويض في الفقه الغربي) من المطلب الأول من المبحث الثاني، هامش رقم 2}، أيّ التعويض الذي يُقسـم وفق القسـام الشـرعيّ والتعويض الذي يُعطى لهم حسـب الضرر الذي أصابَ كلاً منهم )). 

(145)          قرار منشـور في مجلة التشـريع والقضاء، السـنة الثانية، العـدد الأول، 2010، ص224.

(146)          يراجع قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز العراقية الصادر بالعدد 243/ هيئة عامة/2008 في 13/8/2009 المنشـور في مجلة التشـريع والقضاء بالعدد الثالث منها لسـنة 2010 وفي الصفحة 163 ومـايليها.

(147)          بينما نجد ان المُشـرع الاردنيّ قدجمعَ بين نظاميّ (الدية) الشـرعيّ و (التعويض) المدني الغربيّ. فقرر النظام الأول بمُقتضى المادة (273) مدني أُردنيّ الى المُجنى عليهِ وورثتهِ الشـرعيين، بينما قرر النظام الثاني للمضرورين من غير الورثة بمقدار مـا أصابهم من ضرر بمُقتضى المادة (274) مدني أُردنيّ. وبهذهِ المُناسـبة نودُ أنْ نُشـير الى مـاجاءَ في المُذكرات الايضاحية للقانون المدني الاردنيّ، الجزء الأول، عمان: نقابة المُحامين الاردنيين، بلا سـنة طبع، ص ص(304-305)، مايأتي: (( رؤيَّ التفريق بين المال الذي يجب بسـبب الجناية، وهو الدية، أو الارش أو حكومة العدل وبين التعويض عن الضرر، ففي الحالة الاولى إنما يسـتحقُ الدية عن النفسِ أو مـادونها المُجنى عليهِ أو الورثة الشـرعيون حسـب الأحكام الشـرعية. وفي الحالة الثانية يجوز للمُتضررين المُشـار إليهم، ولو من غير الورثة، أن يُطالبوا بالتعويض على قدر مـا أصابهم من ضرر حسـبما ذُكِرَ في المادة (267) من هذا المشـروع رعايةً لقاعدة المصالح المُرسـلة والمادة (58) من المجلة وشـرحها لِعليّ حيدر، ولِما ذُكِرَ في المُذكرة الايضاحية للمادة (267) المُشـار إليها )).

(148)          كما كتبَ الدكتور سـليمان مرقس (أيضاً)، المسـؤولية المدنية في تقنينات البلاد العربية، القسـم الأول (الأحكام العامة: الضرر والخطأ والسـببية)، معهد البحوث والدراسـات العربية، 1971، ص ص(458-459)، مايأتي: (( ان المُشـرع العراقيّ قصدَ أن تقوم المسـؤولية المُقررة بالمادة (202) على أسـاس الخطأ، لأنهُ حتى في جرائم الاتلاف المُباشـر التي تقضي فيها الشـريعة الاسـلامية بالضمان دون اشـتراط التعديّ قد آثر هو أن يخرج على القاعدة الشـرعية وان يشـترط التعديّ )).

(149)          والقصاص نظام معروف في الشـريعة الموسـوية فقد جاءَ في الكتاب المُقدس/العهد القديم/سـفر الخروج (12:21): (( مَنْ ضربَ انسـاناً فماتَ يُقتلُ قتلاً ))، وجاءَ فيهِ أيضاً في سـفر اللاويين (24: 19-22): (( وأيُّ انسـانٍ أحدثَ عيباً في قريبهِ، فاليُصنعْ بهِ كما صَنَعَ الكسـرُ بالكَسـرِ والعينُ بالعينِ والسـنُّ بالسـنِ كما لعيبِ الذي يُحدثُهُ في الانسـانِ يُحدث فيهِ. ومَنْ قَتَلَ بهيمةً يُعوّضُها ومَنْ قَتَلَ إِنسـاناً يُقتلُ. حُكمٌ واحدٌ يكُونُ لكُمْ. للغريبِ وللصريحِ إنيّ أنـا الربُّ إلهكُمْ ))، كما جاءَ في سـفر الخروج (21: 23-27) مايأتي: (( وإنْ حصلت أذية تعطى نفسـاً بنفس، وعينـاً بِعين، وسـناً بِسـن، ويداً بيد، ورجلاً بِرجل، وكياً بِكيّ، وجرحاً بجرح ورضاً برضَّ. وإذا ضرب انسـان عين عبدهِ أو عين امتهِ فأتلفها، يطلقه حُراً عوضاً عن عينهِ. وان أسـقطَ سـن عبدهِ أو سـّن امته يُطلقه حُراً عوضاً عن سـنهِ )).

(150)          يُراجع محمد طه البشـير و د.هاشـم الحافظ، القانون الروماني (الأموال والالتزام)، بغـداد: مطبعة جامعة بغـداد (طبع على نفقة جامعة بغـداد ولأغراض مجانية التعليم)، 1982، ص204.

(151)          المرجع السـابق.

(152)          المرجع السـابق.

(153)          عرفت الشـريعة الموسـوية (الدية) في صورها المختلفة، فقد جاءَ في العهد القديم/سـفر الخروج/الاصحاح الحادي والعشـرون (18-22)، مايأتي: (( وإذا تخاصمَ رجلان فضربَ أحدهما الآخر بحجر أو بِلكمةٍ ولم يُقتل بل سـقطَ في الفراش، فإن قامَ وتمشـى خارجاً على عكازة يكون الضارب بريئاً. إلا إنهُ يعوض عطلته، وينفق على شـفائهِ. وإذا ضرب انسـان عبده أو امته بالعصا فماتَ تحتَ يدهِ ينتقم منهُ. لكن إنْ بقيّ يومـاً أو يومين لاينتقم منهُ لأنهُ مالهُ. وإذا تخاصمَ رجالٌ وصدموا امرأة حُبلى فسـقط ولدها ولم تحصل أذية، يُغرم كما يضع عليهِ زوج المرأة، ويدفع عن يد القضاة )). يُراجع عزرا حداد، فصول عن الكتاب المُقدس بإسـلوب قصصيّ، لجنة المدارس الاسـرائيلية، بغـداد، مطبعة الاعتماد، 1947، ص83. كما جاء في الاصحاح الحادي والعشرون من سفر الخروج (28-32)، مايأتي: (( واذا نطح ثور رجلاً او امرأة فمات، يرجم الثور ولا يؤكل لحمه. واما صاحب الثور فيكون بريئاً. ولكن ان كان ثوراً نطاحاً من قبلُ، وقد أُشهد على صاحبه ولم يضبطه، فقتل رجلاً او امرأة ً، فالثُور يُرجم وصاحبه ايضا يُقتل. وان وضُعت عليه فديةٌ، يدفع فداء نفسه كلما يوضع عليه. واذا نطح ابناً او نطح ابنةً فبحسب هذا الحكم يُفعل به. ان نطح الثور عبداً او أمةً، يعطى سيده ثلاثين شاقل فضَّة، والثور يُرجمُ )). ينظر انتقاد د. صبحي المحمصاني لآيات ضرر الثيران في مؤلفه: الموجبات والعقود، ج1، المرجع السابق، ص232.

(154)          وهذا هو اتجاه قانون حمورابي القديم، للتفاصيل تُراجع المرحومة د.ليلى عبد الله سـعيد، المسـؤولية المدنية في شـريعة حمورابي، ط1، بغـداد: دار الشـؤون الثقافية العامة، 2001، ص64.

(155)          يُنظر في هذا الموضوع:

§         د.أيـاد عبد الجبـار ملوكيّ، المسـؤولية عن الأشـياء وتطبيقها على الأشـخاص المعنوية بوجهٍ خاص (دراسـة مُقارنة)، ط1، بغـداد: مطبعة بابـل (سـاعدت جامعة بغـداد على نشـرهِ)، 1982، بند (152)، ص190.

§         د.جبـار صابر طه، المرجع السـابق، ص ص(150-151).

§         د.حسـن علي الذنون، المبسـوط في شـرح القانون المدني، ج2 (الخطأ)، ط1، عمان: دار وائل للنشـر، 2006، بند (98)، ص73.

(156)          د.أيـاد عبد الجبار ملوكيّ، المرجع السـابق، بند (152)، ص153، و د.حسـن علي الذنون، المرجع السـابق، بند (101)، ص76.

(157)          في حين بدأ تيار جديد، ينشـأ في الفقه الغربيّ، يدعو الى أن يكون للتعويض المدني هدف عقابيّ مَبنيٌّ الى جنب مع هدفهِ المُتعلق بإصلاح الضرر. للتفاصيل تُراجع د.ليلى عبد الله سـعيد، المرجع السـابق، ص61.

(158)          د.محمد أبو شـتا سـعد، المرجع السـابق، ص56.

(159)          يُراجع أُسـتاذنا د.مجيد حميد العنبكيّ، مبادىء المسـؤولية التقصيرية في القانون الانكليزيّ، ج3 (تقدير التعويض)، مجلة دراسـات قانونية، بيت الحكمة، العدد الرابع، السـنة الرابعة، 2002، ص ص(88-89). وهذا النوع من الاضرار يكون التعويض فيه زهيداً، اي رمزياً، كتأكيد للحق في التعويض، ويكون دائماً في حالة الاعتداء او الايذاء او المرور بدون حق على ارض الغير. يراجع د. مقدم السعيد، المرجع السابق، ص 150.

(160)          عبد القادر عودة، المرجع السـابق، بند (336)، وبند (338)، ص261.

(161)          المرجع السـابق.

     

  التعليقات 

   اضافة تعليق 

يرجى كتابة

مالايزيد

عن 250

حرفاً فقط

الأســـــم :

البريد الالكتروني :

التعليق :